هل نحن بخير اليوم في تونس؟ وهل نحن كذلك في العالم أيضا؟؟ هل حقا لا شيء يقلقنا ولا شيء يعكّر صفونا ومزاجنا؟؟ هل نحن متصالحون مع ذاتنا ومع من هم حولنا؟ هل نحن حقّا بشر لنا ضمائر ومشاعر، ونحبّ كل الناس، ولا نستمع إلى همس الوسواس الخنّاس ومن يضمر الحقد لكل الناس، ولا نصدّق وشايات عمّ خليفة “البهناس” والخال مبروك “البزناس”…
هل نحن حقّا لا نكره، ولا نحمل ذرّة من الأحقاد في صدورنا؟؟ أليس من الواجب، ومن حقّ الأجيال القادمة علينا أن نعترف بصوت عال أننا لم نزرع حبّا في حقولنا، وأننا بذرنا الشوك فقط وقد تحصد أجيالنا القادمة الألم والوجع… أليس من الواجب ان نعترف بأن حياتنا ليست ورودا كما يزعم ويروّج بعضنا، وسماؤنا ليست بالزُرقة التي يزعمون ويصوّرون ويفاخرون… أليس من الواجب أيضا أن نعترف أن حياتنا ليست اشواكا في كامل مراحلها، كما يزعم البعض ويثقل كاهلها بكلّ خيباته ومعاناته ومآسيه وإخفاقاته وفشله… فالمتنبي كان على حقّ حين قال بأن العاقل يشقى في النعيم بعقله وبأن الجاهل يسعد في الشقاء بجهله… فالحياة أشواك وأوجاع حين يدرسها العاقل، ويحللها ويفكك شفرتها ويغوص في أعماقها ليردّ كل شيء إلى علّته…
كما أن هذه الحياة تصبح عند الجاهل ورودا، فتستعيد السماء زُرقتها وصفاءها وتعود العصافير إلى زقزقتها… فالجاهل يأخذ الحياة كما هي، كما جاءته بطبعها، دون أن يتعب نفسه وعقله في قراءتها وفهمها وتحليل معانيها وسبر أغوارها، وربما الغوص فيها لتأويلها… فالحياة في مختصر الحديث والكلام ليست مشرقة كالنهار كما يزعم ويصرخ ويروّج و”يفرض” بعضنا، وليست حالكة السواد كبعض ليالينا، كما يصرّ ويزعم ويتّهم ويروّج بعضنا الآخر… فبعضنا لا يصوّر الحياة إلا حين تصفو وتزهر وتظهر مفاتنا… وبعضنا الآخر لا يصوّر الحياة إلا في فسادها ومأساتها ووجعها… حياتنا طبخة عجيبة غريبة مُرّة المذاق … وحُلوة المذاق.. .سُمٌ وترياق… بطعم ودون طعم… جمعت بين الخير والشرّ… وبين الحزن والفرح… وبين الأمل واليأس… وبين الحب والكره… وبين الشكّ واليقين…
لسائل أن يسأل لماذا أصابتنا لعنة الحقد والكره في تونس، لا أحد يحب الآخر… وجميعنا يضمر الشرّ لجميعنا… لماذا طغى الحقد والكره على حياتنا؟ أتعلمون سادتي أتعلمون… أتعلمون أن في تونسنا اليوم بعضنا يكره بعضنا… وبعضنا يحقد على بعضنا… وبعضنا تأبط شرّا لبعضنا… وقليلنا فقط يحب قليلنا… أتدرون سبب ما نحن فيه من حقد… وكره… وشماتة؟؟ الكذب سادتي… الكذب هو أصل وجعنا… وسبب مأساة بعضنا إن لم نقل أغلبنا… فجميعنا يكذب على جميعنا… وجميعنا يلحق الأذى بجميعنا… وجميعنا يلفّق الأكاذيب بجميعنا… فيكره جميعنا جميعنا… نحن شعب يخاف الحقيقة… ويزيفها إن علم أنها ستؤلمه وستسبب له وجعا…
لقد أصبحنا نكذب بطلاقة وبلاغة لا مثيل لهما… نكذب ولا نتلعثم… نكذب لغاية ودون غاية… نكذب ونحن نعلم أننا نكذب… نكذب ونحن سعداء بأننا نكذب… نكذب ونحن نحقد… نكذب ونحن نمزح… نكذب ونحن نضمر السوء… نكذب ولا نبالي ولا نهتمّ بعواقب فعلتنا وما قد تكون تبعاتها… نكذب ولا نلتفت لضحايانا وما كذبناه… وما لفقناه… نكذب ونحن نعلم وجع وألم وتعب وعذاب من كذبنا عنه وعليه وورطناه… نكذب ونصدّق ما نكذب… ونواصل الكذب ونعيده ونكرره… ونفاخر بما كذبناه… فنحن نُقنع بالتكرار وليس بالحجّة والدليل والبرهان… هكذا زرعنا نبتة الحقد والكره في صدور بعضنا البعض… فأصبح الحقد جزءا من الهواء الذي نتنفّس… فماذا زرعنا وبذرنا… وماذا سيجني ويحصد أحفادنا غدا؟؟؟
حين كذبنا زرعنا الحقد… وحين جاء يوم الحصاد حصدنا الكره… أتعلمون أن جاري من اليمين يكره جاري من اليسار… وجاري من اليسار يكره جاري من اليمين ومن أقصى اليمين ومن الديمقراطيين والليبراليين والنقابيين والثوريين والقوميين والاشتراكيين والراقصين والمتأبطين لآلهتهم من الملحدين والهندوس والبوذيين ويكره حتى يده اليمنى وحماره الحزين ومن تبقى من الهنود الحمر المساكين… ويكره جميع من يحبون جاري وزوجة جاري ويكره حتى من يحفظون الستين من المؤمنات والمؤمنين من سورة البقرة إلى المعوذتين… وجار جاري من اليمين يكره جار جاري من اليسار… وجار جاري من اليسار يكره جار جار جاري من اليمين ويقسم بيوم الدين أنه عضو في اتحاد المكروهين، وناشط في حزب المنافقين… أتعلمون أن قطّ جاري من اليسار يكره قطّة جاري من اليمين ويهددها بأنه سيمنع عنها بقايا الدجاج وصحن السردين، وأنه أجّل كل ذلك إلى حين… أتعلمون أن كلبة جاري من اليمين تكره جاري وكلب جاري وسيارة زوجة جاري إلى يوم الدين… وهل تعلمون جازاكم الله خيرا ووقاكم شرّ الكره والكارهين أن “عمّ الصادق الحوانتي” أصبح من “المكروهين” و”المنبوذين” و”المنعوتين” ومن قرؤوا عليهم “ويل للمطففين” إلى يوم الدين، بسبب علبة حليب سُجلت بدفاترنا اليومية في عداد المفقودين… وأن ابن عمّتي الكوني اصبح لــــ”الحوانتي” من الكارهين والحاقدين بسبب كيلوغرام من السكر ورطل من الفارينة، ومن الحليب… علبتين…
هل تعلمون سادتي هل تعلمون… أن جاري الدستوري يكره جهرا جارتي النهضوية، ويهواها سرّا حين تعود مساء من “السهرية”… وجارتي النهضوية تكره جاري الدستوري، ويتبادلون الاسرى من الكلام الموبوء وشتائم السوء، حين تطالبه أحيانا باللجوء… وهل تعلمون إخوتي هل تعلمون أن جاري من اليسار المتطرف ومن أعضاء أحزاب اليسار المتطرف يكره جاري من اليمين المتطرف لأنه من قيادات أحزاب اليمين المتطرّف ولأنه يحفظ من الأحزاب “الستين” ويركب أحيانا الليموزين ويطعم جهرا المساكين ويجالس سرّا السكارى والمنافقين … وهل تعلمون سادتي هل تعلمون أن جاري من القوميين العروبيين الناصريين يكره جاري من اليمين، وجاري من اليسار وجار جاري الذي هو من الليبراليين وجارة جاري من الوسطيين والذي يقال انها من الديمقراطيات والديمقراطيين وجار جارتي الدستوري وجار جار جاري من الإسلاميين ويكره حتى المنظمات الحقوقية والسفارات الأجنبية وحتى بقرة عمّ إبراهيم “الحلايبي” المسكين… أتعلمون سادتي … أتعلمون أن جاري من اليمين يكره جاري من اليسار ومعه “عمّ المختار” لأنه يتابع كل الاخبار ويكشف كل الاسرار ويرويها همسا لكل الأجوار ويسلّم نسخة منها للإعلام إلى عمّ خليفة “السمسار”… “ملاّ خنّار يا عمّ المختار”…
هل تعلمون إخوتي، هل تذكرون وتفقهون كيف يزعمون، ويروجون، ويقولون، وفي الأخبار يتحدثون عن أن كل شعب الأغنياء والمعوزين من الفقراء والمساكين والمطحونين وحتى الميسورين لشركة الكهرباء وتوزيع المياه والهاتف القار والمحمول… يكرهون ومنهم يشتكون وبخدماتهم ينددون وعليهم وعلى فواتيرهم يحقدون ومع كل فاتورة اياديهم إلى السماء يرفعون، وبالدعاء والبكاء يجهشون، ويصرخون وللخالق مولانا ومولاهم يلتجئون… يطلبون يستغيثون… وحين بِقطْع الماء والكهرباء والهاتف يُهدَّدُون وبالتنبيه يُعلَمُون، “واقفون” ينتصبون ونحو مقرّات هذه الشركات يهرولون وهم لصدورهم يلطمون ويولولون وهمسا يشتمون، وبأعلى أصواتهم يصرخون “لبيكم … لبيكم إننا آتون…فالماء والكهرباء لا تقطعون…وخطنا الهاتفي لا تُسكِتون…سندفع ما علينا… وما طلبتم وما تأمرون”… وحين يصلون وفي أسوا حال أمام أعوان الشركة يقفون… يضعون ما في جيوبهم ويفرغون… وهم من رعب القطع والعطش والظلام يرتعشون… وبالتي هي أحسن ما جاءت به فواتيرهم وجادت به جيوبهم يدفعون… وببقية المبلغ على أقساط مؤجلة يلتزمون …وهم على انيابهم يكشرون… سعداء لا يصدّقون…
أعرفتم الآن كيف ان بعضنا بالحب مسكون…وأغلبنا بالحقد ممحون مجنون… جميعنا يراوح كما غنت نبيهة كراولي حين رفعت عقيرتها بالغناء قائلة: ” قالولي جاي قمت نكحل ونفوح… حضرت التاي ولفي مالأبعاد مروح… طال المشوار يا عذابي، والعقل احتار يا صحابي …قالولي راح قلت جعلته لا روح…” خيط رفيع جدا يفصل بين الحب والكره في هذه البلاد… في زمن لا أراك الله مكروها…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.