تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 27

نشرت

في

Enfant Triste Png, Vecteurs, PSD et Icônes Pour Téléchargement Gratuit |  Pngtree

كانت خربشات لا تتجاوز بضعة اسطر ..وكم من سطر او مجرّد كلمة تهزّ كل ما فينا …فتحوّلنا الى اطفال …نعم الى اطفال … نردّد في داخلنا (يا وردتي ما احسنك ..سبحان من قد انبتك) …

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

خربشاتها يوما كانت عريشة ورود ورياحين ..وكنت كطفل صغير يهديه والده يوم نجاحه وهو يتم حفظ سورة الفجر وروعة نهايتها (يا ايها النفس المطمئنة ارجعي الى ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي) …يعطيه 5 مليمات (اي دورو) ليشتري بها ما يشاء …انذاك “دورو” يعني اصرف وفضّل…فيرقص فرحا على نغمات الدّورو ويتباهى به امام اترابه المعوزين… يختار فقط من هو الاقرب الى قلبه منهم لتقاسم الغنيمة معه، والتي كانت اما قطعا من الحلوى او قطعا من البسكويت “سيّدة” … والتي كانت تساوي القطعة الواحدة منه ملّيما واحدا …

عندما قرأت خربشات صاحبة اللكمة الشهيرة (ما ابلدك) لم اكن اعرف وقتها انها هي صاحبتها .. اسرعت الى الاطلاع على الامضاء فوجدت اسمها ..كنت بجانب الحافلة وكما تعرفون اتلهّى بلحس كورنو الكريمة والتي كانت يومها “جيلاط” وهو ما يعرف الان بـ”سيترون” نصف مثلّج .. عدت الى الاسطر الاولى لاجدها تقول ..اهلا اخي عبدالكريم ..تابعت سلوكياتك منذ مدة فعرفت انك شهم وذو اخلاق عالية وها انا اقبل بحبّك وانا كذلك احبّك …وقتها لم اتفطّن الى كلمة اخي و ما محلّها من الاعراب في رسالة حبّ بين فتاة وفتى !! وقتها لم اتفطّن الى كورنو الجيلاط الذي سقط من يدي دون ان اشعر بذلك ..وقتها كنت صدقا اكثر كفاءة من عبّاس ابن فرناس في الطّيران ….

ما حزّ في نفسي.وقتها انّي لم اجد بجانبي من اقول له بصوت عال “حبّينا واتحبّينا”… وقتها لم اجد من اعرفه حتى اتماهى مع عبدالحليم في معبودة الجماهير وهو يمرّ على كل سكان حيّه ويغنّي بحبّك ..و”يا عنيّ جرى ايه الدنيا احلوّت كده ليه ..يا صحابي يا اهلي يا جيراني ..انا عايز اخذكو في احضاني” … واذا كان العندليب محظوظا وهو يجري بين ازقّة حارته بكل سعادة الدنيا ليعبّر للاخرين عن نغم الحب في كل شرايينه، بعد ان غمرته شادية بالموجة الرائعة وهي تعلن لها عن وقوعها في شباكه ..فانا كنت ذلك السجين بين جدران الحافلة … فوجدتموني عاجزا عن التحليق خارج فضائها وعاجزا عن البكاء داخل فضائها…بكاء؟ … نعم بكاء ..الا تبكون من شلّالات من السعادة ..شلاّلات غامرة جامحة تضيق بها الانفاس ..تتجمّر منها الشرايين (من الجمر الحارق اللذيذ)…

ولكن كيف لي انذاك ان ابكي وانا وسط حشد هائل من الركّاب ..الم يعلّمونا بكل حماقة وجهل “الراجل ما يبكيش” .. وليتهم فهموا ان الانسان ذكرا كان ام انثى ليس فقط من حقّه ان يبكي بل انّ البكاء احيانا هو قمّة المتعة ..وانّه نعمة كبرى ..وانّه كلمات ليست كالكلمات بل هو اروع من الكلمات …ثم حتى لو تحدّيت وقتها تلك المقولات المتخلّفة وكسرت جدار كهوفهم وتمرّدت على قوالبهم البالية (وهو ما فعلته في قادم عمري او على الاقلّ بعضه وما لم يفعله الكثير لحدّ يومنا هذا) ..لو تحدّيت وبكيت …آش ماشي يقولو الركّاب .؟؟؟ اشبيه هذا هبل …؟؟…

صدقا يومها طالت الرحلة رغم انّها لم تختلف عن زمنها المعهود ..ولكن كنت كذلك الفريق الذي يتقدّم على خصمه في النتيجة ويعيش الدقيقتين او الثلاث من الوقت بدل الضّائع وكانّها ساعات ..وعندما يصفّر الحكم النهاية تنطلق صيحات الخلاص ..عندما فتح السائق باب الحافلة لانزل بمحطتنا ..انطلق جنون الخلاص ..وجدت امامي صديقي (لطفي) وهو الملقّب انذا ك بـ”لوريمار” (لاعب فريق ليدز يونايتد الانكليزي ايّام عزّه) ..لطفي هذا كان لاعبا متميّزا في كرة القدم وكان ينتمي لصنف الاصاغر في السي اس اس وهو من الاصدقاء المقرّبين اليّ ويعرف قصّة معاناتي مع (ما ابلدك) .. وجدته امامي عند النزول من الحافلة فانهلت عليه ضربا (ببونية خفيفة) على صدره … كما تفعل جل الفتيات على صدر حبيبهن عندما يشاكسهن … لم يفهم لطفي شيئا … ودزّ عليها: “يا ولدي اشبيك اش ثمّة اش صار؟” … واصلت الضرب ثم قلت له ..هي ..هي ..واعطيته الرسالة …قرأها وعانقني وهو يقول مبروك مبروك ..واخيرا …كان سعيدا وهو يرى فرحي.. نشوتي ..انتصاري .. وحتى يشيّئ الامور ويخرجني من هوسي اضاف: ايّا ان شا الله الي بلّك يرشّنا … وتوجّهنا الى سي المبروك الحمّاص الطيّب واشترينا سجائرنا … يومها كان للسيجارة عندي طعم خاص ..كنت ادخّن مزهوّا كملك ..كسلطان ..ومن مثلي؟ ..عبدالكريم احبّها وبادلته الحب ..

يومها احسست ربما لأوّل مرة اني اصبحت ” راجل ..وعليه الكلام”… يومها انطلقت في رسم ملامح مستقبلي ..كيف يمكن لي ان احقّق حلمي لاتواصل مع من احب اولا ثم كيف يمكن لي ان ابني احلامي مع من احبّتني (هو الحب لعبة ؟؟)… لابد من التفكير في مقوّمات الزواج من الان .المسكن ..المهنة .. تكاليف الزواج …وبداخلي هاجسان اولهما الدراسة…وانا مازلت تلميذ “الرابعة ثانوي” …ثانيهما كيف لي ان اوفّر لوازم العرس وانا المنتمي الى عائلة معوزة ..في تلك السن العقل يكاد يكون مغيّبا عندما نحبّ …في تلك السن يصبح الواحد منّا قارون في ثرائه ..عبدالحليم في رومانسيّته ..وشمشون الجبّار وهو يهدّ الدنيا في قوته ….ذلك هو واقعنا انذاك …مراهقة فكرية وعاطفية …كانت تلك الرسالة الوحيدة التي وصلتني منها انذاك وحتى في الايام القليلة التي كنّا نتقاطع فيها في الحافلة، لم تتجاوز علاقتنا نظرة خاطفة نسرقها بكل حذر خوفا من الاخرين …

وجاءت العطلة وجاء الحرمان الكامل من تلك اللقاءات الحافلية ..وزاد اهتمامي بكل ما هو فن او سينما لاعوّض به عن ذلك الحرمان فكانت ام كلثوم و “عودت عيني على رؤياك”… وكان حليّم حاضرا كعادته بـ “بكرة وبعده”… وحضر محمد رشدي في بداياته بـ”ميتى اشوفك يا غايب عن عيني”… في السينما تطورت علاقتي بنوعيّة اخرى من الافلام …”مورير ديميه” (الموت حبّ لـ”آني جيراردو” كبطلة ..فتاة ريان ..”دكتور جيفاغو” وعمر الشريف…باب الحديد ليوسف شاهين … “ذهب مع الريح” وهو واحد من اروع انتاجات السينما عبر التاريخ …المهم ان ينطلق الفيلم من قصة غرام …مع البعد عن تلك القصص الشرقية التافهة …

في علاقتي بمحيطي العائلي والاصدقاء …زادت نرجسيّتي وتعاظم غروري .._اشكون كيفي … كُريّم لم يعد كُريّم …اصبح في نظر كل من تسرّب له خبر علاقتي بفتاتي “سي عبدالكريم” بالنسبة لمن لي معهم علاقت ودّ وصفاء ..وعلاقات بغض للقليل من الذين هم من فصيلة (اش يحسب روحو ؟؟)… ولم استغرب وقتها او حتى في ما تقدّم من عمري من فصيلة اش يحسب روحو واشكونو هو .؟؟ هذه تفوّه بها حتى من تعلّم ابجدية المهنة عندي ..انّها فصيلة ناكري الجميل في كل عهد وفي كل قطاع الم يغتظ قابيل من هابيل عندما تقبّل الله القربان من هابيل ..؟؟؟ اليست فعلته الشنيعة هي من نوع اش يحسب روحو هابيل ؟؟ … ورغم نكران بعض تلاميذي للجميل فها انا اعيدها لهم وللمرّة الالف ..ما قمت به ليس جميلا بل هو واجب ..وانا لن احقد يوما على احد منكم ولن اصل الى ذلك الحثالة الذي كان ضيفا على بلدنا ..و تشدّق يوما وهو يخطب في انصاره ..موتوا بغيظكم .. ويعني بها من لا يشاركه في الرأي ..بل واذهب ابعد من ذلك، مسامحكم دنيا وآخرة …

انتهت العطلة الصيفية وعدنا الى الدراسة ..انها السنة الخامسة من التعليم الثانوي سنة الجزء الاول من الباكالوريا… .في تلك الحقبة كانت شهادة الباكالوريا نجتاز امتحانها على جزأين ..الجزء الاول في السنة الخامسة والجزء الثاني في السادسة ..وانا تلميذ شعبة الاداب الكلاسيكية اجتاز الباكالوريا في جزأيها بالمواد التالية اجباريا .. العربية ضارب 4 …الانكليزية ضارب 2 … التاريخ والجغرافيا ضارب 2 … العلوم الطبيعية ضارب 2 … الفيزياء والكيمياء ضارب 2 والرياضيالت ضارب 2 مع اضافة الفلسفة في السنة السادسة ضارب 6 والفرنسية والتفكير الاسلامي والعربية شفويا ….نعم نحن تلامذة شعبة الاداب الكلاسيكية نجتاز الامتحانات في كل تلك المواد ولم تكن لدينا مواد اختيارية …

ومنذ اليوم الاول ومع كل دعوات الوالدين بالنجاح كنت اهمس لعبدالكريم : “اليوم اصبحت مسؤولا على مستقبلك وعلى مستقبل تلك التي احببتها ._اعمل الملح في عينيك واقرا على روحك ..تعرف اش يستنى فيك” …هكذا كانت وصيّتي لي ..الا اني ورغم كل ذلك لم استطع يوما واحدا في دراستي ان اصبح “محراث قراية”… بقيت على عهدي ..ادرس فقط وقتما ارغب وكيفما ارغب كمّا ونوعا …وابدا ان “فلّتّ” مباراة في كرة القدم او فيلما سينمائيا او موعدا حافليا (من حافلة) مع فتاة احلامي… وانقضت السنة دون ادنى جديد في علاقتي بها… نظرات ..بعض الابتسامات …”وهزّ ايدك من المرق لا تتحرق”… وفي احيان نادرة جدا ارسل لها سلامي مع اختي او ترسل هي سلاما في كلمات من نوع ما قلّ ودلّ مع نفس ساعية البريد فكرية اطال الله عمرها ومتّعها بالصحّة …

كنت اكره عطلتي الشتاء والربيع رغم كل مغرياتهما الكروية والبولاتية ….انهما تمرّان بتؤدة بالغة ..فكيف لي ان اتحمّل بعاد الحبيبة ..؟؟ وجاءت ساعة الحقيقة في اخر السنة ..امتحان الجزء الاول من الباكالوريا …وعلى عكس ما كان يصوّره لنا الاخرون من هول ذلك اليوم كغول يدمّر الاعصاب ويبعثر التلاميذ، اجتزت كل المواد بروح معنوية عالية تصل حدّ الاستهزاء بمن يهوّل ذلك اليوم ..كنت اتعامل مع اي امتحان وفي كل المواد بمنطق بسيط ..اعطي ما اعرفه دون ان يبعثرني ما لا اعرفه …”متملّح” لكن بايجابية وبعيدا عن العبث …

وجاء يوم الاعلان عن النتائج وانتقلنا جميعا الى الحي للاستماع الى اسمائنا عبر مكبّر الصّوت ..كان بجانبنا اساتذتنا في المواد الرئيسية يترقبون هم ايضا نتائج جهدهم وكدّهم ..وبكل فخر ..وكانت النتائج في معهدنا من افضل النتائج مقارنة بالمعاهد الاخرى (الحي وما ادراك)… وبدأ مكبّر الصّوت يزلزل الارض تحت اقدامنا وحان وقت الاقتراب الى رقمي في شعبة الاداب ..ياه هاهو التلميذ الذي قبلي “نڨّزها” و… ماذا يحدث؟ لم يذكر رقمي ولا اسمي … ذكر اسم من بعدي …هل يعني انه نسي اسمي ..؟؟ هل “مرڨت فيّ” الباك ..؟؟؟ هل انهزم مرسي الزناتي ..؟؟؟ احسست وقتها بدوران رهيب ..حضرت صورة عيادة وهي تنتظر فلذة كبدها ..روحها ..عبدالكريمها … يسعدها ويرفع راسها (امام الحبيب والعدوّ كما تقول هي)..حضرت امامي صورة والدي الذي يبكي لابسط الاشياء في حلوها ومرّها ..حضرت امامي صورة اصدقائي الذين يحبّونني جدا واولئك الذين من فصيلة (اش يحسب روحو)… وحضرت امامي صورة حبيبتي وهي تنتظر فارسها يزف لها خبر حصوله على الجزء الاول من الباكالوريا ..حضرت كل هذه الصور وغابت الباكالوريا …عبدالكريم لم ينجح وسبب خسارته مادة العربية …نعم نلت 6 من عشرين في العربية .نعم تلك الستة ..العاهرة …وكان يكفيني ان اتحصل على 7 من عشرين حتى انجح باعتبار ضاربها المرتفع: 4…

يومها كان بامكاني لو كنت من عشاق بنت العنبة ان اسكر حتّى الثمالة … يومها اشعلت السيجارة من اختها …يومها لم اعرف كيف استطاعت قدماي ان تصلا بي الى منزلي ..كنت مطأطأ الرأس كنت حزينا جدا وكنت صامتا جدّا .. لم يسألني احد عن النتيجة فالاجابة مرسومة على وجهي …وكم كانت نظرات الحزن والالم والصدمة مرسومة علي محيّا عيّادة … والدموع في عيني ابي …والوجوم والاصفرار على اوجه اخوتي ..سيدهم خاب في الباك …هنالك ليلتان في حياتي لم انبس فيهما ببنت شفة . كنت اخرس تماما …ليلة الباكالوريا وليلة خسرنا النهائي ضد الاهلي برادس . وهي ليلة الجلطة الكروية الرهيبة …والتي كان وراءها وعلى عكس ما يعتقد البعض اطراف من داخل تونس هي من اشترت الحكم كوفي ومساعديه حتى لا يكون السي اس اس اول فريق تونسي يشارك في كأس العالم للاندية …_.هاكة اللي مازال علينا …يمشي السي اس اس لاول بطولة عالمية في الكرة الطائرة ببارما ويزيد يمشي هو زادة في كرة القدم … شفتو قدّاش يحبّونا ..؟؟

يومها قضّيت كامل ليلي وفكري يكاد يُختزل في: “ما مصيري كتلميذ فاشل مع تلك الفتاة ؟؟ كيف يمكن ان اقنعها بانتظاري ..؟؟ ثم كيف لي القدرة حتى على النظر اليها في السنة المقبلة وانا “واحد مدوبل وفاشل” ؟؟؟ يا فضيحتك يا عبدالكريم” ….ولم يطلع صبح ذلك اليوم حتى كان قراري جاهزا ..انتهت الدراسة بالنسبة لي ولابد من البحث عن شغل … “ما يلزمنيش نظلم” لا عائلتي التي تكبدت مصاريف دراستي لسنوات ..ولا الفتاة التي احبّها لعلّي اقدر ان اوفّر لها كل ما يلزم لتكوين عش الزوجية يوما ما …اذن يوفى االحديث ….عبدالكريم انس الدراسة وابحث لك عن شغل …يوفى الحديث …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار