تابعنا على

جلـ ... منار

أعمال و نوايا

نشرت

في

هذا العالم محكوم بنواياه، وليس فقط بأعماله، وكذلك أنت!

وفاء سلطان

لقد كانت حياتي، كحياة أي إنسان في عمري، كانت محطات…لم أصل يوما إلى محطة ونظرت إلى الوراء، إلا ورأيت أعمالي و نواياي قد عبدّت الطريق إلى حيث وصلت!

تبلورت لدّي قناعة مطلقة بأن حياة الإنسان هي محصلة نواياه، وليست فقط محصلة أعماله!

فالنية أشمل وأعمّ من العمل.كل عمل لا بد أن تسبقه نية، ولكن ليست كل نية تؤدي إلى عمل.قد تنوي شيئا، خيرا كان أم شرا، ولا تسمح لك ظروفك بأن تنجز ما نويت عليه.ولأنك نويت ولم تنجز، قد يخطر ببالك أنك لست مسؤولا عن شيء لم تنجزه، متجاهلا النية التي تحكّمت بك، وتركت آثارها سواء نفذتها أم لم تنفذ!

…………..

النية هي كل فكرة يفرزها دماغك، وتدور حول علاقتك بتفاصيل العالم المحيط بك!

أنت أكثر شخص تتحدث مع أنت، فعلى مدار الساعة يضج صوت في أعماقك،وهذا الصوت هو نواياك!

(سأتصل اليوم بأختي لاطمئن عليها…جارتي مها الحقيرة ليتني أستطيع أن أحرقها حية….كم بودي أن أفسد على أحمد حياته، ليته يطلق زوجته لأشمت به وبها…سأقطف بعض العنب من هذه الدالية وأحمل صحنا منه إلى جارتي…لن أعزم حماتي على الغداء إلا على جثتي…. عندما يرسل ابني معونته الشهرية لي ولوالده سأرسل جزءا منها إلى أخي، فهو بحاجة ماسة.سأعيد ترتيب خزانتي وسأعطي الفائض من الملابس إلى السيدة التي تنظف البيت.لو رسب ابن ابراهيم في المدرسة سأنتشي فرحا…لو ربحت في الصفقة الفلانية سأدفع للعائلة الفلانية اجرة منزلهم لعام…سأنظف مدخل البناية ولن أكترث إذا ساعدني أحد من سكانها أم لا…أعتقد أن فلانة تنام مع فلان ولذلك حصلت على الوظيفة….فلان يتودد لفلان كي تستفيد منه…يافرحي لم تتمّ الصفقة ولم يحصل فلان على المبلغ الذي كان يحلم به…هذه الشرموطة وضعت صور عرس ابنتها على الفيس بوك، انشالله ما بتشوف الفرح بحياتها….لقد قدمت لابنة فلانة في عرسها هدية بقيمة كذا وكذا، أما هديتها لابني بمناسبة زواجه فلا تصلحإلا لبرميل الزبالة….عندما تتصل بي مريم لتتطلب حاجة سأمسح الأرض بها…)

هذه الأفكار ومئات على شاكلتها تدور كل يوم في أذهاننا…قد نتبعها بأفعال، وقد تبقى مجرد أفكار ونوايا…لكنها لا تمر دون أن تترك أثرا، فلكل فكرة طاقة، سلبية كانت أم إيجابية،وحياتك حصيلة تلك الطاقات!لا أستطيع أن أنكر أنها تراودني أيضا، بخيرها وشرها.لكنني درّبت نفسي لأكبس على الفرامل عند كل فكرة تعبر رأسي وتحمل طاقة سلبية.أتوقف لحظة لأفكر في الأمر، ثم أعيد صياغتها بطريقة أكثر إيجابية عن وعي وتصميم!

كأن أغلي غضبا، فيضج ذلك الصوت في داخلي:“سأبصق في وجهها وسألقنها درسا لن تنساه”على الفور تشدني كلمة (سأبصق)، فأراجع موقفي:“ربما لها ظروفها، فلماذا علي أن أعطي الأمر أهمية أكبر من حجمه،لماذا لا أتجاهلها وأنهي القضية، ما الذي سأستفيد لو بصقت في وجهها؟”

عندها يهدأ روعي، وبعد لحظات اشعر بسعادة غامرة، فأعيد صياغة عبارتي:“سأتجاهل الأمر وأعانقها، ثمّ أسألها عن حالها وحال عائلتها”

…………..

باحت لي سيدة عربيّة مؤخرا بعمل مشين قامت به.طبعا مشين بناء على أي عرف من أعراف الأرض، لكنه لا يبدو كذلك في عرفها.وإذا أردت أن تبحث عن تلك السيدة ستجدها معظم الأوقات تزور معابد حيها،كي تتبارك بجدرانها!

غادرتْ البيت في الثانية ليلا، بعد أن تركت رسالة لزوجها انها ذاهبة إلى الصيدلية،فلقد أصابها صداع شديد وتحتاج إلى بعض الأدوية.لكنها كانت تنوي شيئا آخر، شيئا مغايرا تماما…توجهت إلى بيت تسكنه سيدة من معارفها في حي مجاور.أوقفت سيارتها بعيدا عن البيت، ثم ترجّلت منها وفي بيدها مفك براغ.مشت موازية لسيارة السيدة، والتي تقف أمام البيت، محدثة بالمفك حزا عميقا امتدّ من مؤخرة السيارة حتى مقدمتها.

حسبما وصفت السيارة لا أعتقد أن ثمنها يقل عن مائة ألف دولار…تروي القصة وهي تقهقه، وكأن شيئا لم يكن..ظنتْ أنه لم يرها أحد فاطمأنت وانتشت فرحا.لم تكن تدري أن للكون بليون عين تتلصص على كل شبر منه، وفي مليون اتجاه….وبأن ذاكرة الكون حاسوبية، وهي أدق من أدق آلة حاسبة!

نحن ننسى الحوادث، لكن الكون لا ينساها وتظل مسجلة في ذاكرته تنتظر يوما كي ترتد إلى مرسلها….

لنفرض أن تلك السيدة نوت أن تقوم بفعلها المشين، لكنها ـ لسبب ما ـ لم تستطع!

هل هذا يعني أنها فلتت من العقاب؟ أبدا لا!

فالفكرة بحد ذاتها تفرز طاقتها….رصيدك في البنك الطاقوي، وليس في البنك المالي، هو الذي يحدد طبيعة حياتك،وسر سعادتك أو شقائك، حتى ولو كنت أفقر أو أغنى عباد الله!

…………..

منذ حوالي عشرين عاما أو ربما أكثر، وأنا في حالة بحث دائم عن تلك الحالة التي يطلقون عليها Consciousness or Enlightment، والتي يصل إليها بعض الناس.أستطيع من خلال معرفتي وفهمي لها أن أترجمها إلى كلمة “يقظة” أو ربّما “استنارة”.لكن مفهومها أعمق بكثير من أن أترجمها بكلمة…

حضرت مئات المحاضرات حولها، ومارست الكثير من الطقوس في سبيل الوصول إليها، وزرت عدة منتجعات معنية بمساعدة زوارها للوصول إليها…وخرجت من المعممة بمفهوم يخصني، وطريقة تخصني وحدي،وتساعدني على أن أمارس ما فهمته!

هذه الحالة لا تصل إليها بين ليلة وضحاها، وعندما تصل تصبح طريقة حياة…قد تجيدها في لحظة لتنساها تماما في اللحظة التي تليها…تحتاج إلى تدريب حواسك ورفع مستوى الوعي عندك ليلتقط كل ما يدور في ذهنك وحولك، فتعي كيف تضبط صوتك الداخلي، وتتعامل مع كلّ ما يحدث بطريقة تُحسن ولا تُسيء إلى الكون!

لو فعلت ستكون يقظا كما يكون جرّاح ماهر وهو يسبر بمشرطه منطقة حساسة في الدماغ، ليستأصل ورما خبيثا استقر فيها، مستعينا بمجهره كي لا يخرب خلية سليمة!

نعم إلى هذا الحد تستطيع أن تعيش حياتك يقظا، فلا تدوس على نملة قصدا، ولا تجرح شعورا عن عمد، وتمشي في الحياة كرياضي ماهر يمشي على حبل بين جبلين، لو اختل توازنه جزءا من الثانية سيقع في لج الوادي.لو فعلت لن يدوس عليك الكون، ولن يجرح لك شعورا، وعندما تقع سيتلقفك بيديه!

ليس الأمر سهلا في بداياته، لكنك تصبح مع الزمن هدّارا وايجابيا كشلالات نياغرا،فتنساب مع الدفق الكوني، ولا يمكن أن تشحّ يوما!

…………..

هذه هي حياتي أو هكذا أشعر، وبثقة لا يتخللها أي شك!

من الطبيعي أن تتسلل بعض الأفكار السلبية إلى رأسي بعد أن تخدع جهاز المراقبة هناك، لكن في نهاية المطاف تبقى المحصلة هي الأهم…

هذا الشعور يساعدني على أن أعيش السكينة التي يعيشها رضيع يغفو على صدر أمه.أعيشها حتى وأنا أتشقلب في قلب عاصفة هوجاء، وفي ليل حالك السواد!

…………..

لا تستطيع أن تصبح يقظا ومستنيرا عندما تتجنب الظلام، بل عندما تكون قادرا على أن تنير ذلك الظلام…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار