تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة رقم 11

نشرت

في

Soutien scolaire lycée - Graine de Génie

عبد الكريم قطاطة:

وحانت ساعة الثانوي …. في زمننا كان عدد السنوات في التعليم الابتدائي ست سنوات ونفس هذا العدد كان بالنسبة للثانوي …ثلاث سنوات اولى ـ جذعا مشتركا ـ وبداية من السنة الرابعة تبدأ عملية التوجيه الى اربع شعب لا غير: آداب …علوم .. رياضيات … و ترشيح معلمين.

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

هذا التقسيم لم نكن نعرف عنه شيئا في السنة الاولى من تعليمنا الثانوي … وكيف لنا ان ندرك ذلك ونحن في جلنا اطفال يافعون من مدينة صفاقس واحوازها القريبة منها والبعيدة، ومن عديد المدن الاخرى التي تفتقر لمعاهد ثانوية انذك .. العديد منا وانا اولهم لم يكتشف بعد ماهية المدينة … صفاقس المدينة كانت بالنسبة إلي اكتشافا مذهلا سواء المدينة العتيقة او صفاقس خارج اسوارها .. وساعود لها بكل تفاصيلها في ورقة قادمة … دعوني اخصص هذه الورقة لمعهد الحي، 15 نوفمبر حاليا …

اول ما شد انتباهي في معهد الحي نوعية الاساتذة الذين يدرسون به شكلا ومضمونا ..اذ ان العديد منهم كان زيتونيا باتم معنى الكلمة، فلباسهم انحصر في الجبة والشاشية (كبوس او كبوس اسطمبولي) وهذا الاخير عشقته جدا نظرا إلى جماله الاخاذ الى درجة اني بحثت عنه عديد المرات وما زلت ابحث عنه ولكني لم اجد من نوعيته الا المقلد …وقيل لي انه يباع فقط في حانوت في المدينة العتيقة بتونس العاصمة ولأسفي الشديد لم اعثر عليه … ثم هؤلاء الاساتذة رحم الله جلهم، كانوا يطلقون عليهم لقب الشيخ ..الشيخان حبيب ومحمد التركي، الشيخان عامر ومحمد الجربي، الشيخ محمد قطاطة، ابن عم والدي، الشيخ يوسف المزغني، الشيخ الطاهر الحشيشة والتحق بهم في اواسط الستينات الشيخ احمد رويس …

كلهم دون استثناء هيبة ووهرة وكلهم ايضا دون استثناء يجهلون تماما اللغة الفرنسية …ولكل شيخ منهم بصمته المميزة وشخصيته المستقلة، فبعضهم كان آية في الطيبة الى درجة ان شياطين التلاميذ انذاك كانوا يذيقونهم اشد انواع الخبث (طبعا خبث الطفولة) فيسمعونهم الوانا من الصفات باللغة الفرنسية، ويعلو الضجيج والضحك وهم لا يفقهون اسباب ذلك …ورغم ما يحدث فان القليل منهم من يعاقب ابناءه التلاميذ لانه يعتبرهم ابناءه بحق فيغفر لهم زلاتهم …البعض الاخر كان من النوع الذي “يشمّها وهي طايرة” … المرحوم عامر الجربي مثلا، كان البعض منا يحاول ان يدس بعض الكلمات النابئة في سؤال ما او في اجابة ما (زعمة زعمة يغش فيه ويعديها عليه) … لكن اجاباته كانت من نوع رد الصاع صاعين وبكل ذكاء وردود مختارة ومنتقاة حتى لا ينزل الى مستوى الرداءة … وكنا “نشيخ” بردوده الضامرة وهو يبادلنا شيختنا بابتسامة كم هي معبرة ومن نوع “جيتو تتعلمو ا في الزلق في بيت الصابون”او “راني ولد … عليكم) !

نوعية ثالثة تحاول الرد على شغبنا باسلوب واقعي ينبثق من العصر المعيش …اتذكر جيدا الشيخ الطاهر الحشيشة رحمه الله … كان يكتب على السبورة محاور النص حتى نتدارسه وكان امامي الزميل عبدالعزيز الوكيل(امام الجمعة حاليا بجامع سيدي اللخمي) وكان الطقس حارا … نظرت الى رجلي عبدالعزيز فوجدت انه يرتدي “شلاكة” احدى فردتيها في رجله والاخرى اعتقها من سجن الرجل الاخرى …ادخلت رجلي بهدوء وجذبت تلك الفردة في غفلة منه وقذفتها تماما ككرة على مصطبة القسم …كنت اتصور اني ساكون بطلا مجهولا لعملتي تلك ..ولكن من سوء حظي ان لحظة قذف فردة الشلاكة على المصطبة تزامنت تماما مع لحظة استدارة الشيخ الطاهر الى التلاميذ (يعني جات الغمزة في عين القاضي) …

نظر الشيخ الى عبدالكريم مليا ووجهه محمر من كثرة غضبه وقال: “ايّا سجلت الهدف يا قطاطة .؟؟؟” ولا تسالوا عن ضجيج اترابي ضحكا ومرحا لا شماتة فيّ بل اعجابا بالشيخ الطاهر وهو يحكي كرة قدم ..ثم لا تسالوا عن جزعي مما سيقرره الشيخ من عقاب قد يصل الى حد الرفت من المدرسة …عقاب لا ادري كيف سيكون ؟؟؟… الا اني وطيلة مراحل تعليمي كنت افاجأ دوما بكل المربين في “حنّيتهم” وتسامحهم معي ..توعد سي الطاهر ومضى يكمل الدرس …وها انا لحد يوم الناس هذا انتظر العقاب … نعم انتظر العقاب …

نوع اخير من هؤلاء الاساتذة الزيتونيين هو الكاريزما في ابهى مظاهرها، ولعل الاستاذ المرحوم يوسف خماخم هو افضل من يمثلها ….. استاذ رهيب قصير القامة ممتلئ الجسم حاد النظرة ذو كفاءة عالية في التدريس وفي علاقته مع جميع التلاميذ دون استثناء (ما تسمعش عندو حس الذبانة) … نهابه بشكل عجيب رغم شقاوتنا مع الاخرين ..بل كان لا يتاخر لحظة واحدة اذا حاول البعض تجاوز الحدود سلوكا او تجاهلا لدروسه، ان يدعوه الى السبورة وان يناوله “شلبوق” (لا يقرا ولا يكتب) … بل احيانا وعلى قصر قامته “يتشعبط” للوصول الى وجه التلميذ الذي يفوقه طولا ليطبع على وجهه “داودي” لا يعرف سره الا سي يوسف رحمه الله …

بقية الاساتذة في معهد الحي كانوا جلهم من خريجي الجامعات المشرقية (سوريا والعراق) واكتشفنا فيما بعد انهم معارضون اشاوس لبورقيبة لانهم ايديولوجيّا هم اما قوميون او بعثيون وفئة قليلة منهم يوسفيون …لكن وفي اي زمان ومكان هنالك المنخرطون اما اقتناعا او انتهازا في الحزب الحر الدستوري (الحزب الحاكم انذاك) .. لكن الملفت جدا للنظر ان معهد الحي في تلك الحقبة به مدرّسة وحيدة، الانسة لاكوست … هي فرنسية عزباء وباحدى ساقيها عرج ومتوسطة الجمال رغم اناقتها ولكن كل رؤوس التلاميذ تتابع المرأة الوحيدة في المعهد بكثير من الاهتمام ….واهتمام واعجاب كل تلميذ له نوعيته حسب الاعمار وحسب ما يدور في خلد كل واحد منا من رغبات … والاكيد انه لا احد منا فكر في مشروع فلاحي او صناعي او تربوي مع الانسة لاكوست، خاصة وهي تدمر الاعين واشياء اخرى بالميني جوب التي لا ترتدي سواه وبكل سادية (واحنا صغيرين وما نعرفش الحاجات دي … ومظلومين يا بيه) …

ما يميز معهد الحي انذاك مديره الذي لا يشق له غبار السيد احمد الزغل اطال الله في عمره ومتعه بالصحة …دعوني اختصر لكم وصف هذه الشخصية الطاغية والمخيفة لحد الهوس، في المشهد التالي: سي احمد كنا لا نراه الا لحظة قدومه الى المعهد ينزل من سيارته السوداء ويتجه نحو مكتبه ..في تلك اللحظة هل تتصورون ماذا يحل بكل التلاميذ المتحلقين بالساحة قبل بدء الدروس ؟؟؟… عودوا بذاكرتكم اما للقرآن وهو يروي لنا قصة النبي موسى عندما يضرب يعصاه البحر فيشقه الى نصفين …او عودوا الى الفيلم الكبير الذي انتج في اواسط السبعينات “الوصايا العشر” بطولة يول برينير وهو يمثل دور فرعون، وشارلتون هيستون وهو يمثل دور موسى، لتعرفوا كيف كنا نتصرف لاشعوريا وسي احمد يتقدم بتؤدة و”السبسي” الذي كان يلازمه في فمه ورائحة تبغه الشهية (امستردام) هكذا كان يسمى تبغه الذي يحشوه في غليونه …رائحة تعبق بها ساحة الحي …

اقسم لكم اننا كنا ننقسم كالبحر الى نصفين حتى يشق سي احمد الساحة خوفا من ان “يكبّش” في احدنا … يااااااااااااه كم هو احد الفراعنة انذاك في جبروته …وكم اكتشفنا يوم قررت انا وزملائي زيارته في بيته بعد عشرات السنين كم اكتشفنا رجلا اخر تشعّ سعادته بنا من خلال دموع تترقرق في عينيه … تصوروا (وهذه اقولها لزملائي الذين عاصروني) ان سي احمد يرجوني بكل الحاح ان لا احرمه من كتاباتي الصحفية التي يعتبرها وساما له لاني وكما يقول، طلعت “ضنوة صالحة” كاغلب تلاميذ الحي انذاك الذين قلّ وندر ان تلقى في عرجونهم “صيشة” اي بلحة فاسدة …ما اريد ان اقوله اننا في جلنا ومهما كانت كاريزمتنا او بطشنا او الاعتداد بانفسنا، “اولنا صغار وعقابنا صغار” … ولاسفي الشديد والمؤلم انني يوم قررت تكريمه مع ثلة من زملائي (في الحي) ارتأت عائلته ان صحته لم تعد تسمح له بالتنقل الى صفاقس باعتبار سكناه في تونس، ورجتني ان اعتذر له بدعوى تاخير يوم التكريم لانه كان مشتاقا جدا للمجيء للحفل …

وها انا اتفهمه وبكل عمق وانا انزل ضيفا على اصدقائي واحبابي يوم تكريمي الاحد الماضي ….بعد سيناريو ممتع ومفاجأة مذهلة جعلتني “مزبهلا” الى حد لا يوصف خاصة وانا التقي عيونا كم كانت نافذة في وجداني لانها كانت الحب في اعمق واروع وامتع معانيه …

معهد الحي ايضا هو التقاء لمجموعة من القيمين الذين بصموا حياتنا التلمذية بخصوصيات عجيبة … فالسيد محمد شطورو كنا نهابه لانه مختص في فرك الاذن باصابعه كلما حدث شغب ما من احدنا، وهو يرى انه العقاب الامثل للتلميذ عوضا عن الحجز يوم الاحد او التقارير التي قد تصل به الى الرفت … أيضا السيد زين العابدين الفراتي وهو قيم داخلي شدنا بنظرته التي كلها “تنوميس” وبهنسة …والقيم السيد بلقاسم كان يحلو لنا ان نصيح من اي مكان نوجد فيه باسمه وبلهجة بدوية: “بلقاااااااااااااااااسم” ! وبثلاث نقاط على القاف، باعتباره بدوي طيب لحد السذاجة …ومن سذاجته تلك لم يستطع يوما المسك بمن يعزف تلك الصيحة … دون نسيان القيم العام الداخلي المرحوم “عبداللطيف ولها” وكنا نطلق عليه ولا ادري لماذا لقب “بحبح” … كذلك القيم العام الخارجي المرحوم احمد بالاسود ويمتاز ايضا بطيبته رغم انه يريد ان يوهمنا بنظراته با نه صعب المراس …

هذه التوصيفة لمعهدالحي قد لا تجد صدى في نفوس قارئيّ الذين لم يدرسوا بالمعهد …الا انني ذكرتها بتفاصيلها المملة بالنسبة للبعض، لعمق تاثيرها على الجيل الذي عاصرني في الدراسة بهذا المعهد الذي يعد وقتها من افضل معاهد الجهة مع معهد الهادي شاكر (الليسيه) وستجدون تفاصيل مثيرة عن ذلك في ورقاتي القادمة ..ثم انا لا اشك في ان كل واحد منا له ذكريات تتشابه مع هذه الذكريات في المعهد الذي درس به …ماضيا وحاضرا … حتى وان اختلفت التفاصيل والاغصان، الا ان جذع تلك الفترة واحد …

يوم زرت معهد الحي بعد عودتي من فرنسا، سنة 1979… ويوم زرت المعهد بعد الثورة (الغورة)، احسست بسعادة نوستالجية لا توصف ولكن احسست بألم كبير …ألم نفذ الى عمق اعماقي …ياه كم احسست باليتم وانا لم اجد رائحة معهدي الحي … بحثت عنها حتى في مراحيضه الشرقية جغرافيا والتي اصبحت لا شرقية ولا غربية ….بحثت عنها في زواياه الغربية حيث كان يقيم سي احمد الزغل … في زواياه الشمالية حيث كان يقيم جماعة الترشيح فاذا بالاماكن لا ترشح شيئا … بحثت عنه في اعين التلاميذ فلم اجد تلاميذ كنت عندما تراهم تقول “هذوما هوما”، هذوما هوما، تلاميذ الحي … واليوم اصبحوا في جلهم نسخا كربونية من تلاميذ المعاهد الاخرى ….دجاج حاكم …. بلا هوية في جلهم …بلا عنوان …

ما اصعب ان تهوى يا ولدي اي شيء اي كائن بلا عنوان … كم هو مدمر ان ترى معهدك بلا عنوان …التلاميذ ما عادوا تلاميذ والحي ماعاد حيا …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار