تابعنا على

جور نار

“الإيبيجينيتيك” في خدمة النجاح المدرسي … أو كيف نَكسِر الحتميّات الجينيّة؟

نشرت

في

علم “ما فوق الجينات” أو “علم التخلّق”  (الإيبيجينيتيك) هو حقل علمي ناشئ وهو اليوم بصدد احداث تغييرات جوهرية في عديد المجالات وخاصة في المجال الطبّي الوقائي والعلاجي.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

 وعلى فهمنا لنموّ الطفل ومنسوب ذكائه وحظوظ نجاحه في الوسط المدرسي. علم الجينات يدرُسُ آليّات نقل طِباعنا وخاصيّاتنا جيلا وراء جيل عبر  سلسلة الحمض النووي ADN بينما تتكفّل المسارات ما فوق الجينيّة بوضع علامات على “نظام الاشتغال المركزي” وهو الـ ADN أو على أطرافه لتكون قادرة تماما على إحداث تغييرات في كمية “الوسائل الحيوية” التي تُنتجها الجينات.

عندما نقرأ أن بعض الدراسات العلمية الموثوقة تُقرّ بأن ثلثيْ النتائج المدرسية أو على الأقل الأعداد المتحصّل عليها (حوالي 62 % ) يمكن تفسيرها بواسطة “الإرث الجيني للتلاميذ”  وأن هذه النتيجة مقترنة في نفس الوقت بما توصّل إليه من تأكيد حقيقة علمية أخرى وهي أن تأثير الذكاء على القدرات الدراسية لا يتجاوز 13 % في كل الحالات…فإن السؤال يظلّ مطروحا بحدّة : اذا لم تفز العوامل الوراثية بكامل حصّة التأثير في سلوك الأطفال خاصة وطِباعهم وأمزجتهم وأدائهم المدرسي الخ… تاركة الفرصة لعوامل أخرى لاحقة قادرة على تصويب ما أفسدته “التّركة الجينيّة” ، فما هي هذه الجينات المسؤولة عن “التعديل والتدارك والتصويب” وقهر الوراثي الذي لا نتحكّم فيه ؟ !

 الباحث البريطاني كونراد وادينغتون هو أول من تحدّث عن هذا الحقل العلمي الجديد وأطلق عليه علم ما فوق الجينات سنة 1942 Epigenetics والذي اشتغل ضمنه على “دراسة الآليات التي بواسطتها يتم التفاعل بين الجينات والمحيط لخلق الخاصيات الفيزيولوجية والمورفولوجية للفرد”.

إذن يمكن القول بأنه ليس كل شيء محدّد مُسْبقًا في ضرب من القدريّة المُشلّة للحركة والداعية إلى القبول بالمكتوب  “حمضيا في جيناتنا” ! وهذا في حدّ ذاته كسب تاريخي ثمين للبشرية حسب اعتقادي لأنه يؤسّس لهامش كبير من الحرية والمسؤولية في ذات الوقت تجاه صحّتنا وصحّة أبنائنا وتجاه أدائنا بصورة عامة وأداء أبنائنا في كل المجالات الحياتية.

أفضل تعريف مُقنع وطريف لعلم ما فوق الجينات عثرت عليه لدى الباحث الفرنسي من أصل موريسي جويل دي روناي Joël de Rosnay من خلال سلسلة طويلة من المحاضرات والمداخلات التلفزية حول الموضوع. يقول :

“الابيجينيتيك تعني ما فوق علم الوراثة الكلاسيكي أي ما فوق سلسلة الحمض النووي ADN التي تُشكّل كل برنامج حياتنا، وهي التي تحدد كل ما نفعل، بينما الابيجينيتيك هي إمكانية أن نُعدّل طريقة اشتغال جيناتنا وتصرفها عبر سلوكياتنا نحن البشر.  بمعنى أن الجينات هي عبارة عن أدراج مُقفلة بإحكام بواسطة مفاتيح ومُرصّفة فوق بعضها البعض وتحتوي على الرموز الجينية وكل البرامج التي تتحكم بحياتنا. ولكن من خلال سلوكاتنا وتحرّكنا في المحيط نستطيع أن نزرع أو نحقن داخل أجسادنا جُزيئات molécules des ستتصرف وكأنها مفاتيح لمعالجة هذه الأدراج والولوج إليها (أو تركها موصَدة) والتي تحتوي على وصفات لتجهيز الأطعمة (كأنها مطبخ، إذا أنت لم تتمكّن من فتح الدّرج الذي يحتوي على وصفة طهي البيتزا على سبيل المثال فلن تتعلّم أبدا إعداد طبق البيتزا ) لصنع أنزيمات أو بروتينات تتحكم باشتغال كل حياتنا.  وبالتالي فإن الإيبيجينيتيك هي نوع من تحميل المسؤولية للفرد ذاته أمام ما يحدث له بدنيّا وحيال المحيط أو المجتمع الذي يعيش داخله”.

اللافت في هذا الخطاب الجديد نسبيا هو تعبير “نحن نستطيع” ولسنا محكومين بحتميات جينيّة قاهرة.  فمن خلال سلوكنا يمكن تغيير طريقة اشتغال خلايانا وتصرّفات جيناتنا اعتمادا – حسب دي روناي- على خمس عناصر كبرى هي :

التغذية والحركة البدنية المعتدلة والقدرة على التصرف في الضغوط ومتعة ممارسة ما نفعله والعلاقة مع المحيط الاجتماعي والعائلي والمهني المتناغم مع هذه العناصر كلها… وعلى هذا النحو نحن نقوم يوميا بحقن جُزيئات تفتح الأدراج المغلقة وتُنشّطها (أو تثبّطها وتتركها في سُباتها في حالات الضغط العالي أو الخوف الماحق أو الظروف القصوى بصورة عامة).

ومن أجل تقريب الصورة إلى أذهان الناس، يعطي هذا الباحث مثال السمارتفون الذي نقتنيه بنظام استغلال OS مُدرج فيه عند الصّنع (وهو بمثابة الــ ADN) ولكن بعد شرائه نجد أنفسنا مطالبين ــ كل حسب حاجياته وميولاته وانتظاراته من السمارتفون-  بتنزيل تطبيقات رديفة تحوم في فلك نظام الاستغلال الأصلي وتطوّعه لنظام اشتغالها الخاص… هكذا تتعامل الجينات مع الـــ ADN).

يقول طبيب الأعصاب ليونيل نقّاش في هذا السياق تحديدا “ما هو طريف حقا هو أن علم الوراثة كنا نتخيّله إكراها حتميّا لا نقدر على شيء تجاهه، ولكن مع نتائج العلوم الحديثة اكتشفنا أن الجينيتيك  هي نفسها تحت رقابة إكراه موضوعي آخر وهو الايبيجينيتيك، إذن نحن أمام وصفات جديدة للحرية (اكراهان يتصارعان يعطيان بالضرورة هامشا من الحرية للبشر وشيئا إيجابيا مَا كما في الرياضيات سالب مع سالب يعطيان موجب)”.  

أما في ما يخصّ المدرسة وتعليم الأطفال، فهناك في علاقة بكل هذا فكرة خاطئة تماما تَعتبر أن القدرة أو الاستطاعة البشرية الكامنة هي عبارة عن قوّة تتحدّد طبيعتها ودرجتها جينيّا بشكل مسبق منذ الولادة أو قبلها : أي أن هنالك أطفال يولدون بمقدّرات عالية وآخرون بمقدّرات أقل أو دون مقدّرات أصلا. 

علم ما فوق الجينات يُفنّد هذه الفكرة أو يُنسّبها على الأقل ويؤكّد ـ في غير تطاول وقح على ما يحدّده رأس المال الوراثي في جزء كبير من شخصية البشر ومزاجه وذكائه الخ- أنه باستطاعتنا نحت حياتنا كما نريد إذا أردنا، وأننا مثلما “تقدر الشعوب إذا أرادت الحياة أن تجعل القدر يستجيب لإرادتها”، فإنه بإمكاننا تحييد العراقيل والتغلب على ما كنّا موعودون به لو تركنا البرنامج المركزي للــ ADN مُستبدّا بنا ومُحتكرا لسلطة التحكم في تصرّفاتنا وصيغ إقامتنا في المجتمع وفي المحيط.

يقول الباحثون في هذا المجال إنه “يكفي أن تتجه السياسات العمومية نحو خلق مناخات مؤمّنة للتعلّم تُتيح بدورها علاقات مبنيّة على الثقة والدعم المتبادل بين التلاميذ والمربين… حتى نُرفّع من منسوب الأوسيتوسين. ومن زاوية بيولوجية عصبية صرفة، فإن هذا المُعطى لوحده باستطاعته التصدي للأضرار التي يتسبب بها الكورتيزول عندما يرتفع مستواه تحت ضغط الواجبات المدرسية الخانقة على سبيل المثال أو تدنّي الأعداد المتحصّل عليها .. وبالتالي احداث تغيير إيجابي في كيمياء الدماغ لدى التلاميذ وتُتاح أمامهم الفرصة للنمو دراسيا ومشاعريا وعلائقيا. إذ لا يكفي أن نكون طيبين مع الأطفال، لا بد من بناء علاقات معهم تكون ذات دلالة في محيط تعليمي أو تربوي مستقرّ وآمن ومتخفّف من كل أصناف الضغط “. 

فما هي الاستنتاجات الكبيرة والحاسمة ؟

في مجال التّوريث : اتضح أخيرا وبشكل علمي باتّ أن الإنسان لا يُورّث جيناته فقط بل يُورّث كذلك ما هو مُكتسب لديه سلبا وإيجابا (أي الإدمان على سبيل المثال وتعاطي الرياضة ومعاقرة الفنون والثقافة والطموح الدائم نحو الارتقاء والتطور).

في مجال المدرسة : أعتقد أننا على مشارف انتهاء خرافة الذكاء الموروث (الذي لا يؤثر إلا بنسبة ضئيلة جدا كما أسلفنا على القدرات الدراسية للتلاميذ) وحلول منطق التعويل شبه الكلّي على دور التلاميذ أنفسهم والكهول والمربّين والمدرسة عموما.

في مجال الطب : يبدو أن الإيبيجينيتيك ستؤثر بشكل دالّ في مستقبل البيولوجيا والوقاية الطبية والتأثير في عمل الجينات داخل الجسم بصورة عامة، لأن خاصية هذا العلم الجديد هو كونه “يدرُسُ ما يجهله الجينيتيك إلى حدّ الآن”.   

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

  1. نجاح

    31 أكتوبر 2022 في 06:11

    مقال مهمّ شكرا سي المنصف على هذه الأفكار البنّاءة

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار