بكلّ صدق وشفافية، السنتان من 1998 الى سنة 2000 وجدت فيهما كلّ المؤازرة من رئيسي المباشر المرحوم عبالقادر عقير… وبالتشاور معه ومع المدير الفرعي للبرامج حاولنا ان نعمل من اجل تطوير المنتوج الاذاعي بعيدا عن العاطفة… وهنا اعني بعيدا عن (هذا متاعي وهذا موش متاعي)… وكل من عاشرني في مسيرتي الاذاعية يعرف انه لا قلب لي في تقييم ايّ عمل…
من ذلك مثلا انني وفي اجتماع لوضع ملامح شبكة جديدة عبرت عن موقفي من احد البرامج الذي وحسب رؤيتي لم يعد مجديا، لانه كان بالاساس ترفيهي بحت ويعتمد فقط على خفة روح منشطيه الاثنين… وباتفاق مع الادارة وباستغراب البعض تقرّر عدم برمجته في الشبكة الجديدة… قلت باستغراب البعض لانّ هؤلاء ظنوا اني ساكون مدافعا شرسا عن تجديد العهدة له، خاصة انّ منشطيه هما من تلاميذي الذين كونته… وحتى المنشطان عندما علما بموقفي لم يكتفيا بالدهشة بل ظنّا انّي حاربتهما وحاربت نجاحهما… ولم يفهما انّي انطلق في تقييمي لايّ برنامج من خلال ما اومن به من جدواه او عدم جدواه… وذهب الامر باحدهما انه اصبح يكنّ لي عداوة استمرت لسنوات .. سامحه الله وغفر له…
من الاشياء التي تحتفظ بها ذاكرتي في تلك الفترة انتاج برنامج (الراي والراي الاخر)… نعم ارتاينا فيه ان يرسل الينا المستمع مراسلة او عبر الهاتف مباشرة مواقفه النقدية للبرامج مثمنين فيه نقده لا انتقاده من جهة، ومحثّين المنتجين على الاستماع واصلاح بعض الهنات… كنت انا المشرف علي هذا البرنامج ويشهد الله اني كنت نزيها وصادقا وشفافا مع المستمعين والمنتجين… وطبعا راى بعض المنشطين انّ النقد الموجّه اليهم من المستمعين هو تصفية حسابات… ومرة اخرى سامحهم الله على مثل هذه التهم ..خاصة اني كنت اضع رسائل المستمعين ونقدهم على ذمة اي منتج او منشط ليتثبت في الامر…
هنالك ايضا برنامج اخر حرصت على انتاجه وتقديمه وعلى امتداد اربع حلقات بمناسبة ذكرى عيد ميلاد اذاعة صفاقس سنة 1999 … وكان يحمل كعنوان (مكتبة الاذاعة)… برنامج توثيقي بحت لمسيرة اذاعة صفاقس منذ 1961 حتى سنة 1999 … وخصصت لكل حلقة عشرية من عمر اذاعة صفاقس… البرنامج تطلّب منّي البحث بكلّ دقة في تلك المسيرة من حيث الانتاج والمنتجين وكل من كان له مساهمة فعالة في مسيرة اذاعة صفاقس…. نعم بحثت في كلّ ماهو مسموع ومكتوب، وكذلك اتصلت بالعديد ممن عاصروا الاذاعة منذ انطلاقتها واستمعت اليهم محاولا البحث عن المصادر الموثوق بها… وهي عمليّة عسيرة جدا لسببين: اولهما انّ العديد منهم يقلّك (منّي تقرع) فينسبون لانفسهم اشياء غير صحيحة… والسبب الثاني انني عندما اسال عن زميل مّا قيل عنه انه انجز كذا او ساهم بكذا، لا اجد اجابة المتعاون معي… بل يكتفي بالقول ما نتذكّرش ..وانا واع جدا بانّه يعرف ويتذكّر ..لذلك اعتمدت في برنامج مكتبة الاذاعة على اما المسموع والمكتوب وإما على شهادة بعض النزهاء والصادقين وهم قلّة ..
سنة 2000 شهدت احداثا كثيرة سواء كانت شخصية او مهنية… في شهر ماي 2002 فّجعت عائلتي بموت شقيقي الاصغر والاخ الوحيد لديّ… الحبيب رحمه الله … قبل ثلاثة اشهر من موته شعر بسعال رهيب نقلناه على اثره الى مستشفى الحبيب بورقيبة… عاينه طبيب وهو من مستمعيّ… اجرى له صورا على صدره ..عندما ذهبت لاستطلع النتائج اخبرني صديقي الطبيب بانّ الصور اثبتت انه بخير وأضاف: تجربتي في هذا القسم (الامراض الصدرية) تجعلني اشكّ في صحة المعلومات التي ظهرت في الصور نظرا إلى تهرّم آلة التصوير وربما عدم مصداقيتها في ما تفرزه من صور… واقترح عليّ ان يتكفل بحمله الى مستشفى في سوسة لتجديد اخذ الصور هنالك… ويوم عودتهما من سوسة خاطبني صديقي الطبيب طالبا مني الحضور بمكتبه بالمستشفى ففعلت لتوّي…
بعد تبادل التحية فاجأني الطبيب بالقول: “خويا عبدالكريم كبّر قلبك راهو خوك الحبيب عندو سرطان رئوي وفي اخر مراحله (ميتاستاز)، الاعمار بيد الله ولكن طبيا لن يعيش اكثر من ثلاثة اشهر اخرى)… كانت الصدمة الاولى، خاصة اني لم اعلم ايّ طرف في العائلة بالخبر .. وفعلا بعد ثلاثة اشهر يوما بيوم في 29 ماي 2000 انتقل اخي لرحمة لله … وصدمة موته كان لها تاثير عليّ بشكل كبير ..لا اعني بذلك الموت في حد ذاتها فانا اعرف وبكل وعي انّ الموت هي الحقيقة الوحيدة التي لا جدال ولا خلاف فيها اوّلا… ثم انا كنت اكثر طرف مهيّإ نفسانيا للحدث لاني اعلم ما لا يعلمه الاخرون… الا انّ وجودي في العائلة حتّم عليّ ان اكتم مشاعري وان اقف مع الجميع، والدته والده اخوته زوجته، موقف المواسي الدائم والذي علاوة على وجعه عليه ان يتحمّل اوجاع الاخرين .. ولعلّ موت اخي رحمه الله هو من الدوافع الرئيسية التي جعلتني سنة 2003 اعيد النظر في علاقتي مع الله ومع الدين … وهذا ستجدونه في ورقة قادمة…
في حياتي المهنية بدات اشتمّ اشياء في علاقتي برئيسي… احسست انه لم يعد هو .. للامانة لم ادرك اسباب ذلك وقتها وكنت اعيد الأمر لاسباب شخصية قد تهمّ صحته وهو الذي ابتلاه الله بمرض السكري ..وقد تكون لاسباب عائلية… اي انني كنت احاول ان اجد له اعذارا وتبريرات… لكن بدأت هذه التبريرات تتلاشى شيئا فشيئا وبدات اكتشف خيوط اللعبة والتي لم تنته الا سنة 2004 بعد ان اقيل من منصبه وعوضه السيد رمضان العليمي آتيا من اذاعة تطاوين ..
تلك الحقبة في مسيرة اذاعة صفاقس وفي مسيرتي كرئيس مصلحة البرمجة شاهدت تقلبات عديدة ومتشعبة بيني وبين المرحوم عبالقادر عقير مدير اذاعة صفاقس… ونظرا إلى كثافة تلك الاحداث ورغم اني ساقتصر على الاهم فيها احتراما لروحه ولعائلته، فاني سارجئ الحديث فيها الى الورقة 102 ان شاء الله …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.