سيدي الرئيس، صراحة لو كنت أعرف رقم هاتف صاحبة الشعر الأصفر “شقراء” روما جيورجيا ميلوني لهاتفتها لأشكرها…نعم لأشكرها سيدي الرئيس… وأقبّل يدها إن سمحت لي حتى وإن كنت على وضوء… (أتمنى ألا يتهمني أنصار الرئيس بالتحرّش بضيفته فوالله لا أريد شيئا غير شكرها) …
محمد الأطرش
أقول، أتدري لماذا سيدي الرئيس؟ لأنها نجحت وفي اول لقاء بينكما في أن تضحكك…نعم نجحت حيث اخفقنا جميعا…أي نعم ضحكت سيدي الرئيس…ضحكت للحلوة جيورجيا في أول لقاء بينكما على أرض تونس الجميلة، نعم ضحكت وتسمّرنا جميعا أمام هواتفنا وتلفزاتنا وكل ما امتلكت ايادينا من وسائل إعلامية مستغربين الأمر…نعم مستغربين الأمر، لم نكن نعلم من طول انتظارنا لابتسامتك أو ضحكتك الأولى أنك مثلنا تضحك وتبتسم وتسعد…كنّا نقول لعلها هموم الوطن أبعدت عن رئيسنا الابتسامة…ولعلها الأزمة التي طالت جعلت رئيسنا رافضا للضحك…أو ربما صندوق النكد الدولي هو من أربك مزاج رئيسنا وأقضّ مضجعه فغابت عنه الابتسامة “يكب سعدك يا كريستالينا غورغييفا على زوز صوردي شردتينا”…
لكنك ضحكتَ سيدي الرئيس، نعم ضحكت أمام “جيورجيا” وردّت حلوة روما الضحكة والابتسامة بأحسن منها…أي نعم ضحكتَ لابنة “فرانسيسكو ميلوني” و”آنا باراتوري” وزعيمة “إخوة إيطاليا” ولم تضحك لنا نحن إخوة الأرض والوطن والوجع والمعاناة والصبر الطويل…لم تضحك لشعبك الذي انتظر طويلا ابتسامة أو ضحكة منك تبشرنا بخروجنا مما نحن وهذا البلد فيه…أتدري سيدي اننا حقّا اشتقنا إلى ضحكة منك لم نرها منذ وصولك قرطاج…ضحكة طال انتظارها ولم تأت من أجل عيون شعبك بل جاءت لعيون جيورجيا أطال الله عمرها وانفاسها وأظافرها…
أي نعم سيدي، ضحكت كثيرا و”كبيرا” ولا أحد منّا نحن الشعب يعلم لماذا؟ أتدري أن شعبك أصبح اليوم قليل الضحك ونادر الابتسامة، فحتى جيري لويس “رحمه الله وغفر له” لن ينجح في إضحاك هذا الشعب لو عاد حيّا…؟ وحتى “شوفلي حلّ” ما عاد يضحكنا ولم يجد حلاّ لكآبتنا… أتعلم لماذا سيدي الرئيس؟ أظنّك تعلم بكل ما يجعل شعبك قليل الضحك…قليل الابتسامة… طبعا لا أقصد كل شعبك فبعضه وهم قلّة يضحكون…كل الوقت…ويسعدون بما تفعل…كيف لا وهم يشاهدون خصومهم يتساقطون الواحد تلو الآخر…خصومهم الذين لم ينجحوا “ديمقراطيا” أو ما شابهه في ابعادهم عن طريقهم وافتكاك الحكم منهم عبر الصناديق…
ولم لا يسعدون…ولا يبتسمون…ولا يضحكون ملء اشداقهم وهم يشاهدونك وأنت تحقّق لهم ما عجزوا عنه منذ 14 جانفي من سنة النكسة والخديعة…وأنت تفسح لهم المجال ليحكموا غدا يوم يقولون لك “شكرا أكملت ما عليك”…فهم سيقبلون بكل ما تأتيه اليوم حتى وإن كان مخالفا لمبادئهم وفلسفاتهم السياسية وشعاراتهم التي يرفعونها منذ عرفناهم…فقط هم يريدونك ان تخدمهم خدمة لن ينسوها أو لنقل أنا على يقين أنهم سينكرون جميلك يوم يجلسون مكانك…إن جلسوا…هم يريدون فقط أن تقضي على كل من يمكنه الوقوف أمامهم غدا حين يحين موعد دخول مكاتب الاقتراع…إن حان طبعا…حينها ستعرف حقيقة ما قدمت لهم من خدمة لم ولن يحلموا بها لو لم تكن أنت جالسا على كرسي قرطاج…
وكأني بك لم تتفطّن لما يريدون وما يضمرون…هؤلاء الذين يضحكون ويسعدون لما تفعله لا يبالون بما تعيشه البلاد ولا يهمهم إن ساءت علاقتك بمن انتخبك وبالشعب…ولا يهمّهم إن توسعت الهوّة بينك وبين ناخبيك قبل الموعد الانتخابي القادم…ولا يهمّهم غدا إن قال لك الشعب “ماذا قدمت لنا في خمس سنوات؟” ولا يهمهم إن رفع الشعب صوته قائلا “اين وعودك؟ وأين انجازاتك؟” ولا يهمهم إن “حاسبك” الشعب غدا عبر الصناديق وقال لك “لم تفعل شيئا يستحق الذكر، فلن نختارك أنت رئيسا”…هم حوّلوا وجهتك إلى ما يريدونه منك حتى لا تلتفت إلى ما يهمّ الشعب فتنال رضاه …هم لم يساندوك في كل ما أتيته يوم 25 جويلية حبّا فيك أو دعما لمسارك بل هم يريدون أن تخلصهم من كل من افسد عليهم مخططاتهم وما يتمنون…
أعجبتهم لعبة تجفيف المنابع فصفقوا لك ورفعوا عقيرتهم بالصراخ “اضرب ما زال يتنفس”…وسيقولون يوم لا تكون جالسا في قرطاج عن دستورك ما لم يقله مالك في “السلتيا” (رحم الله سي حمادي بوصبيع)…وسيصفون عهدتك بالاستبداد والانفراد بالحكم…وسيعدون الشعب بإصلاح حاله والأوضاع…كيف لا وأنت أبعدت كل من كان يعترض طريقهم نحو الحكم من مطبات حزبية وسياسية…كيف لا وأنت خلصتهم ممن لم ينجحوا في تجاوزه عبر الصناديق…قد لا نتفق مع من أبعدتهم عن المشهد السياسي وقد لا نلتقي في أي من أفكارهم ومشاريعهم السياسية، لكن لا أحد منّا يقبل ان يقطع الطريق أمام خصومه دون تنافس نزيه لا تشوبه شائبة ليصل الحكم…
أتدري سيدي الرئيس أنهم سيُغرقون مسامعك بالتبجيل والتأليه والشكر والثناء والتصفيق والزغاريد وقد يرقصون إن لزم الامر (على وحدة ونصّ طبعا) … لن يتركوا لك لحظة واحدة تجالس فيها نفسك على انفراد وتفكّر فيها في وعن مآلات عهدتك التي شارفت على الانتهاء…عهدة حكمت أكثر من نصفها منفردا تفعل ما تريد متى تريد وكيف تريد…الآمر الناهي والحاكم بأمره…لا أحد يغامر بأن يقول لك أخطأت ليس خوفا من سطوتك لكن خوفا من سطوة من هم حولك…أتدري سيدي الرئيس لماذا لا يقولون لك: لا؟ لأنهم لا يريدونك أن تتفطّن لتبعات الوجهة التي حولوا دفّتك إليها…يريدون منك ان تنهي ما بدأته وتخلصهم من كل خصومهم بالإبعاد أو الاضعاف قبل موعد انتهاء عهدتك…
أتدري ماذا فعلت لصالح الشعب خلال عهدتك سيدي؟ لا شيء يذكر يهمّ الشعب، في حياته، ومعيشته، وتعليمه، وصحته، فقط حققت كل مطالب من ساندوك ودعموك دون أن تتفطّن بأنهم يخدعونك، ولم تلتفت لما ينفع الناس ويرفع عنهم البأس وينزع من طريقهم اليأس…عهدة ضاعفت فيها عدد معارضيك إلى أضعاف اضعاف من توحدوا بجميع الوانهم وقطعوا الطريق أمام خصمك وانتخبوك…عهدة أعلنت فيها الحرب على كل خصومك وخصوم من حوّلوا وجهتك مستأنسا بمزاج شعبي غير ثابت صنعته الازمات المتلاحقة بالبلاد منذ 14جانفي، وأجج ناره فشل كل من حكموا قبلك في إدارة شؤون البلاد واصطدامهم بواقع حكم كانوا يتصورونه “لعبة” أو “فسحة” سيصلحون خلالها حال البلاد والعباد دون عناء وفي أسرع وقت…ونسوا أن إدارة شؤون البلاد ليست فقط كرسيا تجلس عليه وتأمر لهذا بألف درهم وناقة وبعير…وتنهى الآخر وتأمر بسجنه وجلده مائة جلدة على قفاه…الحكم في زمن كالذي نعيش له واقعيته وحقيقته وأوجاعه وألمه ومشاكله التي لا يعلمها من لم يصارع أمواجه ويخرج منه سالما بأخفّ الاضرار…
أتدري سيدي الرئيس، هُمْ وأقصد من حوّلوا وجهتك نحو أهدافهم نجحوا في توسيع الهوّة بينك وبين معارضيك…وقالوا لك فيهم ما لم يقله تشرشل في “الفوهرر” أتعلم أشهر ما قاله تشرشل في السياسة…قال “ليس في السياسة عدو دائم، ولا صديق دائم، بل مصالح دائمة”…أتدري سيدي الرئيس أن من حاموا حولك ويحومون أوعزوا لك ضمنيا من خلال ما يروجونه عن معارضيك، ودون أن يتورطوا في ذلك علنا بتجفيف منابع معارضتك دون ان تدري بما كانوا يخططون ويريدون…ويضمرون…أتدري سيدي الرئيس ان عدوك الحقيقي هو من لا ينبهك لأخطائك…ومن لا يهتمّ لمآلات ما تأتيه وتقرره… عدوك الحقيقي هو ذلك الذي يصفق لك حين تأتي شيئا يوسّع الهوّة بينك وبين ناخبيك…عدوّك الحقيقي هو ذلك الذي ينصحك بمقابل…ويصفق لك بمقابل…وحين يغيب المقابل…يتحوّل إلى داعم ومساند لخصمك المقابل…عدوك الحقيقي هو ذلك الذي يزّين لك السيء من أعمالك، ويشوّه لك الجميل من أفعالك…
لذلك اسمح لي بأن أقول، علينا ان لا نغضب من ضجيج وصخب المعارضة وهرجها ومرجها، إن كنّا حقّا نريد من ينبّهنا لأخطائنا…فالاعتراف بالخطأ من اهمّ مكونات الفعل الديمقراطي…فلم نخاف المعارضة ونحن أصحاب رأي سديد وقوي وعاقل…فالرأي السديد العاقل لا يخاف الديمقراطية ولا تزعجه الحرية ولا الرأي المخالف…علينا أن نعترف أيضا ان اغلب المشاكل التي تعانيها دول العالم الثالث سببها الرئيسي غياب الديمقراطية…وان الفقر والخصاصة سببه أيضا غياب الديمقراطية…وان البطالة وتفشي الجريمة وانتشار المخدرات وتدني مستوى التعليم سببهم جميعا غياب الديمقراطية… ما حدث بعد 14 جانفي يعطينا درسًا ألا نظلم رجالنا سواء كانوا منا أو من معارضينا…فالاختلاف في الرأي ومعارضة مخططاتنا وبرامجنا وأولوياتنا لا يعنيان بالأساس ان من يأتي ذلك ليس وطنيا ويضمر بنا وبالوطن سوءا…وكما نحترم من يساندنا علينا ان نحترم من يعارضنا…فمن يساندنا قد يغفل عن أخطائنا ويزينها لنا تقرّبا منا وطمعا في غنيمة أو مقابل، ومن يعارضنا لن يغفل عن ذكر أخطائنا وسيساعدنا من خلال ذلك في إصلاح ما أخطأنا في تقديره…
ختاما سيدي الرئيس وأنت الذي ضحكت مع جيورجيا (أطال الله ضحكتها) كما لم تضحك سابقا معنا وأمامنا ابدا… أتدري متى نضحك نحن حقّا…متى نخرج من أزمتنا ونصلح حال البلاد والعباد…نضحك متى شعرنا بأننا في بلد ديمقراطي حقّا يسمح لنا فيه بأن نعبّر عن راينا بحرية دون خوف من الوشاة وامثالهم…نضحك متى نشعر بأننا نستطيع بأن نقول بصوت مرتفع ما كنّا نهمس به ونخنقه في حناجرنا…نضحك متى لا نُظلم ممن هم أقوى منّا ومن هم أقرب منّا للحاكم والسلطان…نضحك متى خرج علينا حاكمنا ليكشف لنا حقيقة أوضاعنا وإن كانت موجعة وإن كان وجعها سيزيد فالحقيقة هي ما نريد…نضحك متى جمعنا حاكمنا حول وطن واحد وإن اختلفنا في الرأي وفي التفكير…نضحك متى سمح للكاتب والمفكّر بأن يقول رأيه وإن كان موجعا دون أن يعتقل قلمه ويمنع من الكتابة…
نضحك متى استطاع كل واحد منّا أن ينتقد ويعارض السلطان دون ان يتعرّض للطرد من عمله وللعقاب…نضحك متى يختفي النفاق والحقد والكذب من مشهدنا السياسي…نضحك متى يعطى لقيصر ما لقيصر…نضحك متى عاد الشعب إلى العمل كما كان وأكثر…نضحك متى نفرغ السجون ممن نختلف معهم في الرأي والفكر…نضحك متى لا تغيب ضروريات الحياة من أسواقنا…نضحك متى يجلس الرجل المناسب في المكان المناسب…نضحك متى تغيب المحسوبية والانتهازية من حياتنا…نضحك متى قضينا على البطالة والتهميش …نضحك متى توحدنا في الحرب على الفقر والخصاصة …نضحك متى اعترفنا بأن أخطاء الماضي هي دروس للمستقبل ولسنا هنا لنحاكم الماضي بل لنجعله عبرة لنا حاضرا ومستقبلا… نضحك متى أدركنا جميعا أنه ليس من حق أحد أن يحتكر الماضي لنفسه…كما ليس من حقّ أحد أن يحتكر الحاضر لنفسه…فالحاضر لنا والماضي لأهلنا…والمستقبل لأبنائنا…
سيدي الرئيس، أتعلم أنا…اي نعم، أنا… متى اضحك؟ اضحك حين يصل كلامي هذا إلى من أعنيه بما جاء فيه، دون أن يخرج بعضهم ما جاء فيه من السياق الذي أبتغيه وأعنيه… فتعال نضحك جميعا، أنت، وأنا وكل الشعب ونثبت للعالم ونقول “الدنيا ما زال فيها الخير”…ألسنا أقرب إليك من جيورجيا ميلوني سيدي الرئيس !
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.