تابعنا على

دفءُ نار

أحلم بوطن…

نشرت

في

لن تكون هذه الورقة برنامجا اقتصاديا واجتماعيا وعناوين مُستهلكة لتعهّد الملفّات الكبرى التي تُثقل كاهل البلد، بل هي مجرد طموحات بسيطة لإنسان بسيط ينتمي إلى شعب بسيط لم يعُد يطمح إلى أكثر من طرد الغُزاة واسترداد بلده والعيش بعد ذلك على حدّ الكفاف.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

أحلم بوطن تكون عناصر شرطته من أنجب خريجي الجامعات يتلقّون تدريبا خصوصيا بحجم التكوين الأساسي ويكتسبون بموجبه فنون التعاطي الحضاري مع الاحتجاج والشتيمة والاستفزاز ومهارات التخاطب الراقي مع الناس ويمتنعون عن التمعّن في مهن المارّين على وثائق هويّتهم قبل اتخاذ القرار الذي من المفروض أن يحدّده القانون. ولكن في نفس الوقت شرطة ترتقي الدولة بمستوى عيشها ودخلها ورفاهها العائلي حتى لا يترك أي مبرّر لعدم الضرب بقانون من حديد على كل يد تمتدّ لنيل بعض الملاليم السافلة والوضيعة.

أحلم بوطن لا تُغلق أبواب جامعاته المرموقة واختصاصاتها ذائعة الصّيت أمام أصيلي القرى والمداشر المنسيّة الذين نجحوا بمعدلات متوسطة أو هم لم ينجحوا أصلا. وحين أحلم بهذه الأبواب المفتوحة فإني لا أرى جدوى تُذكر من اتخاذ قرارات شعبوية متوقّعة في المجال وإنما سنّ سياسات حقيقية تعطي جميع أطفال تونس نفس حظوظ النجاح داخل المدرسة وخارجها منذ  19 سنة على الأقل قبل اجتياز امتحان الباكالوريا.

أحلم بوطن تتوفر فيه لفتيات الأرياف والطبقات الفقيرة نفس حظوظ تثمين جمالهنّ وأناقتهنّ  وقدرتهنّ على إبهار الآخر. ذلك لأن الجمال نسبي والجينات تتحسن بفعل الرفاه الاجتماعي، وأن حظوظ الزواج والقدرة على معانقة آفاق اجتماعية وثقافية أرحب تتضاعف أو تتضاءل وفق تلك الاعتبارات. لا أؤمن شخصيا بمقولة “كل واحد آش هزّت مغرفتو” لأن الكثيرين ليست لديهم ملاعق أصلا بل مجرد عيدان أكل آسيوية ونطلب منهم أن يتناولوا طعام الحساء بواسطتها. لن أسامح ما حييت دولة طبقية تهب كل المقوّمات لفتاة أولى قادرة على النجاح والتألّق وصُنع مستقبلها كما تشتهي وتجرّد فتاة ثانية من كل ما من شأنه أن يقيها من العمل المُهين بالبيوت.

أحلم بوطن مُتمدّن تحكم فضاءاته العامة معايير المواطنة وإكراهاتها وليست أية اعتبارات مغشوشة أخرى من قبيل محاسبة الناس على نواياهم وتقدير درجة إيمانهم وإطلاق الأحكام الأخلاقوية على سلوكاتهم. وطن يتمتع فيه الناس بمطلق حرياتهم الفردية والجماعية دون حسيب أو رقيب الا من حساب ضمائرهم والقوانين السّارية.

أحلم بوطن لا يتهيّب فيه المواطن من مراجعة مصالح إدارية مّا، خشية مواجهة موظف بارع في تصيّد الوثائق الناقصة والأوراق اللاغية وفوات الآجال وتعطل السيستام وتغيّب الموظفة المسؤولة عن الملف يومها.

أحلم بوطن يُمكّن مواطنيه من جوازات سفر خضراء (في خضرة مروجه وتينه وزيتونه) وتُعلن بمجرد الاستظهار بها انتماءً تعتز به أمام ديوانة العالم وشرطته. جواز يقولك ويقول تاريخك وعراقة حضارتك دون أن تتكلم. جواز يُحيل مباشرة على حنبعل وقرطاج والكاهنة وعليسة وماغون وابن شباط وابن خلدون ومحمود المسعدي.

أحلم بوطن لا يبادر تلاميذه في آخر السنة الدراسية إلى تمزيق كراساتهم وكتبهم بمجرّد حضور آخر درس في إشارة جليّة لمن يُجيد التقاطها إلى أن مدرسة الحفظ عن ظهر قلب والتلقين والنسخ والتلصيق والإملاء ومنع التلميذ في فتح كراساته وكتبه يوم الامتحان … مدرسة خشبية كهذه ولّى عهدها وباتت في عِداد المؤسسات المنتجة للمعرفة المضادّة.

أحلم بوطن يُحاكَم فاسدوه بقساوة وخائنوه والمستهترون به بضراوة بنفس الحدّة التي يُحاسب بها صغار المنحرفين والنشّالين … ولا يتحقّق ذلك إلا بعد استعمال أكثر أنواع مواد التطهير فعالية لتنقية مرافق القضاء والتشريع والمراقبة والتنفيذ.

أحلم بوطن يُغْني مواطنيه ولا يُفقّرهم، يُلبس أهله ولا يُعرّيه، يُثقّف متساكنيه ولا يُجهّلهم، يحمي شعبه ولا يدعه عرضة للانتهاك، يذود عن سيادته ولا يفرط فيها، يعالج مرضاه ويحصنهم ولا يتركهم عزّل أمام الوباء… وطن يصنع موسيقى عظيمة وأدبا جيدا ومطبخا فاخرا وأصيلا وملمحا إنسانيا مُشرقا، لنتأسّس من خلالها في ساحات العالم وأروقته.

أحلم بوطن تحترم فيه حركة عقارب الساعة بالدقة اليابانية المتناهية حتى يستطيع أن يقول أحفادنا يوما : كان أجدادنا يتندّرون بالسؤال “حافلة نصّ النهار وقتاش تخرج” ؟ لأن الوقت لم يكن ذا قيمة لديهم.

أحلم بوطن أطفاله يلعبون ويمرحون ويهرجون في غمرة من السّعادة وبهجة الحياة ولكن يشعرون في نفس الوقت أنهم مَحْمُولون أيضا وبوعي تامّ على تربية ذائقة متطورة لا تمنحها للأسف مسلسلات شوفلي حلّ وبرامج الجاهل بمكانة طه حسين وإنما عليه أن يجد مَكْمنا لها في ما يؤلّفه روّاد الموسيقى والرواية والتاريخ والبحث العلمي والاجتماعي. أحلم في هذا السياق بعربة قطار تونسي فيها أكثر من مواطن واحد يتصفح كتابا أو مجلة جادّة.

أحلم أخيرا بوطن تتوزّع فيه بأكبر قدر ممكن من العدل المُتع الصغيرة بين الناس مثل التسوّق إلى غير فضاءات بيع الخضر والملابس المستعملة وإمكانية الاستحمام في أي وقت من النهار أو الليل والتمتع بهدوء الأعصاب أمام فواتير الدولة نظرا لتوفّر إمكانيات استخلاصها والسّفر أحيانا إلى غير وِجهات التّكفير عن كل الذّنوب المرتكبة والبدء بإعداد مراسم الوداع الأخير.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار