تابعنا على

فلسطينيّا

أهي هبّة أم انتفاضة أم تباشير ثورة ؟ (ج 3)

نشرت

في

… أما انتفاضة الأقصى التي كثر استخدامها ، وما يزال ، للترويج لثقافة انعدام جدوى الكفاح المسلح . فقد أدت لأول مرة في تاريخ الصراع إلى اعتراف الرئيس الامريكي جورج بوش الابن، في خطابه بتاريخ 24/6/2002 بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته ، رغم اشتراطه تحقق ذلك باستبدال قيادة الرئيس عرفات الذي يستخدم العنف المسلح لإقامتها ، بقيادة فلسطينية تنبذه وتجرمه وتؤمن بالتفاوض السلمي طريقا وحيدا لبلوغ الهدف .

د . غانية ملحيس *

وعليه ، ليس صحيحا -كما يشاع – أن انتفاضة الأقصى قد أخفقت بسبب انتهاج الكفاح المسلح ، وإنما أساسا بسبب عجز النظام السياسي الفلسطيني عن توظيفها الصحيح لخدمة هدف إنشاء الدولة. فتركزت عمليات المقاومة العسكرية ضد المدنيين في العمق الاسرائيلي ، عوضا عن توجيهها لاستهداف قوات الجيش الاسرائيلي والمستوطنين في المستعمرات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 . ما أسهم بجعل مستوطنات قطاع غزة والقدس والضفة الغربية أكثر أمنا للاسرائيليين من يافا وتل أبيب وحيفا والقدس الغربية . واستنفر ، ذلك، الرهاب اليهودي الموروث من الهولوكوست .

فتراجع مؤيدو التسوية السياسية في إسرائيل ، وتوحد الاسرائيليون بتياراتهم المختلفة خلف السفاح شارون ، الذي أعاد اجتياح مناطق الحكم الذاتي في نيسان (أفريل) 2002 . وتشجع العديد من يهود إسرائيل للانتقال إلى المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967- التي للمفارقة ، لم تتعرض للعمليات العسكرية طيلة سنوات الانتفاضة . فبدت بأعين الاسرائيليين قلاعا حصينة . زاد من جاذبيتها ما توفره الحكومة الاسرائيلية من امتيازات وحوافز اقتصادية لتشجيع المستوطنين على الاستقرار فيها (كانخفاض تكاليف السكن ، والدعم ، والإعفاءات الضريبية ، والخدمات الصحية والتعليمية الجيدة ،وفرص العمل المجزية الخ) وتضافرت مفاعيل ذلك كله فتضاعف عدد المستوطنين في المستعمرات الاستيطانية في المناطق المحتلة عام 1967 ، غالبيتهم من المتزمتين اليهود الذين لا يروقهم المجتمع العلماني في مدن المركز .

كما أثارت العمليات العسكرية الفلسطينية داخل إسرائيل قلق حلفائها الدوليين وشكوك دول العالم في النوايا الفلسطينية . ورغم معرفتهم اليقينية بالعجز الفلسطيني ، لم يتحرك أحد لمنع شارون من إعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي ، أو لوقف المجازر ضد المدنيين في مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس . أو لإجباره لاحقا على الانسحاب . خصوصا أن السلطة أبقت على التزامها بالاتفاق رغم تقويض إسرائيل لمرتكزاته .

وعليه ، لم تفشل انتفاضة الأقصى كما يروج البعض بسبب الكفاح المسلح . وإنما بسبب انفصالها عن الهدف السياسي . واستخدامها كأداة للضغط ، وليس كوسيلة لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 . وكان يمكن – لو تم التوافق فلسطينيا على تركيز العمليات العسكرية في حدودها – أن يحظى هدف إنهاء الاحتلال الناشىء عام1967 بتفهم جزء وازن من يهود إسرائيل القلقين من استمرار الصراع ، فيضغطون ، أيضا ، باتجاه إنهائه . خصوصا و أن العالم بأسره يطالب بذلك .

لكن الفلسطينيين حرفوا البوصلة . وعجز نظامهم السياسي عن التقاط الفرصة ، فأخفقوا في توظيف انتفاضة الأقصى لإنجاز مشروعهم السياسي ، رغم أنهم قدموا تضحيات جسيمة ، وألحقوا بإسرائيل خسائر بشرية ومادية هي الأكبر منذ انشائها قبل 73 عاما .

وباعد فرصة إنهاء الاحتلال الحاصل عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية ، مراهنة الطبقة السياسية الفلسطينية على صدق الوعد الامريكي بإمكانية قيام الدولة عند استبدال القيادة العنيفة بأخرى مسالمة . وتسبب فصل المسار التفاوضي عن النضال التحرري ، الذي تم إيقافه كليا بأشكاله كافة العنفية والسلمية، والتساوق مع تداعيات الانسحاب الاسرائيلي الأحادي من قطاع غزة وإعادة تموضع الجيش الاسرائيلي على حدوده ومحاصرته وفصله عن الضفة الغربية . وتنامي الصراع الداخلي الفلسطيني على السلطة في أعقاب الانتخابات التشريعية عام 2006 ، وتقديمه على الصراع الرئيس مع العدو الوجودي . ما تسبب في إضعاف المناعة الوطنية والمجتمعية بانقسام النظام السياسي الفلسطيني واستقواء أطرافه على بعضهم العض بالخارج ، وبتعميق الارتهان الاقتصادي والمعيشي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة على السواء لإسرائيل وللعون الخارجي ـ العربي والدوليـ الذي يخضع منحه وحجبه للقرار الامريكي والاسرائيلي .

ورغم أن البعض الفلسطيني استخدم فشل المفاوضات للترويج لفشل النهج التفاوضي ، في تكرار لذات المشهد عندما روج آخرون لفشل نهج الكفاح المسلح . متغافلين عن أن المشكلة لا تكمن في المناهج ، وإنما في منتهجيها . فالكفاح المسلح والنضال السلمي والمقاطعة للعدو والمفاوضات ليست غايات بحد ذاتها . وإنما وسائل وأدوات تتكامل أدوارها وتوظف لخدمة أهداف سياسية .

وبالنظر إلى تعقيدات الواقع الفلسطيني . وعمق اختلالاته البنيوية التي ترسخت على مدى أكثر من نصف قرن . وتجذر النظام الفصائلي العاجز وتشبثه بالبقاء . وعدم تبلور قوة وحدوية منظمة وازنة عابرة للفصائل والتنظيمات، وقادرة على بناء نظام سياسي فلسطيني جديد مؤهل قادر على إزاحة النظام القديم – الذي بات عبئا على النضال التحرري – والحلول مكانه . دون المغامرة بحدوث فراغ سياسي يهدد بانقطاع المراحل النضالية . خصوصا في ظل الانكشاف الفلسطيني الخطير أمام العدو ورعاته الدوليين وحلفائهم العرب . وفي ظل الاختراقات الخارجية للطبقة السياسية الفلسطينية وانشغال أقطابها بالصراع على المواقع والنفوذ . وتحفز اليمين العنصري الصهيوني الذي يسيطر على القرار الاسرائيلي لتكثيف هجماته على الشعب الفلسطيني وتدمير مرتكزات وجوده السياسية والاقتصادية والتنظيمية والمؤسسية ، وإشغال مكوناته بأزمات اقتصادية واجتماعية ومعيشية .

فإن اليقظة الفلسطينية باتت مسألة وجود ، وتستوجب الانتباه الكامل وعدم السماح مجددا بحرف الأنظار عن السبيل الوحيد المتاح أمام الشعب الفلسطيني للخروج من الدائرة المغلقة التي تحتجزه الطبقة السياسية الفلسطينية داخلها . فالتغيير الفلسطيني البنيوي المستحق لا يمكن اختزاله باستبدال الأشخاص فقط . ولا عبر عملية انتخابية محكومة بضوابط أوسلو لتدوير القادة . ولا عبر استعجال توظيف المواجهة العسكرية لإعادة تموضع الفصائل في ذات النظام السياسي الفلسطيني العاجز عن قيادة النضال التّحرُّري الفلسطيني في المرحلة القادمة .

ولا نغالي القول بأن اليقظة الفلسطينية باتت مسألة مصير ، خصوصا في ظل تزايد المخاطر باستغلال تداعيات الهبة وتسرع البعض بالقفز نحو المجهول . دون التحسب لما قد تحدثه الخطوات غير المدروسة من تشظ جديد وتفجير للنظام السياسي الفلسطيني من الداخل ، قبل توفر البديل الوطني المؤهل القادر على توظيف الهبة ، لإحداث التغيير النوعي الفلسطيني المستحق دون المخاطرة بانقطاع في المراحل النضالية الفلسطينية .

تعلمنا دروس ثورات الربيع العربي ، أن إجماع الشعوب على تغيير واقعها مهم وضروري . لكن الأهم هو معرفة ما الذي تريده بدقة ، والطرق الموصلة إليه ، والتهيؤ الصحيح لتوفير مستلزمات بلوغه .

فهل ينجح الشعب الفلسطيني في التقاط الفرصة التاريخية التي أتاحتها الهبة ، فيتجاوز واقعه المأزوم ، ويتمكن من بناء نظام سياسي فلسطيني جديد قادر على قيادة مشروعه التحرري بثبات لتحقيق أهدافه بالتحرر والعودة وتقرير المصير . وكيف يفعل ذلك ؟ هذا ما تسعى المقالات المتتابعة لفتح حوار وطني واسع حوله ، واستشراف الآفاق والسبل المؤدية إلىه.

(تمّت)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحثه بمركز الدراسات الفلسطينية

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

صن نار

فلسطين: منذ 7 أكتوبر… استشهاد 800 رجل تعليم، وإصابة آلاف

نشرت

في

رام الله- معا

قالت وزارة التربية والتعليم العالي، إنه استشهد منذ بدء حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023؛ أكثر من 800 معلم/ة شهداء، وأصيب أكثر من 3300 بجروح متفاوتة، فيما تم اعتقال أكثر من 170 آخرين في ظروف قاسية.

وأضافت الوزارة في بيان لها، يوم الأحد، بمناسبة اليوم العالمي للمريّي، يأتي اليوم العالمي للمعلمين هذا العام تحت شعار: “دعم المعلمين: 60 عاماً من حماية هذه المهنة وتحسين أوضاعها ورسم ملامح مستقبلنا”؛ ليحمل رمزية تاريخية، تجسد ستين عاماً من نضال الإنسانية لحماية مهنة التعليم والنهوض بأوضاع معلميها.

وتابع البيان: وفي الوقت الذي يستحضر فيه العالم هذا الشعار للوقوف على التحديات والاستراتيجيات الكفيلة بالارتقاء بالرسالة التربوية، يقف المعلم الفلسطيني في قلب الميدان، مسطراً أروع صور الثبات والوفاء لرسالته، ويخوض معركة وجود حقيقية لحماية الحق في التعليم تحت أعتى ظروف العدوان والاستهداف الممنهج.

وأشارت إلى معاناة المعلمين التي تتضاعف يومياً بفعل الملاحقة الميدانية وتعاظم القيود على حرية الحركة عبر مئات حواجز الاحتلال؛ خاصة في مسافر يطا والمغيّر والأغوار والمناطق المصنفة (ج)، يرافق ذلك استمرار احتجاز الاحتلال لأموال المقاصة، وما ترتب عليه من أزمات معيشية واقتصادية انعكست بشكل مباشر ومؤلم على الاستقرار المادي والنفسي للأسرة التربوية.

وأعربت الوزارة عن بالغ اعتزازها للدور الطليعي الذي يجسده المعلمون في مختلف أرجاء فلسطين، وقالت: “فهي مناسبة لإرجاء الشكر والتقدير لمعلمينا ومعلماتنا، ومعلمي غزة الذين لم يثنِهم الركام ولا القصف ولا نزوح الخيام عن أداء واجبهم، حيث استطاعوا تحويل الخيام ومراكز النزوح إلى صفوف دراسية تنبض بالحياة، ولزملائهم في المدارس الافتراضية في الضفة الذين واصلوا مسيرتهم بكل اقتدار؛ لضمان استمرار المسيرة التعليمية لأبنائنا الطلبة في غزة، ولمعلمي القدس الصامدين في مدارسهم رغم سياسات الاحتلال العنصرية.

وأكد البيان أن هذا الصمود أثمر عن قصص نجاح ملهمة تحولت فيها التحديات إلى فرص للتجدد والإبداع؛ فقد برهن المعلم الفلسطيني أنه قائد مجتمعي حقيقي، من خلال ابتكار مبادرات تعليمية وحلول تكنولوجية وبدائل تربوية من قلب الحصار، لتصل رسالة فلسطين جليّة إلى العالم أجمع بأن إرادة التعلم والتعليم أقوى وأبقى من آلة الحرب والدمار.

وطالبت وزارة التربية والتعليم العالي المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات التربوية والحقوقية والإنسانية وعلى رأسها “اليونسكو”، و”اليونيسيف” بالتحرك العاجل ولجم انتهاكات الاحتلال المتواصلة بحق قطاع التعليم، والعمل الفوري على توفير الحماية الدولية للكوادر التعليمية والطلبة.

كما دعت كافة الاتحادات والنقابات التعليمية وأحرار العالم إلى تكثيف المناصرة والدفاع عن حقوق المعلم الفلسطيني، والضغط للإفراج عن المعلمين المعتقلين، والإفراج العاجل عن المستحقات المالية المحتجزة، ضماناً لحق المعلم في العيش بكرامة والأداء الآمن لرسالته النبيلة.

أكمل القراءة

صن نار

فلسطين: الاحتلال المتشدّق بالديمقراطية… يمنع الانتخابات في القدس وغزّة!

نشرت

في

رام الله – معا

صرّح مصدر فلسطيني مسؤول بأن الحكومة الإسرائيلية رفضت السماح بدخول لجنة الانتخابات المركزية إلى قطاع غزة والقدس، لمتابعة إجراءات التحضير للانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ويأتي الموقف الإسرائيلي في وقت تواصل فيه لجنة الانتخابات المركزية استعداداتها لإجراء الاستحقاق التشريعي وفق الجدول الزمني المعتمد، فيما تشمل العملية الانتخابية الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة.

وكانت لجنة الانتخابات قد أكدت استمرار تحضيراتها لإجراء الانتخابات في موعدها، مشيرة إلى أن الاستعدادات تشمل مختلف المناطق الفلسطينية، وسط تحديات مرتبطة بإجراء الاقتراع في القدس وقطاع غزة. وحددت المرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز/جويلية الماضي يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية، بمشاركة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

أكمل القراءة

صن نار

نابلس: المستوطنون يسرقون زيتون الفلاّحين… ويستولون على معدّاتهم

نشرت

في

نابلس – معا

هاجم مستوطنون، يوم الاثنين، قاطفي الزيتون في منطقة باب الجامع غرب بلدة برقة، شمال غربي نابلس.

وأفادت مصادر محلية، بأن مستوطنين هاجموا مزارعين أثناء قطفهم ثمار الزيتون في المنطقة، ومنعوهم من مواصلة عملهم، كما استولوا على جرار زراعي يعود لأحد الفلاحين من بلدة بزاريا المجاورة.

ومنذ بدء موسم قطف الزيتون الحالي، يتعرض المزارعون لاعتداءات متكررة من المستوطنين، تشمل الاعتداء والتنكيل والاحتجاز وسرقة المحاصيل، فيما يستولي المستوطنون على محاصيل الزيتون في أراضٍ يمنع المزارعون من الوصول إليها بفعل إجراءات قوات الاحتلال.

وبحسب أحدث تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستوطنون منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أكثر من 14,742 اعتداء في الضفة الغربية، بما فيها القدس، أسفرت عن استشهاد 66 مواطنا.

وأشارت الهيئة إلى أن اعتداءات المستوطنين طالت 147,111 شجرة بالتحطيم والاقتلاع والحرق والتسميم، من بينها 100,485 شجرة زيتون.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار