تابعنا على

جور نار

الإذاعات إلى أين؟ (ج 4)

نشرت

في

تحدثت في الجزء الثالث من هذا السلسلة عمّا آلت اليه الاذاعات الخاصة بعد جانفي 2011 … فلا مضمونها ارتقى الى اعلام وطني هادف في جلّها ولا اوضاعها المادّية كانت مريحة.

عبد الكريم قطاطة Abdelkrim Ketata
عبد الكريم قطاطة

لذلك لجأت في معظمها الى اعلام البوز طمعا في جلب اكبر عدد من الحرفاء ـ اي المتلقين ، ومن ورائهم اغراء المستثمرين في تعاطيهم وجلبهم مادّيا مع مالكي تلك الاذاعات ..والنتيجة ان لا اعلام البوز حقّق اهدافهم مع المتلقّين الذين قد تقنعهم لفترة ما ولكن ابدا ان يقتنعوا دوما بهذا الاسلوب المتخلّف …لان المتلقي ليس على درجة من الغباء حتى لا يستفيق من غفوة البوز ويرمي بك وباذاعتك الى الزبالة ..ومن جهة اخرى فللمستثمر ايضا ادواته للتحقيق والتمحيص جيّدا في مسيرة ايّة قناة وفي نجاحها …

الان آتي الى ظاهرة اخرى انتشرت منذ جانفي 2011 وهي اذاعات الويب …انتشرت هذه الاذاعات كالفقاعات في خارطة الاعلام …ربّما كانت نتيجة لحرية التعبير التي عاشتها تونس في تلك الفترة …فاصبح كلّ من هبّ ودبّ وبفضل التطور التكنولوجي بامكانه ان تكون له اذاعته …وان يحقّق احلاما يكون فيها فارس المصدح …رغم انّه لم يدرك يوما انّ الجانب المعرفي في دنيا الاعلام هام جدّا لتكون الاحلام شرعية وحتّى لا تصبح اوهاما وسرابا … ان تحلم بان تكون طيّارا هذا شرعي لكن ان تقودطائرة فذلك يحتاج الى علم وتخصّص وهذا ما انتفى عند اغلب اصحاب اذاعات الويب …

و جاءني يوما ما احد الاصدقاء ليعرض عليّ فكرة الاشراف على اذاعة ويب تاطيرا وتكوينا . وقرارا ….تحاورت معه في رؤيتي للمشروع واكدت له على امرين هامين …اوّلهما وهو يطلب رايي في المقابل المادّي الذي ساتقاضاه اعلمته بانّني ساعمل في هذا المشروع دون مقابل مادّي ايمانا منّي بانّي اعتبر المشروع حلما من احلامي ولا اريد جزاء على حلمي. وثانيهما انّ ايّ قرار في هذا المشروع سيكون لي وحدي باعتبار اختصاصي ..واضفت: انا عنيد جدّ افي كل ما يتعلّق بثوابتي وقناعاتي وفي مقدّمتها العمل على اعلام بديل يقطع مع السائد ..لانّ السائد رديء ومتخلّف ولابدّ من مقاومته وعدم السير في تياره ..

وجوبهت شروطي بالموافقة التامة …وانطلقت تجربتي مع راديو الواب ـ راديو اللمة ـ حرصت في البداية على القيام بكاستينغ مرة كلّ 6 اشهر لاكتشاف اصوات جديدة قادرة على الالتزام بثوابتي في راديو اللمة .. في ماهية الاعلام البديل وفي الحرص اوّلا وثانيا وعاشرا على الالتزام باذاعة بديلة من اهمّ ثوابتها القطع مع البوز والدفاع عن رسالة سامية كانت وما تزال من ثوابتي ـ اعلام وطني لا حياد فيه مع الوطن والقطع كلّيا مع من يريد ان نكون صوته مهما كان لونه السياسي ..سنكون صوت الشعب شكلا ومضمونا …وطبعا كانت احلامنا جميعا بعد ان اصبح هذا الحلم هاجس الجميع الانتقال يوما ما الى اذاعة على الـ “اف ام” ..

كان في تقديري يوم الاعلان الرسمي عن مولد الاذاعة بقاعة الافراح الكبرى بصفاقس انّ فترة الانتقال الى الـ “اف ام” لن تكون قبل سنتين ..وواصلت عمليّة احتضاني لعصافيري في راديو اللمة بكلّ جدّية وقساوة احيانا ولكن بكلّ حبّ ايضا ..وكنت اردّد دوما على مسامعهم اريدكم ان تكونوا اجمل وارقى من السائد …وهذا هو هدفي من اذاعة راديو اللمة …وانطلقت معهم في عمل كم هو مضن ..كنت اخصّص يوميا لاحاطتي بعصافيري براديو اللمة اكثر من 14 ساعة …كنت الاستاذ والصديق والاب والحبيب لهم ..وكانوا في جلّهم مشتركين معي في الحلم قولا وفعلا …وبعد انقضاء السنتين بدأت بعض الاصوات تنادي بـ “ايّة وقتاش الأف ام ؟” _

وكنت موقنا في داخلي بانّ وقت “الأف ام” لم يحن بعد لسببين اوّلهما انّ الاخبار التي تصلني من بعض الاصدقاء من الهايكا تقول ان لا نيّة للهايكا في اعطاء رخص البث لاذاعات على الأف ام وثانيهما انّ ما وصلت اليه من تكوين لجيل جديد لا يفي كمّا بالعدد المطلوب لاذاعة يتطلب بثها ساعات على امتداد اليوم الواحد، والحال انذاك انّ عدد المنشطين الاكفّاء الذين يمكن التعويل عليهم لا يتجاوز الستة او السبعة افراد ….وللتذكير فقط نحن في راديو اللمة كنا متطوعين باتمّ ما في الكلمة من معاني بل ومن اجل المصاريف الشهرية كالانترنيت والكهرباء كان كلّ واحد منّا يقوم بدفع ما بين 10 و 20 د شهريا كمساهمة منه في هذه المصاريف ..

وكان بعض مستمعينا يساهمون هم ايضا كلّ واحد منهم بما يستطيع ..فالصديق غازي المهيري تطوّع بتمكيننا من مقرّ للاذاعة بقلب مدينة صفاقس دون مقابل بعد ان بدأ المسؤولون عن دار الشباب بالشيحية وهو مقرّنا الاول بمحاولة التدخل في محتوى برامجنا …شكرا غازي المهيري ايقونة كرة الطائرة التونسية ..والبعض الاخر مكّننا باهدائنا مصادح للراديو …وليس لفلان او لفلانة كما ادّعى البعض …اليس كذلك يا فطوم ؟؟؟ ..شكرا مرة اخرى لفطوم من غرونوبل …..وكان نتيجة هذه الجهود المبذولة من لدن الجميع ان حقّق راديو اللمة في ظرف سنتين نتائج باهرة حيث وفي فترة بثه استطعنا لا فقط مزاحمة كلّ الاذاعات التي كان يصل صوتها الى مدينة صفاقس بل تغلّبنا عليها في نسبة الاستماع …وهذا حدث في راديو واب اسمه راديو اللمة …

بداية من السنة الثالثة في عمر راديو اللمة بدات بعض الاصوات تعبّر عن قلقها من وضع راديو اللمة الذي لم ينتقل الى راديو اف ام واصوات اخرى تتذمّر من عبدالكريم الذي وحسب رايهم لم يتطوّر في رؤيته للعمل الاذاعي ..وهو دائما حريص على ثوابته منذ القرن الماضي . وانّه عليه ان يساير الاذاعات الاخرى … حاولت التحاور معهم وتذكيرهم بانّي ومنذ البداية اعلنت عن موقفي من الاعلام السائد واني لن اسير في تياره بل ساقاوم ذلك التيار وبكل اقتناع …وذكرتهم اني ومعهم جميعا ودون استثناء كنت اردّد دوما لا اريد ان اسمع منكم _ علاش ما نعملوش كيف الاذاعات الاخرى _ فكيف لي ان اقبل بقدوة من اذاعات اخرى هي لم ولن تكون يوما ما قدوة ..انا لا ولن اقبل بدعوة اشباه الفنانين واشباه المثقفين واشباه السياسيين في برامج راديو اللمة …هذه في نظري خيانة لرسالتي وخيانة لبلدي ..لانّ في ذلك تبليدا للفكر ونشرا لثقافة التدجين والتهميش ..

هذا كان في بداية اختلافي مع البعض ثمّ اكتشفت في مراحل متقدمة ان هنالك اشياء تُحاك من ورائي …اي اعرفها عندما تقع ..وهذا كان عكس اتفاقي المبدئي الاوّلي مع صاحب الفكرة …ويوم تفطنت للامر وما حيك من ورائي تحاورت معه في الموضوع لم ينكر هذا واعتبر انّ ما قام به مع البعض من جماعة راديو اللمة اصبح شرعيّا بعد 3 سنوات من تجربته معي وانّه اصبح مؤهلا لاخذ بعض القرارات …انذاك ايقنت انّ عقدي المعنوي مع راديو اللمة عليّ بانهائه ..وانهيت تلك التجربة الحزينة .وانسحبت نهائيا .اقول حزينة لانّي اتألّم فقط لاغلبية من شاطروني حلمي وكانت تلك النهاية التعيسة …

واسأل الان اين راديو اللمة ؟ منذ البداية وهنا تظهر النوايا الخبيثة للبعض قرروا تغيير الاسم …دون ان ينتبهوا الى الخطأ الغبي الا وهو التفريط في اسم اصبح “فون دي كومارس” اصلا تجاريا هام ا…واسأل ايضا هل الراديو الذي اخذ مكانه اصبح اف ام ؟؟ راديو الويب الان عموما وللاسف اصبح نوعا من انواع الاحتيال على فئة كبيرة من الحالمين …يعمل اصحاب هذه الراديوات فترة محددة مع اولئك الحالمين ودون مقابل واعدينهم بالترسيم ثمّ وبعد اشهر معيّنة يتخلّون عنهم بحجّة عدم نجاحهم ويجلبون فئة اخرى للعمل وبنفس الوعود وبنفس الكذب وهكذا تسير الامور في جلّ اذاعات الويب …

ويبقى السؤال الاهم ..مالكو هذا الراديوات الويب من وراءهم ؟؟من يضمن لهم المصاريف الشهرية وتكاليف اجهزتهم ؟ القاعدة تقول انّ ايّ مستثمر لا يعطي لوجه الله … اذن من وراء من يقوم يضخ تلك الاموال ؟ وما هي اهدافه من وراء ذلك ؟؟ …و وبكلّ فخر اقول في راديو اللمة لم يكن لدينا مستثمرون كنا نتكفل جميعا بمصاريف الراديو ..وللامانة ايضا اقول انّ هنالك من عبّر عن رغبته في الاستثمار معنا وكنت شاكرا لفضلهم ووعدتهم بانّ ذلك سيكون عند تحوّل راديو اللمة من الويب الى الآف ام …..

ـ يتبع ـ

(الاسبوع المقبل: الجزء الخامس والاخير)

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار