منبـ ... نار
في يوم القضاء المصري.. “ما القضاء؟” يفتح حوارًا حول العدالة ونشر الوعي القانوني
حلقة نقاشية تجمع رموز القضاء والمثقفين والأكاديميين لبحث مفهوم القضاء ودوره في حماية الحقوق وترسيخ سيادة القانون
نشرت
قبل 31 ثانيةفي
من قبل
جورج ماهر George Maher
متابعة: جورج ماهر ـ القاهرة
في إطار الاحتفال بيوم القضاء المصري، شهد المجلس الأعلى للثقافة حلقة نقاش حول كتاب “ما القضاء؟”، من تأليف القاضي الدكتور خالد القاضي، رئيس محكمة الاستئناف.

الكتاب صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة “ما” المعرفية، وذلك تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، وبإشراف الأستاذ الدكتور أشرف العزازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة. وشهدت الحلقة حضورًا لافتًا لنخبة من شيوخ ورموز القضاء المصري، إلى جانب عدد من القامات الثقافية والأكاديمية وأساتذة الجامعات والباحثين والشباب، في لقاء جمع بين الخبرة القضائية والثقافة المجتمعية والعلوم الإنسانية، وناقش مفهوم القضاء ورسالته ودوره في حماية الحقوق وترسيخ سيادة القانون وتحقيق العدالة.
واستهلت الفعاليات بالسلام الجمهوري، أعقبه عرض فيلم تسجيلي حول مسيرة القضاء المصري، ثم كلمة ترحيبية للأستاذ وائل حسين، رئيس الشُعَب واللجان بالمجلس الأعلى للثقافة. من جانبه، استعرض الدكتور محيي الدين عبد الحي، رئيس تحرير سلسلة «ما»، أهمية الكتاب باعتباره يجمع بين الثقافة والقانون والوعي المجتمعي، مؤكدًا أن نشر الثقافة القانونية بين الجمهور يمثل إضافة مهمة، وأن سلسلة “ما” تقدم محتوى معرفيًا مبسطًا يتيح للقارئ التعرف إلى مؤسسات الدولة ودورها.
ثلاثة محاور لتعريف القارئ بمنظومة القضاء
وتحدث مؤلف الكتاب، المستشار الدكتور خالد القاضي، عن فكرة الكتاب ومضمونه، مشيدًا بقرار الرئيس عبد الفتاح السيسي باعتبار الأول من أكتوبر يومًا للقضاء المصري. وأوضح أن الكتاب يتكون من ثلاثة أقسام رئيسية؛ يتناول الأول أسس القضاء ومفهومه ومكانته ونشأته وتطوره وضمانات التقاضي، إلى جانب القضاء في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية.
ويتناول القسم الثاني الجهات والهيئات القضائية في مصر، ومن بينها المحكمة الدستورية العليا، ومحاكم القضاء العادي والنيابة العامة، ومحاكم مجلس الدولة، والقضاء العسكري والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة.
أما القسم الثالث، الذي جاء بعنوان “على منصة القضاء”، فيستعرض جانبًا من مسيرة المؤلف الممتدة لنحو أربعين عامًا منذ التحاقه بكلية الحقوق، متناولا كيفية بناء الملكة القانونية، ومكانة القانون في حياة المجتمع، وصولا إلى أهمية الوعي القانوني.
القضاء.. قيمة إنسانية وثقة في العدالة
وأشار المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، رئيس المحكمة الدستورية العليا ورئيس مجلس الشيوخ الأسبق، إلى أهمية مواجهة ما وصفه بـ”الهجمة الثقافية” على القضاء، مشيدًا بأهمية تعزيز دراسة اللغة العربية والدين في المناهج التعليمية، ومؤكدًا قيمة الحضارة المصرية وما تمثله من رصيد ثقافي وحضاري. كما أشاد بكتاب “ما القضاء؟” ودوره في تقديم المعرفة القانونية والقضائية إلى القارئ بصورة مبسطة.
وأكد المهندس هيثم يونس، رئيس الهيئة العامة للكتاب، أهمية سلسلة “ما”، مشيرًا إلى مكانتها ضمن إصدارات الهيئة ودورها في تقديم المعرفة إلى القارئ بصورة ميسرة.
من جانبه، أوضح المستشار عادل عبد الحميد، وزير العدل ورئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى الأسبق، أن عنوان الكتاب يعكس قدرة كبيرة على تقديم منظومة العدالة والقضاء المصري في إطار معرفي مبسط، مؤكدًا أن العدالة لا تقتصر على الإجراءات، وإنما ترتبط بثقة المواطن في القاضي، وأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع دون تحيز أو تمييز. وتطرق إلى علاقة القضاء بالتكنولوجيا الحديثة، مشيرًا إلى تنامي استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والقضايا ودعم عمليات اتخاذ القرار في عدد من دول العالم.
“دولة القانون” ورسالة القضاء
كما تضمن اللقاء عرض فيلم تسجيلي مقدم من المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة الدستورية العليا، أشاد خلاله بالجهد العلمي الذي بذله المستشار خالد القاضي في إعداد الكتاب، معتبرًا إياه امتدادًا لمسيرته العلمية وإسهامًا في ترسيخ المعرفة بدولة القانون والمؤسسات القضائية. وأكد أن القضاء يمثل قيمة إنسانية، وأن أخلاقيات المهنة والضمير والاستقلال عناصر أساسية في عمل القاضي، مشيرًا إلى أهمية الاقتراب من الأسئلة المرتبطة بطبيعة العلاقة بين القاضي والمواطن والمجتمع.
بدوره، أشاد المستشار أحمد عبود، رئيس مجلس الدولة الأسبق، بالاهتمام بتطوير منظومة القضاء وترسيخ مبدأ المساواة، مشيرًا إلى ما حققته المرأة المصرية من حضور متزايد في منصة القضاء ودورها في منظومة العدالة.
وأكد المستشار محمد الشناوي، رئيس هيئة النيابة الإدارية السابق، أن أهمية اللقاء تجاوزت مجرد مناقشة الكتاب، إذ يمثل القضاء – بحسب ما طرحه – مصدرًا للطمأنينة في نفوس المواطنين من خلال قيم العدل واحترام القانون، مشددًا على أن القضاء يظل أحد الأعمدة الراسخة للدولة المصرية.
حضور أكاديمي وشبابي
وشارك في الحلقة النقاشية الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، والدكتور هيثم الحاج علي، أستاذ اللغة العربية والرئيس الأسبق للهيئة المصرية العامة للكتاب ومقرر لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب عدد من أعضاء هيئات التدريس والطلاب بالجامعات. وأضفى الحضور الشبابي والأكاديمي على اللقاء بُعدًا حواريًا، وأكد أهمية استمرار النقاش بين الأجيال حول مفاهيم العدالة والقانون ودور المؤسسات القضائية في المجتمع.
توصيات لتعزيز الثقافة القانونية
واختُتمت الحلقة النقاشية بإعلان عشر توصيات إجرائية وموضوعية، ركزت على أهمية إشراك الشباب في الحوار حول القضاء والثقافة القانونية، باعتبارهم أحد الأطراف الرئيسية في بناء مستقبل المجتمع وترسيخ احترام القانون وصون الحقوق والحريات.
وأكد المشاركون أن نشر الثقافة القانونية لا ينبغي أن يظل حبيس الكتب المتخصصة وقاعات الجامعات والمحاكم، بل يجب أن يصل إلى المواطن في حياته اليومية، من خلال لغة واضحة ومبسطة تساعده على معرفة حقوقه وواجباته وفهم طبيعة مؤسسات الدولة وأدوارها.
وفي ختام اللقاء، برزت رسالة أساسية مفادها أن الوعي بالقانون لا ينفصل عن بناء مجتمع يحترم الحقوق والواجبات، وأن نشر الثقافة القانونية يمثل جسرًا مهمًا بين مؤسسات العدالة والمواطن.

تصفح أيضا
منبـ ... نار
التوجيه الجامعي في العصر الرقمي: لماذا أصبح حسن الاختيار أكثر صعوبة؟
نشرت
قبل شهرينفي
7 أغسطس 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. مصطفى الشيخ الزوالي:
منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، وعلى امتداد ما يقارب ثلاثين سنة من متابعة عمليات التوجيه الجامعي في تونس ومرافقة الناجحين الجدد في الباكالوريا، كشفت لنا التجربة الميدانية أن المشكلات لا تختفي بقدر ما تُغيّر أشكالها.

فالقلق الذي يرافق لحظة الاختيار بقي حاضرًا، لكن مصدره انتقل من ندرة المعلومة إلى وفرتها : ففي الماضي كان التحدّي الأكبر هو الوصول إلى المعلومة، أما اليوم، في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، فأصبح حسن الاختيار هو التحدي الحقيقي وسط فيض غير مسبوق من المعلومات والآراء.
وما يزال الناجح الجديد يقف أمام أول قرار يرسم ملامح مساره الدراسي والمهني، غير أن الحيرة التي ترافق هذا القرار لم تعد ناتجة عن نقص المعطيات، وإنما عن صعوبة فرزها وتحويلها إلى اختيار واعٍ. ومن هنا يبرز سؤال يستحق إعادة التفكير: لماذا لم تجعل وفرة المعلومات حسن الاختيار أكثر يُسرا ؟ ولماذا ازدادت الحاجة إلى خدمات الإعلام والتوجيه في الوقت الذي أصبحت فيه المعرفة أقرب إلى الجميع؟
أولاً: هشاشة الاختيار… تسبق العصر الرقمي قد يبدو أن الحيرة التي يعيشها الناجح الجديد في الباكالوريا مرتبطة بضيق الوقت أو بتعقّد إجراءات التوجيه، لكنها في حقيقتها أعمق من ذلك. فالتوجيه الجامعي ليس مجرد ترتيب للرغبات أو مقارنة بين معدلات القبول، وإنما عملية لاتخاذ قرار تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. ويؤكد علم نفس التوجيه أن الاختيار ليس حدثًا عابرًا، بل مهارة تُبنى تدريجيًا من خلال التربية على الاختيار: تعلّم معرفة الذات، واستكشاف الميول والقدرات، وموازنتها بالفرص المتاحة، وتحمل مسؤولية القرار. وحين لا تُبنى هذه المهارة، يميل الإنسان في المواقف المعقدة إلى الاحتماء بالأحكام الجاهزة أو تفويض القرار للآخرين، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل قد يرسم مساره الدراسي والمهني. لذلك ليس مستغربًا أن ينجذب كثير من الناجحين، في الأيامالأولى بعد إعلان النتائج، إلى الآراء القاطعة والوعود السريعة أكثر من انجذابهم إلى التحليل المتأني.
وتتضاعف هذه الهشاشة بفعل عوامل اجتماعية وثقافية لا تزال حاضرة إلى اليوم: اختيارات الأسرة، وتأثير الأصدقاء، وضعف ثقافة التخطيط المبكّر للمستقبل، تجعل كثيرًا من التلاميذ يؤجلون التفكير الجدّي في التوجيه الجامعي إلى ما بعد صدور نتائج الباكالوريا ، فلا يبقى أمامهم سوى أسابيع قليلة لاتخاذ قرار سيمتد أثره سنوات طويلة، في لحظة انتقالية بين المعهد والجامعة يشتد فيها الارتباك وتتزايد الحاجة إلى المرافقة.
ثانيًا: مفارقة العصر، وفرة المعلومة وندرة القدرة على الاختيار
انتقلت المشكلة إذن من سؤال الوصول إلى المعلومة إلى سؤال حسن الاختيار. ففي التجربة التونسية، وخلال العقود الأخيرة، كان دليل التوجيه الجامعي المرجع الأول، وظلت مصادر الاستشارة محدودة. أما اليوم فقد انقلب المشهد: صار التحدي الأكبر هو الإفلات من فائض المعلومة لا البحث عنها، فهي تلاحق المترشح أينما اتجه، عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل ومقاطع الفيديو وأدوات الذكاء الاصطناعي، والتجارب الشخصية التي تُقدَّم أحيانًا وكأنها قواعد عامة.
وقد يبدو هذا التحول مكسبًا لا جدال فيه، لأنه وسّع إمكانات الوصول إلى المعرفة، لكنه كشف في الوقت نفسه عن مفارقة جديدة: وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة حسن الاختيار. فكلما تعددت الخيارات وتزاحمت الآراء، ازدادت الحاجة إلى القدرة على الفرز وربط المعطيات بخصوصية كل مترشح، وهي مهارة لا توفرها التكنولوجيا في حد ذاتها.
ويرتبط ذلك بتحول أعمق في مصادر التأثير داخل المجتمع الرقمي. ففي زمن الندرة، كانت المعرفة تستمد مشروعيتها أساسًا من المؤسسات العلمية والتربوية، أما اليوم فقد أصبح الانتشار نفسه يمنح المحتوى سلطة قد تسبق التحقق من خبرة صاحبه أو كفاءته. فعدد المتابعين وسرعة الانتشار لا يكفيان لإثبات الكفاءة، لكنهما قد يمنحان صاحبهما سلطة رمزية تؤثر في قرارات آلاف المترشحين.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين من يقدّم معلومات دقيقة، ومن يخلط بين الوقائع والانطباعات، وبين من يمتلك الكفاءة التربوية لمساعدة المترشح على بناء قراره؛ فحتى المعلومة الدقيقة لا تكفي وحدها لإنتاج اختيار صحيح، لأن الاختيار عملية تربوية قبل أن يكون عملية إعلامية.ثالثًا: حين تهيمن الدعاية على حساب التربية على الاختيارفي هذا السياق، لم تعد المنافسة بين مصادر مختلفة للمعلومة فحسب، وإنما بين منطقين مختلفين في بناء القرار. فمن جهة، تقوم التربية على الاختيار على معرفة الذات والتفكير المتأني وتحمل مسؤولية القرار بعد موازنة الإمكانات والفرص. ومن جهة أخرى، يقوم الخطاب الترويجي على المنطق المعاكس: الوعود السريعة، والأحكام الجاهزة، وتقديم التجارب الفردية وكأنها تصلح للجميع.
ولذلك لا يكمن الخطر الحقيقي في وجود معلومات غير دقيقة فحسب، وإنما في اعتياد المترشح البحث عن إجابات جاهزة بدل أن يتعلم كيف يبني اختياره بنفسه. فكلما اشتد القلق، ازداد الإغراء بالحلول السهلة، بينما يحتاج الاختيار الرشيد إلى وقت للتفكير، وإلى معرفة بالذات، وإلى مرافقة مهنية تساعد على قراءة المعطيات في سياقها.
ويتضح عندئذٍ الفرق الجوهري بين الإعلام والتوجيه: فالإعلام يقتصر على توفير المعلومة، من الشعب المفتوحة وشروط القبول ومعدلات السنوات السابقة، أما التوجيه فيساعد التلميذ على تحويل هذه المعلومات إلى قرار يناسبه. ولذلك، فإن سؤال: «أيّ هذه المسارات يناسبني أنا؟» لا تجيب عنه قاعدة بيانات، ولا مقطع فيديو، ولا تجربة طالب آخر، بل يستفيد من حوار تربوي يساعد المترشح على وضع المعلومات في سياقها، وقراءتها في ضوء شخصيته وقدراته وظروفه، والتمييز بين المعرفة الموثوقة والخطاب الترويجي.
رابعًا: من وفرة المعلومة إلى أخطاء الاختيار
ولعل أوضح تجليات هذه المفارقة ما يتكرر كل سنة من أخطاء في بناء الاختيارات الجامعية. فمن المترشحين من يتعامل مع مجموع نقاط “آخر موجَّه” في السنة السابقة وكأنه حاجز لا يمكن تجاوزه، فيحرم نفسه من طلب اختصاص كان في متناول معدله. ومنهم من يعتقد أن ترتيب الرغبات يمنحه أفضلية في القبول، أو يغفل الامتيازات التي يوفرها التنفيل الجغرافي، أو يخلط بين اختصاصات متقاربة في الاسم مختلفة في المحتوى، أو يبني اختياراته على ما يُتداول حول “الشعب الأكثر تشغيلًا” و”الاختصاصات المضمونة”، دون التثبت من واقعها أو من انسجامها مع قدراته وميوله.
ولا تعكس هذه الأخطاء نقصًا في ذكاء التلاميذ أو اجتهادهم، بقدر ما تعكس هشاشة اللحظة التي يُتخذ فيها القرار، وما يحيط بها من معلومات متضاربة وضغط نفسي واستعجال. فحين لا يجد المترشح من يساعده على قراءة هذه المعطيات في سياقها، قد تتحول معلومة غير دقيقة، أو تجربة فردية، أو خطاب ترويجي، إلى اختيار يؤثر في مساره الدراسي والمهني لسنوات طويلة.خامسًا: الذكاء الاصطناعي… حين تزداد الحاجة إلى المرافقة الإنسانية
إذا كانت المنصات الرقمية قد ضاعفت حجم المعلومات المتاحة، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي مرشحة لأن تضاعفها مرة أخرى. ففي ثوانٍ معدودة، أصبح بإمكان المترشح أن يحصل على مقارنات بين الاختصاصات، وتحليلات لمعدلات القبول، واقتراحات لمسارات دراسية، بل وحتى إجابات تبدو شخصية ومقنعة.
غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يلغي المشكلة التي يناقشها هذا المقال، وإنما يعيد طرحها في مستوى جديد. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات وينظمها ويقترح بدائل متعددة، لكنه لا يستطيع أن يحسم السؤال الأكثر خصوصية: أيّ هذه المسارات يناسب هذا المترشح بالذات؟ فهذا القرار لا يُبنى على المعطيات وحدها، بل على معرفة الذات، وفهم الظروف الشخصية، وتحمل مسؤولية الاختيار.
وهذا ما يجعل وظيفة الإعلام والتوجيه مرشحة للتطور لا للتراجع. فإذا كان توفير المعلومة وتفسيرها يمثلان أحد الأبعاد الأساسية لعمل مستشار الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، فإن قيمتها اليوم، وفي المستقبل أكثر من أي وقت مضى، تتجلى في مرافقة التلميذ أثناء بناء قراره، وتنمية قدرته على الاختيار الواعي في عالم تتزايد فيه المعلومات بوتيرة أسرع من القدرة على فرزها واستيعابها.
فالمفارقة الحقيقية إذن ليست في تغيّر وظيفة المستشار، وإنما في تزايد الحاجة إلى أبعادها التربوية والإنسانية؛ ذلك أن التكنولوجيا، مهما وفّرت من معلومات، تبقى عاجزة عن أن تحل محل العلاقة التربوية القائمة على الإنصات، والحوار، وفهم خصوصية كل متعلم، ومرافقته في بناء قرار يتحمل مسؤوليته.
لكن الاستجابة لهذا التحدي لا يمكن أن تقوم على مستشار الإعلام والتوجيه وحده، ولا أن تظل حكرًا على المؤسسة التعليمية. فالتربية على حسن الاختيار مسؤولية مجتمعية تتقاسمها الأسرة، والمؤسسات التربوية، ووسائل الإعلام، والمنصات الرقمية، وسائر الفاعلين المعنيين بمرافقة الشباب. وفي هذا الإطار، تظل المؤسسة التعليمية الحلقة المركزية بحكم رسالتها التربوية، ويكتسي دور الأستاذ المكلّف بالإعلام والتوجيه بالمعاهد أهمية خاصة باعتباره حلقة وصل بين المستشار والتلاميذ، بما يساهم في تقريب خدمات الإعلام والتوجيه، ومتابعة المتعلمين في مرحلة الاختيار، وتعزيز ثقافة التربية على حسن الاختيار.ومن ثم، فإن تطوير خدمات الإعلام والتوجيه، وتنمية كفايات مختلف الفاعلين التربويين في مجال المرافقة والتربية على الاختيار، يمثل استثمارًا في قدرة المتعلم على اتخاذ القرار في عصر تتسارع فيه وتيرة المعلومات.
خلاصة: حسن الاختيار… الكفاية التي لا تعوّضها التكنولوجيا
ما يكشفه هذا المسار من الملاحظة الميدانية، عبر ثلاثين سنة من مرافقة الناجحين الجدد، هو أن جوهر الأزمة لم يتغيّر بقدر ما تغيّر موضعها. فقد انتقل مركز الصعوبة من “الحصول على المعلومة” إلى “تحويل المعلومة إلى قرار”، وهذا انتقال نوعي لا كمي: فبينما كانت ندرة المعطيات تُنتج حيرة قابلة للحل بمزيد من البحث، فإن وفرتها اليوم تُنتج حيرة لا يحلها إلا الفرز والتمييز، وهما مهارتان لا تمنحهما التكنولوجيا بذاتها مهما تطورت أدواتها.
من هذه الزاوية، لا يُقاس نجاح أي أداة رقمية أو ذكاء اصطناعي بكمية ما تقترحه من مسارات أو مقارنات، بل بقدرتها على أن تُفسح المجال لسؤال لا تستطيع هي أن تجيب عنه: من أنا، وماذا يناسبني؟ وهذا يُبقي العلاقة التربوية القائمة على الإصغاء والحوار الفردي في موقع لا تُزاحمه فيه الخوارزميات، لا لأنها متخلفة عن العصر، بل لأن طبيعة السؤال نفسه إنسانية لا معلوماتية.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة المحتوى التوجيهي، بل في بناء كفاية “حسن الاختيار” لدى المتعلم ذاته، بوصفها استثمارًا يسبق لحظة الحيرة ولا ينتظرها. فكل تقدم تقني لا يواكبه استثمار مواز في بناء هذه الكفاية الإنسانية لن يحل أزمة القرار، بل سيكتفي بتبديل شكلها.

منبـ ... نار
المهدية والذاكرة والمواطنة… تأملات، انطلاقًا من ندوة “المهدية وَجِهَتُها عبر العصور”
نشرت
قبل 4 أشهرفي
24 مايو 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. مصطفى الشيخ الزوالي:
بين 16 و17 ماي 2026، احتضنت مدينة المهدية ندوةً علمية حول «المهدية وجهتها عبر العصور: العمارة، واستغلال المجال، وتحولات المشهد الحضري»، وذلك بفضاء متحف دار البحار، في إطار اختتام شهر التراث تحت شعار «التراث وفن العمارة».

وقد انتظمت هذه التظاهرة بمبادرة من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، بالشراكة مع المعهد الوطني للتراث، ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، وعدد من الجمعيات المعنية بالتراث والذاكرة المتوسطية.
غير أنّ القيمة الأعمق للندوة تمثّلت في ذلك الإحساس بأن المهدية كانت، طوال يومين، تستعيد حقّها في أن تُروى؛ لا كمدينةٍ تُزار، بل كذاكرةٍ حيّة تتداخل فيها طبقات التاريخ والعمران والبحر والثقافة.
أشغال الندوة: المهدية من زوايا متعددة… وحكاية مدينة عبر العصور
توزّعت المداخلات على محاور متعددة، غير أنها جميعها نُسجت على خيط ناظم واحد: العلاقة العضوية بين المكان والذاكرة والهوية. تناول أحمد قضوم مساهمة الموارد الساحلية في تشييد المنشآت البحرية عبر التاريخ، وقدّمت منال الخذيري قراءةً في البنية الجيومورفولوجية للمهدية ومنطقتها. واستجلى عماد الجربي سياقات تأسيس برج خديجة ومنارة بطرية، فيما أبرز محمد حسن طبيعة العلاقة التي جمعت المهدية وصقلية في العصر الوسيط. وقدّمت سلمى حمزة مقاربة حول المهدية بوصفها «مدينة مزدوجة»، قبل أن يتناول رياض المرابط مصادر إلهام العمارة الإسلامية متخذًا من المهدية نموذجًا تحليليًا، ويكشف علي العجمي تجلياتها الفنية والعقدية، حيث الجمال ليس زينةً طارئة بل تعبير عن رؤية كونية متكاملة.
وأضاءت مداخلة عاطف سالم حضور الجاليات الأوروبية بين القرنين التاسع عشر والعشرين، في حين عاد سفيان بن موسى إلى ما قبل التاريخ المكتوب مستعرضًا الاستيطان البشري الأول في المنطقة. وكشف الحبيب بن يونس كيف أن الموتى أيضًا جزء من نسيج ذاكرة المدينة من خلال قراءته للعمارة الجنائزية البونية، فيما أضاء جهاد الصويد جانبًا مجهولاً من تاريخ منزل قديد، وحدّد ياسين الأكحل معالم الحضور الإسلامي في المهدية في العصر الوسيط الأول.
وكانت من أكثر المداخلات إثارةً للتأمل، بل هي الدافع المباشر لكتابة هذا المقال، تلك التي قدّمها أحمد الباهي في دراسته الطوبونيمية «للمهدية عدة أسماء»، إذ بيّن أن الأسماء آثار مكثفة للتاريخ، تختزن تعاقب الحضارات وتحولات السلطة وتقلّب صور المجتمع عن نفسه. فحين تمتلك مدينة أسماء متعددة فإنها تمتلك في العمق طبقات متعددة من الذاكرة والهوية. والمهدية في هذا السياق نموذج استثنائي، إذ تتصدر المدن التونسية بل المغاربية في عدد تسمياتها متقدمةً على القيروان وتونس نفسيهما، وهو ما يجعل دراستها الطوبونيمية مدخلاً متميزًا لفهم تحولات المنطقة عبر العصور.
وتكشف هذه الدراسة عن ثراء لافت في تسميات المدينة؛ إذ لم تكن هذه الأسماء مجرد تعيينات جغرافية، بل كانت في كل مرة مرايا للسلطة التي أطلقتها وللرؤية التي حملتها. فبينما احتفت المصادر الفاطمية بالمدينة بوصفها مركز الخلافة ومنبع الشرعية فأسبغت عليها ألقابًا من قبيل «المرضيّة» و«الحضرة العالية» و«دار الملك» و«البيضاء»، نزعت المصادر المالكية نحو التسمية التقريرية فأطلقت عليها «مدينة عبيد الله» و«مدينة السلطان»، بل لم تتحرّج من وسمها بـ«المهدومة» تعبيرًا عن تحوّلاتها البنيوية، وبـ«المردية» في إشارة إلى ما نُسب إليها من خروج عن الإسلام في نظر خصومها العقديين. وهنا لا تعود التسمية أداة تعريف بالمكان، بل تتحول إلى فضاء للصراع على المعنى، تُمارَس فيه السلطة الرمزية عبر اللغة، وتُرسم من خلاله الحدود بين الشرعية والانحراف، وبين الانتماء والإقصاء.
أما المصادر الإباضية فقد اختارت «القاسمية» نسبة إلى القائم بأمر الله، في حين آثرت المصادر الموحدية ربط المدينة بسلالتها التأسيسية عبر «مهدية بني عبيد» و«مدينة العبيدي». وظلّت المصادر الأوروبية وفيّة للبعد الجغرافي الأوسع، فواصلت إطلاق «إفريقية» أو «Africa» على المدينة ومنطقتها، شاهدةً على مكانتها الاستراتيجية والرمزية في الفضاء المتوسطي.
وهذا الصراع على التسمية ليس خاصيةً تاريخية غابرة؛ فقد كشفت محاور الندوة الأخرى أن المدينة تواصل حضورها في الوعي الجماعي عبر مسالك متعددة، لا تقل عن التسمية في قدرتها على استعادة الذاكرة وإعادة إنتاجها. ففي المحور الإبداعي والتثميني، تناولت عواطف منصور الحدود بين توثيق التراث المعماري والخلق الفني، وأهدى محمد الدلاّل الحضور نصوصًا إبداعية من وحي المدينة. وقدّمت ليلى بوبكر مقاربة مندمجة لإعادة تثمين «المدينة الفاطمية»، بينما جمع المولدي فروج بين الأدب والأنثروبولوجيا في مداخلة جعلت الذاكرة الشفهية امتدادًا للذاكرة المعمارية.
وقد بدا جليًا من خلال هذا التنوع أن المدينة حصيلة تراكب طويل بين الطبيعة والتاريخ والسلطة والثقافة والذاكرة الجماعية، لا يمكن اختزالها في بعدها العمراني أو الجغرافي وحده.
من الطوبونيميا إلى المواطنة: حين تصنع الأسماء الانتماء
وقد فتحت مداخلة الأستاذ الباهي أمامي أفقًا تأمليًا يتجاوز حدود الطوبونيميا التاريخية إلى أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والانتماء وعلاقة الإنسان بالمكان الذي يحمل اسمه. ومن هنا بالذات بدأت تتشكّل لديّ ملاحظة أراها جديرة بالنقاش التربوي والثقافي: كيف يمكن لأجيال كاملة أن تبني علاقة حية مع وطنها إذا كانت تعرف أحيانًا تاريخ إمبراطوريات بعيدة أكثر مما تعرف تاريخ مدنها وأحيائها وجهاتها؟ فبرامج التاريخ المدرسية، رغم أهميتها في بناء سردية وطنية جامعة، ما تزال تُدار ، في الغالب، بمنطق مركزي يُقصي الذاكرة المحلية أو يجعلها هامشًا ثانويًا، والحال أن المواطنة لا تُبنى فقط عبر القصص الوطنية الكبرى، بل أيضًا عبر شعور الفرد بأن المكان الذي نشأ فيه حاضر داخل السردية الجماعية للبلاد. فالطفل الذي يكتشف أن مدينته كانت ميناءً متوسطيًا مؤثرًا، أو فضاءً لعبور الحضارات، أو موطنًا لتحولات عمرانية وثقافية معقدة، لن ينظر إلى محيطه باعتباره مجرد فضاء يومي عادي، بل سيبدأ في بناء علاقة مختلفة مع المكان، علاقة قوامها المعنى والانتماء والمسؤولية.
وقد روى صديقي المنصف الخميري كيف قضى طفولته بمدرسة ميتول (Muthul) التي تأسست على أنقاض محطة سكة حديدية كان المستعمر الفرنسي يستعملها لنقل الرصاص من مناجم الطويرف، وهو اسم ظلّ مجهول الدلالة لديه لعقود، إلى أن اكتشف بعد نصف قرن في مجلة تونسية قديمة أنه يحيل إلى ساحة معركة انتصر فيها الرومان بقيادة Metellus على جيش يوغرطة سنة 111 قبل الميلاد. ورغم مجاورة مدرسته لموقعي شمتو وبلاريجيا الأثريين، لم يشرح له أحد هذه الطبقات التاريخية، وكأن المدرسة كانت تعبر فوق محيط التلميذ بدل أن تجعله مدخلاً إلى التاريخ والانتماء. وقد خلص الخميري إلى أن المفاهيم النظرية الكبرى تُبنى في أذهان الطفولة من خلال مشاريع ميدانية بسيطة، وهو ما يقتضي تمكين التلاميذ من اكتشاف خصوصيات محيطهم المباشر، تعزيزًا لشعورهم بالانتماء (المنصف الخميري، «بعض آخر من قصص الطفولة المدرسية»، جلنار، 31 جانفي 2022).
فضلاً عن ذلك، فإن من شأن مثل هذا التوجه ، إن أخذ به في إصلاح تربوي قادم، أن يعالج ظاهرة باتت واضحة ومقلقة، وهي الملل المتنامي والعزوف عن المعرفة المدرسية. إذ حين يرى التلميذ تاريخه وَجِهته ومجاله داخل ما يتعلمه، تتحول المعرفة من علاقة أداتية باردة لا تتجاوز الإعداد للامتحانات، إلى صلة انخراط حقيقية تغذّي الفضول وتُعمّق الانتماء.
ولا يعني هذا الدعوة إلى تفكيك السردية الوطنية المشتركة أو استبدالها بسرديات جهوية متنافرة، بل المقصود توسيع معنى التاريخ الوطني نفسه ليغدو قادرًا على استيعاب التنوع المحلي في داخله. فالوطن لا يعيش في العاصمة وحدها، ولا تُختزل ذاكرته في الأحداث السياسية الكبرى فقط، بل يتشكّل أيضًا من ذاكرة المدن الصغيرة، ومن تفاصيل العمران، ومن أسماء الأماكن، ومن القصص التي بقيت طويلاً خارج الكتب المدرسية.
الذاكرة، الاعتراف، والمواطنة: مثال من فرنسا
ولعل بعض التجارب العالمية تكشف بجلاء كيف يمكن لاستعادة الذاكرة المنسية أن تتحول إلى فعل اعترافٍ سياسي وأخلاقي. فعقب عرض فيلم Indigènes للمخرج رشيد بوشارب، عاد إلى الواجهة في فرنسا النقاش حول ما يقارب 233 ألف جندي من بلدان المغرب العربي، الجزائر والمغرب وتونس، جُنِّدوا عام 1943 للمشاركة في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني. قُتل الآلاف منهم، وعاش كثيرون بعد الحرب على هامش الاعتراف، فيما جُمِّدت معاشاتهم التقاعدية لعقود طويلة عقب استقلال بلدانهم. ولم يكن أثر الفيلم رمزيًا فحسب، إذ أسهم في إعادة فتح هذا الملف داخل الفضاء العام الفرنسي، مما دفع السلطات إلى مراجعة تلك المعاشات وإعادة صرفها.
وتكشف هذه الحادثة أن الذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا أو حنينًا إلى الماضي، بل قد تتحول إلى قضية عدالة واعتراف ومواطنة. ومن هنا برزت داخل فرنسا نفسها أصوات أكاديمية وتربوية نادت بإدراج هذه الصفحات ضمن البرامج التعليمية، ليس فقط لتصحيح السردية التاريخية، بل لأن بناء الانتماء المشترك يقتضي أن يشعر أبناء المهاجرين وامتداداتهم الثقافية بأن تاريخهم حاضر داخل الذاكرة الوطنية لا خارجها. فالمواطنة تصبح أكثر هشاشة حين يشعر جزء من المجتمع أن تضحيات أسلافه غير مرئية، وأن قصته الجماعية لا تجد مكانًا داخل الرواية الرسمية للأمة.
خاتمة: من توثيق المباني إلى حماية الذاكرة
لهذا كله خرجتُ من ندوة المهدية بانطباع يتجاوز حدود الحدث العلمي ذاته. فالقضية ليست فقط صون المباني القديمة وتوثيق المعالم التاريخية ، رغم أهمية ذلك طبعا، بل تتعلق أيضًا بحماية الذاكرة من الاختزال والنسيان. لا يمكن بناء مواطنة متوازنة إذا شعر الناس أن تاريخهم المحلي غير مرئي، وأن أمكنتهم لا تظهر إلا في الهوامش.
وربما يكون من الضروري اليوم أن نعيد التفكير في الطريقة التي نكتب بها التاريخ المدرسي: تاريخٌ يحافظ على المشترك الوطني نعم، لكنه يفسح في الوقت ذاته مكانًا للتنوع، وللذاكرات المحلية، وللأصوات التي بقيت طويلاً خارج السردية الرسمية. فكما يحتاج المواطن إلى قصص مشتركة توحّده، يحتاج أيضًا إلى أن يرى نفسه، ومجاله، وذاكرته، داخل تلك القصص لا على هامشها.
وفي ختام أشغال الندوة، وفي سياق مأسسة هذا الحدث العلمي الذي سبق أن انعقد في صورة أولى سنة 2016، رفع المشاركون جملةً من التوصيات تعكس طموحًا حقيقيًا في تحويل هذا اللقاء من مبادرة متقطعة إلى تقليد علمي راسخ، إذ أوصوا بجعل الندوة موعدًا دوريًا يُعقد كل سنة أو سنتين، وبتأسيس لجنة علمية قارة تضمن الاستمرارية والتراكم المعرفي، والعمل على تأمين التمويل اللازم لما سيتأسس ملتقىً دوريًا متخصصًا.

منبـ ... نار
لنُشعِلْ شمعة الإنصات: كلنا مسؤولون لتحصين المدرسة من العنف
نشرت
قبل 8 أشهرفي
12 فبراير 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. مصطفى الشيخ الزوالي

“خيرٌ لك أن تُشعل شمعة، من أن تلعن الظلام”؛ في هذا السياق، شهدت الأكاديمية الدبلوماسية بالعاصمة تونس، يومي 3 و4 فيفري 2026، انعقاد الندوة الوطنية لإطلاق “الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف”. وهي خطوة استراتيجية انتظمت تحت إشراف وزارة التربية وبمشاركة وازنة لممثلين عن 13 وزارة وهياكل وطنية، وبدعم من منظمة اليونيسيف. ورغم مناخ التذمر العام وحالة “الانتظارية” التي تُخيم على المشهد الاجتماعي العام، يظل الرهان معقوداً على وعينا الجماعي بضرورة الكف عن “لعن الظلام”. إن البديل الحقيقي يكمن في اجتراح “سياسة الانتصارات الصغيرة” عبر مساهمات ميدانية ملموسة، عوض الارتهان لانتظار حلول كبرى قد يطول أمدها.
الهدف هو تجديد تربوي حقيقي، يستند إلى جذور في التاريخ ويتجه نحو التحدّي، مع التزام عملي بالمسؤولية الأخلاقية: «هنا والآن»، كما يعبّر عنه شعار الخطّة: “كلنا مسؤولون”.
ولعل التجلي الأبرز لعمق هذا الرهان هي تلك المشاركة النوعية للتلاميذ؛ وهي سُنّة حميدة يجب تثمينها ومأسستها، فالتلميذ هو صاحب الحق الأول والمعنيّ المباشر بكل مسارات الإصلاح. لقد حضرت تلميذتان من المعهد النموذجي بنابل ثلاث ساعات كاملة من النقاش الحماسي والمتوقد داخل إحدى الورشات التي كنت مُيسّرها. ولم يكن وجودهما مجرد حضورٍ بروتوكولي، بل بلورت إحداهما جوهر المسألة في صرخةٍ مدوية وجّهتها للحاضرين: “أنصِتوا إلينا.. ثم أنصتوا.. ثم أنصتوا…”
فيما حرصت التلميذة الثانية، حين تعذر حضورها في اليوم التالي، على تكرار نفس المطالبة الجوهرية عبر رسالة تضمنت قراءتها لواقع المدرسة والمربين، محمّلةً إياي أمانة تبليغ صوتها إلى المسؤولين وعلى رأسهم السيد وزير التربية.. إن هذا “الإنصات” يبقى هو المقاربة الحقيقية التي تفتقدها مدارسنا؛ فالعنف المدرسي ليس قدراً حتمياً، بل هو نتاج طبيعي لغياب “الاحتضان”. وكما يقول المثل الإفريقي العميق: “الطفل الذي لا يجد من يحتضنه، سيحرق القرية لكي يشعر بالدفء” [1]
أرقام تدق ناقوس الخطر: نحو “أنسنة” الفضاء المدرسي
إن الحاجة لإيقاد شمعة الإنصات تفرضها لغة الأرقام الصادمة التي كشفت عنها الدراسة الميدانية؛ التي تم عرضها خلال الندوة، فحين يشير التشخيص إلى أن المعدل العام لتعرض التلاميذ للعنف الجسدي بلغ 28.4%، وأن 61.4% منهم يعانون من السخرية أو الإهانة، فنحن أمام حقيقة تؤكد ما وصفته تلميذة السنة الثالثة ثانوي في رسالتها بـ “عصر مادي يفتقر للتعاطف“. إن وقوع 57% من حالات العنف داخل أسوار المؤسسة التربوية، ليس إلا وجهاً من وجوه المدرسة المشحونة بالأجواء المتوترة التي يغيب عنها الدفء الإنساني.
هذه الأرقام تضعنا أمام ضرورة تجاوز الحلول الزجرية نحو “أنسنة الفضاء المدرسي”؛ فالمدرسة التي تتحول إلى فضاء طارد يفتقر للتفهم، تدفع التلميذ للبحث عن كيانه عبر العنف. الرهان اليوم هو الانتقال من منطق “التسلط باسم التربية” إلى “السلطة التربوية” القائمة على الاحتضان والحوار؛ فالمؤسسة لا تحصنها الأسوار، بل يحصنها شعور التلميذ بأنه “أثمن الأشياء“ في قلب العملية التربوية”، وهي القيمة الجوهرية التي دافعت عنها التلميذة في مراسلتها للمسؤولين.
مدرسة خارج الزمن: التقادم البيداغوجي واغتراب المتعلّم في العصر الرقمي تصطدم حاجتنا للإصغاء بمدونة تربوية تعاني “اغتراباً زمنياً” حاداً؛ فأغلب الكتب المدرسية المعتمدة حالياً، والتي صدرت طبعاتها الرسمية بين عامي 2003 و2005، لا تزال رهينة نصوص وتصورات تعود في أصولها إلى حقب أقدم بكثير من تاريخ صدورها. وهنا يبرز تحذير بيان اليونسكو 2023 الذي أشار إلى أن“الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”. [2]
بمنطق لافوازييه: “لا شيء يفنى، ولا شيء يُستحدث، بل كل شيء يتحول”، (Rien ne se perd, rien ne se crée, tout se transforme) فإن طاقة التلميذ لا تتبخر بل تتحول إلى عنف حين تصطدم بوساطة بيداغوجية متقادمة. فمن المفارقات أن نطلب الاحتضان من “مواطن رقمي“، يعيش في عام 2026بينما يقدّم له كتاب الجغرافيا للثامنة أساسي، طبعة 2003المعتمدة حاليا، الصين كدولة نامية، في حين يراها هو عملاقاً يغزو العالم! إن المتعلم اليوم يواجه ‘عتبة تقادم بيداغوجي مزدوجة’ تجمعه بكتاب مدرسي متجاوز ونصوص تعود في أصولها إلى حقب ما قبل الثورة الرقمية. هذا الاغتراب الزمني يطرد المتعلم قسراً من منطقة التعلم النشط ويضعه في قطيعة معرفية ومجتمعية مع مؤسسته. [3]
من “المأسسة الشكلية” إلى “المأسسة الاجتماعية“
لا تكمن المعضلة في غياب الأطر المرجعية؛ فبالعودة إلى “القانون التوجيهي” (2002) و”الأمر المنظم للحياة المدرسية” (2004)، نجد نصوصاً جعلت التلميذ محور العملية التربوية. ورغم وجاهتها، إلا أنها بقيت رهينة “المأسسة الشكلية”، وتعثر تحويلها إلى “مأسسة اجتماعية“ تتغلغل في “الهابيتوس” (Habitus) المهني اليومي. الحاجة اليوم ليست في تشريعات جديدة، بل في تفعيل وتطوير المرجعية لتحرير القوانين من الرفوف البيروقراطية وتحويلها إلى سلوك يومي.
مكاتب الإصغاء والإرشاد: نحو مأسسة العمل التشاركي المتعدد الاختصاصات [4]
كان محور مداخلتنا في الندوة هو العمل التشاركي حول مكاتب الإصغاء والإرشاد، مستنداً إلى تجربتنا المهنية كمستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي (من 1998 إلى 2014 على المستوى الميداني).
لقد عايشنا نجاعة هذه المكاتب في تقديم الدعم المبكر، رغم حيّزها الميداني المحدود وغياب السند التحفيزي الكافي؛ حيث لم يتجاوز عددها 108 مكتباً سنة 1999، ليتطور تدريجياً ويصل إلى 183 مكتباً سنة 2001. ومع ذلك، فقد استطاعت هذه التجربة أن تشكل حجر الزاوية لديناميةٍ متعددة الاختصاصات، صهرت جهود المستشار والطبيب المدرسي والأخصائي الاجتماعي في بوصلة واحدة. وقد تدعمت هذه النواة الهيكلية بتجربة ‘مجموعات الحوار الإقليمية(2001- 2006 ). وبالنسبة إلينا، كانت هذه المحطات مختبراً ميدانياً تعلمنا منه آليات تحليل الممارسات المهنية’ والكتابة حولها؛ مما أتاح لنا تحويل الخبرة اليومية إلى تراكم معرفي يخدم الإصلاح التربوي. لقد مكنت هذه الدينامية من ترسيخ ‘إحالة متبادلة’ ناجعة، حمت الكثير من التلاميذ من الانزلاق نحو العنف أو الفشل الدراسي.
مقترح عملي: مأسسة مبادرات الإصغاء المسبق
تفرضُ الخبرة المتراكمة اليوم ضرورةَ تحويل «الإصغاء المسبق» من ممارسةٍ اختيارية إلى إجراءٍ مؤسساتي قار. والغاية أن يعمل هذا الإجراء صمّامَ أمانٍ تربويًا، فلا يُفتح ملفّ التلميذ أمام مجلس التربية إلا بعد استنفاد مسارات الإسناد النفسي والاجتماعي الموثّقة بتقرير مختص. فالمقصود نقل الإصغاء من «فعلٍ تطوّعي» إلى مسارٍ قانوني منظّم يتيح فهم الدوافع السلوكية قبل ترتيب الجزاءات. غير أنّ ترسيخ ثقافة الإصغاء لا يُلغي الحاجة إلى الانضباط، بل يُعيد تأطيرها على قاعدة الفهم والإنصاف؛ إذ إنّ التحصين الحقيقي لا يتأتّى بالانغلاق أو بالاكتفاء بإجراءات زجرية، ولا بممارسة التسلّط باسم التربية، وإنما بجعل الإصغاء كفايةً مهنية ومؤسساتية تُذيب الجليد بين الأجيال داخل فضاءٍ تربوي يحتاج إلى التفهّم بقدر حاجته إلى قواعد واضحة تضبط السلوك وتضمن مناخًا تعلّميًا آمنًا.
ختاماً، لن يجدي نفعاً الاستمرار في لعن سنوات الخطط المعطلة. المسؤولية اليوم جماعية أفقية وتشاركية. لنبدأْ بإنصات حقيقي لصغارنا، ولنجعلْ من هذه الخطة بداية زمن “الفعل الميداني” الذي يحوّل المؤسسة التربوية إلى حصن منيع بالإنسانية، لا ساحة للانتظار أو التذمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
[1] كانت صرخة التلميذة الأولى ورسالة التلميذة الثانية (من السنة الثالثة ثانوية بالمعهد النموذجي بنابل) هما القادح الأساسي لكتابة هذه السطور؛ حيث يهدف هذا المقال إلى استكمال تبليغ صوتيهما إلى فضاء الرأي العام. كما تناولتُ هذه الرسالة أيضا في الحوار الإذاعي يوم 5 فيفري 2026 والذي يمكن متابعته عبر هذا الرابط:”https://youtu.be/l5nOShz-C4s
[2] اليونسكو(2023): “الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”، تقرير الرصد العالمي للتعليم (GEM)، بيان صحفي صادر بتاريخ 15 ديسمبر 2016 (وآخر تحيين: أفريل 2023). https://www.unesco.org/en/articles/out-date-textbooks-put-sustainable-development-risk?
[3] يتجلّى أثر هذا التقادم بوضوح في تمثيل التكنولوجيا والواقع المهني داخل الكتب المعتمدة؛ كقصيدة الراديو، وجهاز الفاكس (نص ص170 من “مسالك القراءة”، السنة الخامسة، يعود أصله إلى 1993)، ومهن آيلة للاندثار كـ “الساعاتي” (نص ص13 من “مسالك القراءة”، يعود أصله إلى 1983).
[4] إن المراوحة بين مصطلحي الإنصات والإصغاء مقصودة؛ ففي حين نلتزم بلفظ “الإنصات” وفاءً لخطاب التلميذتين، نعتمد “الإصغاء” باعتباره المصطلح التقني المرجعي في الممارسة الميدانية والمؤسساتية.

استطلاع
صن نار
-
اقتصادياقبل 12 ساعةبين هرمز وأوكرانيا: أزمة وقود خانقة… والمواجهة أصبحت أمريكية أوروبية!
-
صن نارقبل 13 ساعةصحيفة عبرية: بالعلاقات أو من دونها… الاستعداد لمصر والأردن كدولتين عدوّتين!
-
صن نارقبل 13 ساعةغزة: في محاولة لاغتيال قيادي من “حماس”… استشهاد 5 فلسطينيين بينهم مسيحيّتان!
-
ثقافياقبل يوم واحدالسليمانية: احتفاء خاص برواية “تارميني” لفتحية الهاشمي
-
صن نارقبل يوم واحدبن غفير: لو جاءتني الفرصة… لن تبقى ضفة غربية، ولا سلطة فلسطينية، ولا فلسطينيون!
-
اجتماعياقبل يوم واحدفرنسا: الاحتجاجات التلمذية تتمدد إلى كامل قطاع التعليم…وحتى خارجه!
-
اجتماعياقبل يومينمن قلبي، أشكركم
-
غير مصنفقبل يومينالقاهرة تستضيف مؤتمر ASHRAE RAL CRC 2026 لبحث مستقبل التبريد المستدام
