تابعنا على

جلـ ... منار

أكرم محمود السعدنى: الولد الشقي أحب «عبد الناصر»، وكره «السادات»… (ج 2)

نشرت

في

…… ولد محمود السعدنى فى20 نوفمبر 1928 ورحل يوم الثلاثاء 4 مايو 2010 بعد رحلة مع المرض.. قدم للمكتبة العربية عشرات الكتب ومنها «مسافر على الرصيف»، «السعلوكى فى بلاد الأفريكى»، و«وداعاً للطواجن»، «أمريكا يا ويكا»، «مصر من تانى»، و«الولد الشقى» عدة أجزاء.. و«حمار من الشرق» وغيرها من الأعمال الإبداعية التى رسم فيها بالكلمة، والمعلومة البسمة على وجوه القراء،

<strong>خيري حسن <strong>

له من الأبناء «أكرم – هالة» وهو الشقيق الأكبر للفنان صلاح السعدنى، قال عنه الرئيس عبد الناصر «السعدنى سفيرنا إلى المصاطب» وقال عنه السادات «ده مش هيشوف الشارع تانى.. ده بينكت علىَّ وعلى أسرتى» … عدت من عند الرئيس السادات وسألت الابن: هل تغيرت وجهة نظره قبل رحيله أو صمته تجاه الرئيس السادات؟ رد: أبويا.. لا.. لا.. حتى آخر لحظة فى حياته.. كان موقفه – ولو بالنظرة – كما هو بالنسبة للرئيس السادات، قلت له.. لكنه التقى به فى الكويت وطلب منه العودة لمصر.. وقال له: أنا ببنى البلد يا ولد! قال أكرم: بلد مين اللى كان يبنيها؟ دعنى أقول لك..

ونسأل معاً.. لماذا أحب عمنا «السعدنى» عبد الناصر.. قلت: لماذا؟ قال: لأنه كان يراه غطاء لجسد الفقراء، وحلم فى قلوبهم وعقولهم، قلت طيب والسادات؟ قال: عمنا السعدنى كان شايف السادات مش مننا.. ليس من طبقة الناس الغلابة.. أو تستطيع أن تقول أنه عندما وصل للحكم «قلب» وأصبح شخصية «تانية» ثم سكت أكرم قليلاً وقال: عمنا السعدنى تعرف على الرئيس السادات قبل 23 يوليو فى منزل زكريا الحجاوى وكان بصحبته عمنا «طوغان» يومها قال لهم زكريا الحجاوى عندما سألوه عن الشخص الذى يجلس معه؟ قال لهم هذا هو الذى سيحكم مصر.. وقتها سأل «السعدنى» ده هيحكم مصر.. ده شكله مخبر، كل ذلك والسادات صامت لا يتكلم، ثم تحققت نبوءة «الحجاوى» وحكم السادات مصر.. رد أكرم مكملاً كلامى: وبعدها حكم مصر ماذا فعل؟ تسبب فى هروب زكريا الحجاوى لقطر، والسعدنى للعراق، وطوغان إلى ليبيا، قلت له.. وهل السادات السبب فى ذلك؟ رد: أمال أبويا يعني؟

أليس غريباً أن يحب عبد الناصر رغم أنه سجنه؟ قال: عمنا السعدنى كان يعشق عبد الناصر.. ويراه نصيراً للفقراء، وكان يقول: إن كان ناصر «أهان» محمود السعدنى، فيكفيه أنه «أعز» مصر، قلت له: أى «عز» وهو الذى سلمها محتلة؟ قال: هذه مؤامرة دولية – مثل التى نعيش معها اليوم – لتركيع البلد. عبد الناصر كان يخطب فتسقط حكومات وتأتى حكومات، كان يمشى فتهتز شوارع العواصم العربية.

قلت له دعنا نعد إلى شخصية عمنا السعدنى بعيداً عن الكتابة والعمل.. كيف كان؟ قال: أبى.. كانت شخصيته هى شخصية واحدة فى الحياة، مثلما كانت فى الكتابة، وأذكر أن الاستاذ الراحل أحمد رجب قال لى.. إحنا حاجة فى الكتابة الساخرة، والسعدنى حاجة تانية خالص، هو يكتب مثلما يعيش ويعيش مثلما يكتب، قلت: أقصد.. كيف كان فى حياته اليومية؟ قال: يُموّت من الضحك وهو يتكلم، مثلما كان فى الكتابة، بمعنى أنك اذا قرأت له تضحك، واذا جلست معه تضحك.

قال عنه الراحل كامل الشناوى: يخطئ من يظن أن السعدنى سليط اللسان فقط.. إنه سليط العقل والذكاء أيضاً.

<strong>أكرم السعدني يتوسط أباه و عمه الفنان صلاح السعدني<strong>

من عند رأى كامل الشناوى إلى رأى «السعدنى» فى تعليم أولاده، قال أكرم.. لم يتدخل فى رغبات أحد منا، ترك لنا حرية الاختيار فى الدراسة.. ونحن كانت ظروف دراستنا مختلفة، فبعد المرحلة الاعدادية أُجبر أبى على الرحيل من مصر، فضاعت مننا أجمل سنين عمرنا فى الغربة بعيداً عن مصر.. وهو كان ذهنياً ونفسياً بين مرارة الغربة وبين حنينه الى الوطن، ونحن أكملنا تعليمنا فى مدارس وجامعات بغداد، بعد رفض نظام مبارك فى بداية عهده استقبالنا فى الجامعات المصرية، إلا بأن نعود الى سنوات الدراسة الجامعية الاولى.. ووقتها اتصل أبى بالقيادة العراقية، فقالوا على الرحب و السعة. رحبت القيادة العراقية، وأصدر مجلس قيادة الثورة العراقية بقيادة الرئيس صدام حسين – رحمه الله – قراراً بعودتنا للدراسة فى الجامعات العراقية.

ومن العراق نذهب الى سوريا..قبل أيام الوحدة ما بين القاهرة ودمشق.. فى ذلك الوقت سافر «عمنا السعدنى» فى زيارة صحفية الى دمشق وطلب أعضاء الحزب الشيوعى السورى من السعدنى توصيل رسالة مغلقة للرئيس جمال عبد الناصر، فقام بتسليمها لأنور السادات دون أن يعلم محتواها، وكان فى الرسالة تهديد لعبد الناصر، لذا تم إلقاء القبض عليه وسجن ما يقارب العامين، وأفرج عنه بعدها.

– عدت للابن أكرم وقلت له: كان هذا سبباً فى سجنه أيام عبد الناصر.. فلماذا سجنه السادات؟ قال: السادات نفسه قال للرئيس القذافى عندما حاول التوسط لديه للافراج عن أبى.. قاله «السادات» إن السعدنى أطلق النكات علىَّ، وعلى أهل بيتى، ويجب أن يتم تأديبه.

قلت له وبعد خروجه من السجن إلى أين اتجه؟ قال: صدر قرار جمهورى بفصله من صباح الخير، وتم منعه من الكتابة، بل منع ظهور اسمه فى أى جريدة مصرية حتى فى صفحة الوفيات، بعدها سافر الى بيروت وغادر بعدها الى ليبيا ثم فى عام 1976 وصل الى أبو ظبى وغادر بعدها الى الكويت، وعمل فى السياسة الكويتية مع أحمد الجار الله ثم تحت الضغوط غادر الى العراق ثم بعد ضغوط من القاهرة غادر الى لندن.

قلت له: واستمرت حياته فى لندن حتى اغتيال السادات.. وبعدها عاد للقاهرة واستقبله الرئيس مبارك فى القصر الجمهورى، ليطوى صفحة طويلة من الصراع مع السلطة، قال: هذا ما حدث بالفعل.

قلت له: هل مات راضياً عن مشواره فى الحياة؟ قال: أبى كانت حياته كلها رضا، تخيل ،تُوفيت أمه وهو خارج مصر وبكى على رحيلها بشدة، وكان يعيش فى مدينة وأولاده فى مدينة أخرى.. ورغم ذلك كان مؤمنا بقناعته، ومدركاً أن مصر تستحق منه أن يفعل ما فعله، ورغم التعب، والسجن، والسفر، والابعاد من المهنة والمنع من الكتابة، إلا أنه كان راضياً وسعيداً بتجربته فى الحياة..

(عن جريدة “الوفد” المصرية)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب صحفي مصري، مؤلف كتاب”أبي الذي لا يعرفه أحد ” عن الأستاذ محمود السعدني

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

دفاعا عن ماجدة الرومي

ردّاً على مقال: حين يعلو الجهل ويخفت الإدراك الموسيقي

نشرت

في

جمال فياض

في زمن تتكاثر فيه الأقلام المتطفّلة على النقد الفني، وتختبئ وراء قناع “المحبة الصامتة” لتبثّ سمًّا باردًا في جسد الإبداع، يطلّ علينا مقالٌ “غير ودّي” عن حفل السيّدة ماجدة الرومي في “أعياد بيروت”، لا يحمل من الحسّ النقدي سوى مفردات طبية سطحية ومصطلحات صوتية غير واضحة أو مبررة ومبتورة السياق.

إن الحديث عن انتقال الصوت من طبقة الـ”Soprano Lyric” إلى “Mezzo-Soprano” أو حتى إلى “Alto” هو كلام صحيح علميًا من حيث التدرج الطبيعي لأي صوت بشري، لكنه يصبح مضللاً عندما يُطرح كأداة للطعن، لا كظاهرة بيولوجية طبيعية يعرفها كل دارس حقيقي لفسيولوجيا الصوت. فحتى مغنّيات الأوبرا العالميات ينتقلن تدريجيًا في طبقاتهن مع التقدم بالعمر، دون أن يُعتبر ذلك سقوطًا فنّيًا، بل نضجًا صوتيًا وإعادة تموضع ذكي للريپرتوار.

أما مصطلح “Tremolo” الذي استخدمته الكاتبة، (وليتها شرحت لنا نحن البسطاء اللي فهماتنا على قدنا معنى المصطلح الذي زودها به أحد المطرودين من حياة الماجدة) وهي استخدمته على عماها فأساءت فهمه على ما يبدو. فالـTremolo ليس عيبًا صوتيًا بالضرورة، بل أسلوب تعبير ديناميكي مقصود في الأداء، يُستخدم في الموسيقى الكلاسيكية والشرقية، ويُضفي بعدًا دراميًا على الجملة الغنائية، لا سيما في الأعمال العاطفية أو الإنسانية. لكنه يتحوّل إلى “اهتزاز غير إرادي” فقط في حالات مرضية مُثبتة طبيًا، وهو أمر لا ينطبق على الماجدة ولم تثبته أي جهة موثوقة في حالة السيدة ماجدة، بل استنتجته الكاتبة بإذن نقدية هاوية غير مؤهلة سريريًا أو أكاديميًا.وربما بأذن مستعارة ، من شخص ما !!

إن وصف الكورال بـ”العكّاز الصوتي” يعبّر عن جهل صارخ بوظيفة الكورال في الموسيقى الكلاسيكية والحديثة وكل الأغاني على حد سواء. الكورال ليس ترميمًا لعيوب، بل جزء أساسي من البنية الهارمونية، يعمل كدعامة جمالية وتعبيرية، سواء في موسيقى “باخ” أو أغاني فيروز أو إنتاجات اليوم الحديثة. حتى أم كلثوم ختمت حياتها الفنية بأغنية فيها كورال ومسجلة في الستوديو، وهي أغنية “حكم علينا الهوى”، فهل غرام بليغ حمدي بإضافة الكورال على أغلب ألحانه كان “عكازاً” لوردة وعبد الحليم وكل من لحّن لهم؟ استخدام الكورال لا يعني ضعفًا بل انسجامًا مع شكل موسيقي راقٍ يسمّى “الهارموني الكورالي”.

أما التلميح إلى أن السيدة ماجدة الرومي “تصارع للبقاء”، فذاك تعبير درامي هابط يتنافى مع اللياقات كما مع حقيقة ما رأيناه وسمعناه: فنانة قديرة تتحكّم بمسرحها، تدير الفرقة بوعي موسيقي عالٍ، تؤدّي بجملةٍ صوتية مدروسة تحترم مساحة صوتها الحالية، وتوظّف إمكانياتها التقنية بإحساس رفيع دون أن تفرّط بكرامتها الفنّية. ذلك يسمّى في لغة الموسيقى “interpretative maturity” أي النضج التعبيري، وليس انهيارًا كما يحاول البعض التسويق له بلغة “فيسبوكية” مستهلكة.

وأخيرًا، المقارنة بين ماجدة وصباح وفيروز مضلّلة وغير دقيقة. فكل صوت حالة مستقلّة، وكل مدرسة غنائية تُقاس بمعايير مختلفة. وإن كانت فيروز قد اختارت الابتعاد، في مرحلة ما بعد السبعين ،فذاك قرار شخصي لا يُفرض كنموذج على الأخريات. لأن أم كلثوم ظلّت تغني حتى العقد الثامن من عمرها، وهي راعت كما هو معروف طبقاتها الصوتية منذ بلغت الستين من عمرها. وهذا ما ما فات كاتبة المقال ذكره.

نحن لا نصفّق من دون وعي، بل نُصغي بفهم. وما سمعناه من ماجدة في “أعياد بيروت” كان صوتًا لا يزال يُغنّي بروح تُحسن استخدام تقنيات الـVibrato Controlled، وتعرف متى تُمسك بالجملة ومتى تُسلمها للمرافقة الموسيقية، دون أن تفقد شخصيتها الأدائية.

السكوت الذي دعا إليه كاتب المقال باسم “المحبّة”، هو صمت الجاهلين. أما المحبّة الحقيقية، فهي أن نعرف الفرق بين الهبوط الصوتي، وبين إعادة توزيع القدرات وتكييف الأداء بما يليق بمقام الفنّ النبيل…

بكل مودة الزمالة…

شكراً ، لمن كتب بالسرّ، ومن نشر في العلن

أكمل القراءة

صن نار