وها انا بصفاقس في اكتوبر 79 …. كمّ الفرح الجماعي في عائلتي في حومتي لدى خطيبتي وعائلتها وخاصة امّها التي لم تكن تنتظر قدرا ابنتها الوحيدة تتزوّج يوما وتبتعد عنها لتستقرّ بعيدا عن صفاقس …
كانت تفضّل في قرارة نفسها ان يفوز بوحيدتها ابن اخيها الذي كان، واعتقد انّه مازال، يحبّها بشكل مهووس .. الله غالب، ليس كلّ من يحب ينال ما ومن يحبّ ورُبّ ضارة نافعة… لأن هذا الحرمان هو الذي اعطى وجعا جميلا للقلم عبر تاريخ القصة والرواية التي كُتبت والتي لم تُكتب في العشق والحب …فماذا عن معظم المبدعين في القصة والرواية والمسرحية والشعر والموسيقى لولا وجع العشق المجنون ؟؟؟؟ (توة عاد ولّى الممنوع والاسود ونستناو السيكلاما والفاروزي زادة) …هل كنّا نستمتع يوما وابن بني عبس يهيم حول ديار عبلة وينشد (يا دار عبلة بالجواء تكلمي)؟… ماذا عن شمشون ودليلة ..؟؟ ماذا عن ابي فراس واراك عصيّ الدمع ..ماذا عن احمد رامي و(ياما حليتلك اهاتي انت والايام عليّ) …ماذا عن (حتى في احضان الحبايب شوك يا قلبي)؟ …
وبجاه ربّي ما تقولوليش انت موش مريڨل وانا موش مريڨلة … ماذا عن القباني وهو يغمس ريشة قلبه في اوجاع الحب… ماذا عن بنت المستغانمي في ذاكرتها او فوضاها او في الاسود الذي لم يلق ببطلتها رغم انّ مجرّد عبارة (الاسود يليق بك) اوقعتها في شراك العشق الموجع …ماذا عن عاشقي التيتانيك لولا تلك النهاية الفاجعة… ماذا عن “ذهب مع الريح” (ذلك الفيلم الاسطوري الرهيب) لولا انّ الحبّ فيه ذهب مع الريح ..ماذا عن ميشال بيكولي ورومي شنايدر في فيلم (آخر اشياء في الحياة) والذي ينتهي بحادث مُميت لحظات قبل انتصار الحبّ … لكأن الحب في جُلّه يُولد توأما مع الالم .. بل ولكأن الحب في جلّه لا طعم له دون ألم … وهو ما اُُطلق عليه كثيرا توصيفة ثنائية العذوبة والعذاب …
في اليوم الاوّل الذي ولجت فيه باب الاذاعة وانا احمل معي مشروع اوّل نواة تلفزية للانتاج، كنت لا اعرف عميقا الا مجموعة اقلّ عددا من اصابع اليد الواحدة …المدير انذاك المرحوم قاسم المسدّي والزميل الهادي المزغنّي (ومعرفتي بهما من خلال فترة عملي بالمؤسسة الام حيث كان يشتغلان هما ايضا بالمركزية ثم انتقلا لاذاعة صفاقس) ..وايضا مختار اللواتي الذي كان زميل دراستي الثانوية بالحيّ (معهد 15 نوفمبر حاليا)… البقية اعرف منهم سماعا اذاعيا لا غير وحتى السماع كان عرضيا ايضا … المرجوم قاسم المسدّي كان سعيدا بدخولي لاذاعة صفاقس وهذا طبيعي جدا ..ليس فقط لان كلينا يعرف الآخر جيدا… بل لأن ولادة مشروع النواة التفزية في عهده كمسؤول اوّل عن اذاعة صفاقس سينضاف لتاريخه المهني … وللامانة ..الجلسة معه لم تطل كثيرا فقد خصًني بثقة عمياء وقال لي بالحرف الواحد: اعرفك قادرا على تحقيق كل ما نصبو اليه معا ..اخدم على روحك ومن جهتي ساوفّر لك كلّ الامكانيات …
ولو تدرون ماهي الامكانيات المُتحدّث عنها ..كاميرا فيلم من تونس جلبها معه واحد من افضل المصورين التلفزيين في المؤسسة وهو ابن حومتي وابن دفعتي واطيب خلق الله (الهادي ملّاك) و”ناغرا” آلة تسجيل الصوت كُلّف بها واحد من امهر تقنيي الصوت في صفاقس الزميل الهادي العكروت .. وطاولة مونتاج فيلم وهي طاولتي التي عملت عليها دائما في قسم المونتاج ..طبعا وسيارة ادارية متى احتجنا للتصوير ..وفقط … شفتو الامكانيات الهائلة …؟؟؟… كنت واعيا جدا بضحالة تلك الامكانيات ولكن اصراري على نحت العمل باظافري كان ايضا كبيرا …
ارتايت في اوّل حلقة من الانتاج بعد ان وقع الاتفاق على ان تكون شهرية (وهذا يعني عمل يومي لا يقل عن 12 ساعة حتىّ نفي بوعدنا الشهري) ..ارتأيت ان اجلس لبعض المثقفين المنتمين لاذاعة صفاقس لاستقراء اوّلي لافكارهم والتي يجب ان تخرج من التصوّر السمعي البحت الى السمعي بصري …واخترت من ضمنهم الزميل محمد الحبيب السلامي ليُعدّ لي تصوّرا نقديا لسلوكياتنا وهو المعروف بذلك الاسلوب …ثم تحادثت مع الزميل عبد الله الوافي حتى يُعدّ لي عملا تمثيليا قصيرا بالاشتراك مع الزميل منصف الوكيل ..في الجانب الغنائي ارتايت ان اصور اغنية من اغاني اذاعة صفاقس تحمل عنوان (يا نسمة جاري) وهي تعدد مزايا الجار .. لكن من جانبي اردتها سخرية سوداء حول سلوكيات بعضنا البعض في الجيرة …
في الحلقة الاولى من انتاج النواة كذلك لم احصر الانتاج في مدينة صفاقس… كنت افكّر في برمجة موضوع واحد على الاقلّ من احدى ولايات الجنوب …لذلك وقع اختياري على الطريقة التقليدية في عصر الزيتون بمطماطة حيث الحمار يدور ليلا نهارا يجرّ (الرحى وسط المدار)… ولمن لا يعرف الرحى هي عجلة حجرية تزن اطنانا… ولمن لا يعرف المدار هو حوض يوضع فيه الزيتون وتنهال عليه الرحى وهي تدور وقائد رحلتها حمارنا المسكين المُعذّب باشغال شاقة لمدة ساعات، وهو يدور حول الحوض في علاقة غرامية مدمّرة مع الرحى …. قمت باعداد المخطط التقني لتصوير هذه المواد حسب دليل برنامج واضح ودقيق المعالم من حيث الشكل والمحتوى، وكانت رحلة مطماطة آخر محطة في دليل العمل ذلك الاسبوع ..
قبل السفر بيوم جاءني احدهم بكل لطف الدنيا ورجاني ان يكون في الرحلة رغم انه لا ينتمي لفريق التصوير او الاعداد …اجبته دون ايّ تردّد وهل مثلك من يُردّ له طلب …دعوني اعود في فلاش باك اسبوعين الى الوراء منذ انتمائي لاذاعة صفاقس رسميا بمشروع نواة الانتاج التفزي … ثاني مكتب دخلت له في اوّل يوم لوجودي بصفاقس بعد مكتب المدير، كان مكتب الزميل الهادي المزغني … علاوة على انه زميل لي في مؤسسة التلفزة كمنتج ومنسق برامج، فقد كان اوّل من شجّعني … وقتها كنت قمت بمونتاج فيلم قصير حول حديقة الحيوانات بالبلفيدير على طريقتي ..دعوته للمشاهدة فاعجبه وبرمجه في برنامجه الاسبوعي التلفزي (من هنا وهناك)… اذن واعترافا بالجميل في زمن كنّا نعترف فيه بالجميل، كان ثاني مكتب ادخله هو مكتبه ..فتحت الباب وفوجيء بي اُطلّ عليه من نصف فتحته ..اهلا اش تعمل هوني يا طفل ..؟؟؟ ضحكت وسلّمت عليه ثم سلّمت على سيّدة كانت جالسة في مكتبه قائلا: اهلا ابتسام ..؟؟ وبابتسامتها المعهودة الملفوفة بشيء من التعجّب والسعادة ..قالت مرحبا ..تعرفني ..؟؟ اجبت اعرفك منذ كنت تلميذة تكتبين القصص والشعر وتقرئينها علينا نحن عشّاقك كتلاميذ مراهقين نتلهّف لا فقط اسماعك بل لرؤيتك …
ازاددت تعجبا وايضا سعادة وهي تسمع كلمة وقحة من نوع (عشّاقك)… ابتسام في آخر مراحل دراستنا الثانوية كانت شعلة من النشاط والحيوية وكنا اذا تناهى الى مسامعنا انه سيكون لها نشاط بالاتحاد الثقافي بصفاقس (مندوبية الثقافة الان) نتسارع صدقا للحضور ..كيف لا وفتاة من معهد الفتيات بباب البحر هي نوارة تلك العشوية …وهي فعلا انذاك كانت محط انظار المعجبين من تلاميذ الاقسام النهائية كلّ يطمع في ابتسامة من ابتسام ..بل ويلهث من اجل ذلك ..انا صدقا لم اتجرّأ يوما على ان اكون من ذلك الفيلق فحتّى ثيابي التي على قدّها (اشي ترقيع واشي تكميش واشي ازرق على اسود) لم تكن لتضعني في مرتبة القافزين والطامعين … يومها كان اوّل حوار مع زميلتي ابتسام المكوّر انذاك … و”الغطاسي” ايام التعليم الثانوي…
ولأن ذاكرتي البصرية على درجة قصوى من الحدّة تذكرتها وهي بمكتب الزميل الهادي المزغني ودون عناء ..وكان ردّ فعلها ايجابيا للغاية بعد ان قدّمني لها الزميل المزغنّي الى درجة انّها عرضت عليّ استضافتي في برنامجها (العاب وانغام مع ابتسام) في حلقته المقبلة …حذّرها سي الهادي بقوله اخطاك راهو “وحيّد” … فكان ان ردّت عليه: وانا اخترتو على خاطرو يظهر وحيّد … ابتسام و لي معها الف حكاية وحكاية في الاوراق القادمة كانت اوّل زميلة عرفتها وافضلهنّ …
قبل الخروج من مكتب سي الهادي سالته عن قريبة مازالت في خطواتها الاولى بالاذاعة… انّها زكيّة بن عياد وهي زوجة ابن خالي والذي بدوره يشتغل تقنيّ صوت ومنذ اليوم الاول من افتتاح الاذاعة قادما من الاذاعة الامّ … زكية وهذا يعرفه الجميع احبّها عشرات المرات اكثر من ابن خالي رحمه الله… هي الطيبة… دماثة الاخلاق… الروح المرحة… وخاصة بنت باب الله… ماذا تريدون عنها اكثر من هذا ؟؟… سالت عن مكتبها فعرفت انها تعمل بمكتب المنتجة الزميلة السيدة القايد… طرقت الباب فجاءني صوتها: (تفضّل) ..فتحت الباب فاذا بها كعادتها …ضحكة السعادة والفرح الغامر من اعماق الحُشاشة …ولكنّها فوجئت ببرودتي وانا انظر الى ذلك الكائن البشري المنغمس في كراسته والتائه في ملكوت الله… ولأنها زكيّة، انهالت عليّ كعادتها وباسلوبها الذي لا زيف فيه متوعدة ثائرة: “تي اشبيك يا عزاء متلّه يعطيك بلحاط (هذه دعوتها التي اصبحنا نتبادلها كلما غبنا عن بعضنا البعض، من جانبي او من جانبها) ..يعطيك بلحاط قداش توحشتك” …ولأنها تضرب في الاعماق بجمالها الفريد وبعمق صدقها لم ابحث يوما عن معنى (بلحاط) … قبلت بها كما هي لأن هناك تفسيرات لبعض الكلمات او التعابير تفسد رونقها …
افقت بعجالة من غيبوبتي وقلت لها هامسا: يا سخطة تي هذا موش ..؟؟؟ لم اكمل تساؤلي حتى قالت: ايه هاكة هو ..؟؟ نظرت اليه… النافع ربّي، ما عبرنيش اصلا، ما فاقش بيّ اللي انا دخلت… مددت له يدي وسلّمت عليه (عالسلامة سي محمد)… ردّ عليّ السلام بنغمة جدّ حنونة: يسلمّك ولدي… وعاد الى عالمه (كراسة وستيلو بيك)… ارادت زكية استدراجه للكلام فقالت له: تي هاكة ولد عمّة عبدالقادر (تعني زوجها)… لم يرفع راسه ولكنه همهم بصوت مسموع: نتشرفو، اما موش بهاكة الراجل المهباط اللي عندك… اقتربت منه وقالت: يا سي محمد الشيء بعيد على بعضو… هاذا قماش آخر وهابط من فرانسا… ولم تُكمل جملتها حتى نهض سي محمد من كرسيه ومدّ يده بحرارة لي وقال: مادام جاي من فرانسا الشيء يولّي شيء آخر …ايّا ايجا نشرّبك قهوة …كنت في قمّة السعادة ..رجل اسمع عنه الكثير، اقرأ عنه القليل في تونس (كيف العادة يحبّونا برشة) ولكن الاهمّ انّي احسّ به وبجماله…
انه الجمّوسي وما ادراك…
خلتني يومها طائرا يحلّق وهو في طريقه الى مقهى الاذاعة باب البحر انذاك، مع علم من اعلام تونس شعرا فنا ادبا وانسانا … كانت قهوة واحدة لتجعل منّا متلازمين كلّما سمحت لي اوقاتي المهنية بذلك… كنّا نشترك في حبّنا المهبول لفرنسا… وفرنسا ان لم تعلّمك اشياء تعلّمك فن الحبّ المهبول وماهي بعض التربّصات القليلة في ذلك الميدان حتى تصبح لديك قناعة بان العشق مهبول او لا يكون… تصوروا بالله معي: يأتي الواحد منّا ليُعبّر عن عشقه لشخص ما، لقصيدة ما، لشاعر ما، لاغنية ما، ويقول بكل برودة اعصاب: باهية يعطيه الصحّة مولاها …توة هذا عشق ..؟؟ انا اجزم انّ التعبير عن عشقك لأي شيء لأي شخص لأي شاعر لأي موسيقي ..لأي ..لأي ..لأي …عليه ان يكون من نوع (يلعن جد والدين بوك العاشر محلاك) وهذه في قاموسي لا تدخل ضمن خانة السبّ ولا تحت طائلة القانون ..وحتى ان دخلت يوما تحت طائلة القانون وحكم عليّ القاضي بالجزاء الذي يراه مناسبا لقوانيننا المعلّبة فاني ساقول له شكرا سيدي القاضي لانك اثبتّ ان الحمار يستحيل ان يلد انسانا ولكن بمقدور الانسان ان يلد حمارا مثلك ..
براف …تتذكّرون ذلك السيّد الذي رجاني بكل لطف ان يرافقني الى مطماطة في رحلتي المهنية لتصوير اسلوب عصر الزيتون التقليدي …؟؟؟ انه هو ..الفنان الانسان محمد الجموسي … وكان لنا ذلك، بعد اعلام المدير طبعا …كانت رحلة لا تُنسى لاّنه يومها اكتشفت جانبا آخر لا اعرفه في الجموسي: النكت “الخضراء” كما يقال عنها اي تلك التي (زايدة حبتين) وليتها كانت ثلاث في الجرأة وفي المسكوت عنه…ت صوّروا فقط ان سائق السيارة الاذاعية زميلي حبيب بيوض اطال الله عمره اوقف السيارة بجانب الطريق لانه اصبح عاجزا عن السياقة من فرط الضحك… صدقا والله هذا ما حدث…
اتممت عمليات التصوير… ارسلت الاشرطة الى المخبر المركزي بتونس العاصمة… قمت بعملية المونتاج وبمعدل 10 ساعات يوميا وشددت الرحال لتونس العاصمة لعملية الميكساج، ثم لعرض العمل على المسؤولين عن المتابعة… كان الموقف الجماعي يمكن تلخيصه في: برافو عبدالكريم …عدت الى صفاقس وانتظرنا ساعة بثّه في اليوم المقرّر لذلك… واسمع يللي ما تسمعش… البعض ينتظر بشوق وتوق ..آخرون وهم موجودون في كل زمان وكان: ايا توة نشوفو هاللي يقولولو سي عبدالكريم اش ماشي يعمل …وصنف حاقد خُلق ليكون حاقدا وبشكل مجاني…
اقول هذا لانّ الحكاية (حكاية وجودي الفعلي في اذاعة صفاقس من طقطق لسلامو عليكو) اخذت زمنيا شهرا واحدا فقط… وحتى اختلاطي بزملائي لم يكن كافيا بتاتا حتى لنتعرّف على بعضنا البعض كما ينبغي …فقط مع تقدّم العمر وبعد العديد من الهزّات، ايقنت انّ جينات قابيل ستوجد في البشر حتّى البعث … …
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…
التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)
هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،
كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…
هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث
م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…
وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….
ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…
فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”
ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”