منبـ ... نار
السياسة في “عشريّة الهذيان”… الحال والمآل
” السّياسة جعلت الناس ،في جميع الأزمان، مجانين أو متوحشين أو خطرين، وبكلمة واحدة، فاقدي عقل..”
نشرت
قبل 3 سنواتفي
من قبل
التحرير La Rédactionإذا كانت السياسة هي السّعي المنظم من أجل اِمتلاك السلطة وطلب الطاعة في تدبير الشأن العام، عن طريق هيْئاتٍ أو حركاتٍ أو أحزاب اِنضوتْ تاريخيا تحت بُنىً اجتماعيّة مختلفة بدْءًا بالعشيرة والقبيلة، مرورا بالمدينة والإمبراطورية واِنتهاءً بالدّولة الحديثة، فإن السياسة إذن كنشاط إنسانيّ قد “ملأت تاريخ الكائن البشري” ولم يخْلُ منها تجمّع إنسانيّ على الإطلاق، وهذا ما جعل أرسطو يُعرّف الإنسان باعتباره “حيوانا سياسيّا”.

هذا الترابط التاريخي الوثيق بين كلّ نواة اجتماعيّة والممارسة السياسية، هو ما دفعنا لرصد أسباب انصراف القاعدة الشعبيّة عن الاهتمام بالشأن السياسي، متابعة ومشاركة، مما أفرز حالة من اللامبالاة بكل ما يمتّ للسياسة والسياسيين بـِـصِلةٍ في مستوى الانخراط أو المشاركة أو المتابعة. بحيث تعاظمت في أوساط العموم والمثقفين (بدرجة أقلّ) حالة من العزوف العامّ والاستهجان والسخرية من معظم السياسيين.
حالة العزوف العامّة عن الاهتمام بالشأن السياسي تعود في تقدير الكثيرين إلى تراجع مستوى الثقة في الناشطين السياسيين كأحزاب أو كجمعيات مجتمع مدني يتقاطع فعلها بالضرورة مع الممارسة السياسية في السياق العام للبلاد (النقابات مثلا)… وضعف مستوى الثقة يبقى مُبرّرًا لأن الناشط السياسي أو ناشط المجتمع المدني – في الغالب الأعمّ – ينخرط في الممارسة السياسية داخل الأحزاب أو الجمعيات أو المنظمات من أجل أن يُحقّق ذاته (ونعني بتحقيق الذات على غير معانيها الإنسانيّة-الوجوديّة، بل على صيغ النفعية الانتهازية) … بحيث تنحصر أهداف هذا “الفاعل” السياسي أو المدني، في تحقيق تقدّم على مستوى مساره الشخصي لإحراز مكاسب أو مناصب يُعبّر من خلالها عن ذاته ويُحَـسّن انطلاقا منها مواقِعه في درجات سلّم الفعل والقرار… دون أن يكون معنيّا حقيقة بالمساهمة كقوّة دافعة للبلاد نحو التقدّم والازدهار والنماء… يكفي أن يتقدّم هو كفرْدٍ على طريق تحقيق المنافع الذاتيّة حتى يكون الحزب أو الجمعية أو المنظمة قد حققت مُبتغاها الذي أنشِـئتْ من أجله.
هذه الرؤى القاصرة والمحدودة هي التي تسبّـبت في انحسار رغبة المواطنين ، وفئة الشباب منهم بالخصوص، في الالتحاق بالأحزاب والجمعيات وممارسة النشاط السياسي ضمنها. وجعلت من الأحزاب مجرّد حوانيت فارغة، “خاوية على عروشها” إلاّ من ذواتٍ أناواتها متضخّمة، تفرض نفسها وتسمّيها كقيادة… وحوّلت الممارسة السياسيّة في ذهن المواطن التونسي إلى مجرّد “اِسْتدْرار” للوجاهة والثراء، وهي عقليّة عبّر عنها طيف واسع من التونسيين بـ ” عقليّة الغنيمة ” في سياق عشريّة الهذيان المعمّم.
يبدو أن حالة العزوف هذه لا تحتاج إلى تأكيد ولا يختلف حولها مراقبان للشأن العام… ويمكن رصدها من خلال محاور عديدة، أوّلها قِلـّة المنخرطين وكثرة المغادرين لهذه الأحزاب، وثانيها انعدام (لدى بعض الأحزاب) وتراجع حادّ (لدى البعض الآخر) للأنشطة الحزبيّة التي تكتسي بُعدا شعبيا ووطنيّا وانحصار الفعاليات السياسية في ما يخصّ الإيديولوجيا الحزبيّة (مع تضييق المعنى في استخدام كلمة الإيديولوجيا)… أمّا ثالث محاور الرّصد فهو ضَعْف الإقبال الجماهيري على معظم الأنشطة التي تنظمها هذه الأحزاب وكيْفما كان نوعها أو هدفها، تكوينيا أو اِستقطابيا أو اِحتجاجيا، رغم ما يُرْصَدُ لها من جهد ومال ووقت. وضعيّة الهذيان هذه أفرزت حالة من الإسهال الدائمة في تأسيس الجمعيات والأحزاب (أكثر من 240 حزب و24800 جمعية مدرجة بالسجل الوطني) حيث جاوز عدد الأحزاب مع مفتتح سنة 2023 مائتين وأربعين بعضها تناسل من أحزاب قائمةوّلها قِلـّة المن.
هذا العدد المهول من الأحزاب والذي لا يتناسب مطلقا مع التعداد السكاني ولا مع النموّ الاقتصادي ولا مع حاجات البلاد السياسية، حتى لو ربطنا هذا “السخاء” الحزبي بالمرجعيات الفكرية والإيديولوجية وتفصيلاتها الجزئية، سخاء يمكن تفسيره بمعطييْن اثنيْن، الأوّل أن قيادات بعض هذه الأحزاب مسكونة بوهْم الزعامة والرّيادة والقيادة، تحت وطأة السؤال الملحّ : لِما لست أنا الزعيم وأنا المقتدر؟ ويكون الجواب دائما ودون تنسيب: “أنا الزعيم” … ويبدأ عندها التأسيس، لِـتولدَ لديْنا أحزاب تحمل في طيّات ميلادها شهادة وفاتها واِضمحلالها، فلا يبقى منها سوى الاسم و”الزعيم” المؤسس وبعض مريدين … والمعطى الثاني هو أن قيادات هذه الأحزاب ومن فرط تضخّم أناواتها تُعطي لنفسها الحق التاريخي والأبدي في “الزعامة” وتختلِق لذلك حُجَجا ومبرّرات وإن تنوّعت أسبابها بين شرْعَنة هذا الحق بمـبادِرة التأسيس أو بالأسبقية الزمنيّة أو بالمسار النضالي التاريخي…
وكلّها حجج تـُحِـيل على “عقل سياسيّ” يضيق بمفهوم التداول على المسؤولية والشراكة في ضبط الرؤية والحوار لوضع تصوّر لأفق سياسيّ حزبيّ… وذلك ما جعل من هذه الأحزاب بمثابة المنازل العائليّة، محكومة بعلاقات الأبوّة والبُنُوّة وتغيب عنها الممارسة السياسية المعقلنة… أو هي جزء من الملك الخاصّ تُوَرَّثُ وتوزّع المكاسب و المناصب فيها على الأبناء و الأنساب والأحباب… عقليّة الغنيمة والاستدرار هذه فتحت كل المنافذ أمام هذه الأحزاب على الفساد، فمارستْه وغضّت عنه الطرف وشجّعته وأخْلتْ سبيله وهذا الأمر بيّن جليّ من خلال فرض التعيينات وإبرام الصفقات وتمرير القوانين … وهكذا أصبح البرلمان مجرّد غرفة لتنسيق المصالح الحزبية الضيّقة أو حلبة صراع لتبكيت الخصوم- الأعداء وتعنيفهم، وهذا زاد من ترذيل الممارسة السياسية وتحويلها إلى مجال للتندّر والسخرية والرّفض باعتبار حاصلها، الخداع في القوْل والعجز عن الفعل والضبابيّة في الرؤية والاستخفاف بمصالح عامّة الناس …
سياسة هذا حالها، فكيف سيكون مآلها ؟
بدأ المآل يتشكّل من خلال اِنتشار شعار : “حِلّ البرلمان ..” . وكان “الحلّ” عبارة عن بداية مرحلة سياسية جديدة تمّ خلالها نقل مركزة السلطة من الغرفة البرلمانية بـباردو إلى قصر الرئاسة بقرطاج… وقد اِسْتحْسن معظم التونسيين هذه الخطوة، ربّما لـوشائج تاريخيّة بين المواطن التونسي ومفهوم “الرئيس”… سياسة الرئيس الجديدة عبّرت عن نفسها من خلال جملة من المحاور الأساسية على المستوى الداخلي والخارجي، أهمّها على الإطلاق داخليّا، أوّلا وضع حدّ لتغوّل حركة النهضة وعنجهيّة ائتلاف الكرامة وانتهازيّة حزب قلب تونس، ولم يكن من السّهل إزاحتهم إذ لا يخلو الأمر من مجازفة… وثانيا تعديل الإستراتيجيات الصحيّة في التعاطي مع جائحة “كورونا” بما ضمن أكثر توفير اللقاحات وحفظ صحّة التونسيين و التونسيات.
هذه المحاور كانت متلازمة مع الكثير من التفاصيل الأخرى وعلى أهمّيّتها وحساسيتها لدى المواطن التونسي ( غلاء الأسعار/مقاومة الفساد/ التهريب / الاحتكار ) وما اعْتراها من انتكاسات، بقيت مجرّد تفاصيل واِستأثرت المحاور الكبرى وحدها بتمثيل زاوية تقييم التونسيين لِسياسة الرئيس، وقد ظل دائما متقدّما على خصومه… أمّا خارجيّا، فإن الإعلان عن عودة الدولة التونسية إلى مُعْـتادها في اِنتهاج سياسة خارجية تنأى بها عن الانحيازات والكُـتل إقليميا ودوليّا، في مستوى الخطاب على الأقلّ. فكانت مسألة السّيادة الوطنيّة موضوعا دائم الحضور في تدخّلات الرئيس وغير قابل للاطّراح حسب رأيه مع عديد الأطراف الخارجية.
لكن هذا الحياد في علاقة بالقضايا المطروحة على المستوى الدولي لم يمنع تونس من التعبير عن موقفها وبلورة رؤية إزاء السياسة الدوليّة بصورة عامة، عبّر عنها الرئيس في واشنطن بمناسبة فتح نقاش حول إمكانية بناء “إفريقيا مزدهرة”، في كلمة تضمّنت الكثير من المعاني الإيجابيّة والإنسانيّة والآمِلة، والتي ليس بمستطاعنا إلاّ التقاطع معها ودعمها في ما يخص توصيف حالة النظام العالمي الراهن، والذي لا تخفى خافيته عن كل ذي عقل، من حيث بنية هذا النظام المحكومة بجشع الدول الكبرى في الحِيازة والاستثمار والاستئثار بمعظم خيرات العالم… ومن حيث مؤدّاه الذي أفضى إلى مزيد من التفقير والتداين والتجويع، لمعظم شعوب الدول الإفريقية… كما تضمّن خطاب الرئيس أيضا دعوة صريحة للقوى العظمى المعنيّة أكثر بروح هذا النظام (أمريكا) إلى إعادة التفكير في بناء نظام عالميّ جديد قوامه العدالة والتشاركيّة والديمقراطية التي “يعمّ أثرها الجميع”… فنكون عندها أمام اجْتراح طريق جديدة للسياسة العالمية، “… طريق جديدة نُعبّدها معا، وهذه الطريق لا يُمكن أن تـُـرْسَمَ من جانبٍ واحدٍ بل يجبُ أن نرسُمها مجتمعين.”…
وكالعادة تعاطت المعارضة مع الخطاب بكثير من السخرية (رغم إدراكهم لمقبوليّته لدى عموم الشعب)، واستكثروا على الدولة التونسية أن يكون لها موقف من سياسة أمريكا للعالم (العولمة)… فهذا الشعب على فقره وتدايُنه وقلة حيلته، من حقه أن يأملَ في عدالة وديمقراطية “يعمّ أثرها الجميع” حتى ولو على سبيل الموقف والفرضيّة من أجل بناء نظام تتوزع فيه الأعباء والخيرات بالتساوي… النقطة المهمّة الثانية في محاور السياسة الخارجية للرئيس، هي كيفيّة تعاطيه مع صندوق النقد الدولي وإبدائه لمقاومةِ فرض الإصلاحات وضبط الخيارات السياسية والاقتصادية على الدولة التونسية من لدن الدول المانحة… وهذا الموقف رغم الضريبة التي دفعها الشعب في مستوى فقدان بعض المواد الأساسية والطاقيّة والتضحيات التي قدّمها الفقراء من أبناء الشعب، فإن ناتجُ هذه المقاومة لسطوة الصناديق الاستغلالية، تنضاف إلى رصيد الرئيس الذي قال “لا” لإملاءات الدّول المانحة، على عكس خصومه الذي أذعنوا وراهنوا على المانحين وارتهنوا لإملاءاتهم ورهنوا الشعب والدولة في مديونيّة مجحِفة.
محور آخر من محاور الفعل السياسي الذي يحظى باهتمام شديد لدرجة تعقيده وتقاطعه مع مجالات مختلفة، سياسية واقتصاديّة وأمنيّة وحقوقيّة، هو ملفّ الهجرة الذي أربك ضفّتيْ المتوسّط وحفّز أوروبا على مزيد الاهتمام به بدرجات متفاوتة… وقد أبدت تونس موقفا حاسما بخصوص هذا الملف وفي علاقة بنقطتيْن أساسيّتيْن هما رفض إعادة التوطين للمهاجرين أوّلا ورفض تحويل تونس إلى قاعدة إيطالية خلفية تحرس الحدود وتؤوي المهاجرين والمرحّلين، ثانيا…. موقف تونس هذا (ويُمثّله الرئيس) يحتاج إلى إسناد داخلي وإقليمي من أجل معالجة هذه “المعضلة” خارج حدود البعد الأمني المعتاد فقط …
لقد أصبحت الساحة السياسيّة مجال فعْل ومبادرة للرئيس، ومجال تدارُكٍ وردّ فعل -عدائيّ في معظم الأحيان- بالنسبة لخصومه… وهذا ما زاد من عزلة الأحزاب السياسية وعجزها ونفور الناس منها، وقد اِعتبرها الرئيس مجرّد أجسام وسيطة على كثرتها، وأقنع عامة الشعب أو كاد، بأن كثرة الوسائط هي فقط ترفيع في التكلفة. وصار مآل السياسة مع هذه الأحزاب مآلا تعِسا باعثا للشفقة والنكتة في الآن نفسه، حيث صارت قيادات بعض الأحزاب تصاب بحالات إغماء متكرّرة ( ترمي الدهشة)، وقيادات أحزاب أخرى استفحلت فيها الوعكات الصحيّة، وأحزاب أخرى، كلّما تكلّمت قياداتها غـمْغَمتْ وثرثرتْ دون أن تقول كلاما مفهوما ومعقولا…
نصيحتي لهذه الأحزاب، كفّوا عن السلبيّة، فالأوطان لا تبنى إلاّ بالفعل الإيجابيّ …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أستاذ الفلسفة بالمعاهد التونسية
تصفح أيضا
منبـ ... نار
في يوم القضاء المصري.. “ما القضاء؟” يفتح حوارًا حول العدالة ونشر الوعي القانوني
حلقة نقاشية تجمع رموز القضاء والمثقفين والأكاديميين لبحث مفهوم القضاء ودوره في حماية الحقوق وترسيخ سيادة القانون
نشرت
قبل 4 أيامفي
4 أكتوبر 2026من قبل
جورج ماهر George Maher
متابعة: جورج ماهر ـ القاهرة
في إطار الاحتفال بيوم القضاء المصري، شهد المجلس الأعلى للثقافة حلقة نقاش حول كتاب “ما القضاء؟”، من تأليف القاضي الدكتور خالد القاضي، رئيس محكمة الاستئناف.

الكتاب صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة “ما” المعرفية، وذلك تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، وبإشراف الأستاذ الدكتور أشرف العزازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة. وشهدت الحلقة حضورًا لافتًا لنخبة من شيوخ ورموز القضاء المصري، إلى جانب عدد من القامات الثقافية والأكاديمية وأساتذة الجامعات والباحثين والشباب، في لقاء جمع بين الخبرة القضائية والثقافة المجتمعية والعلوم الإنسانية، وناقش مفهوم القضاء ورسالته ودوره في حماية الحقوق وترسيخ سيادة القانون وتحقيق العدالة.
واستهلت الفعاليات بالسلام الجمهوري، أعقبه عرض فيلم تسجيلي حول مسيرة القضاء المصري، ثم كلمة ترحيبية للأستاذ وائل حسين، رئيس الشُعَب واللجان بالمجلس الأعلى للثقافة. من جانبه، استعرض الدكتور محيي الدين عبد الحي، رئيس تحرير سلسلة «ما»، أهمية الكتاب باعتباره يجمع بين الثقافة والقانون والوعي المجتمعي، مؤكدًا أن نشر الثقافة القانونية بين الجمهور يمثل إضافة مهمة، وأن سلسلة “ما” تقدم محتوى معرفيًا مبسطًا يتيح للقارئ التعرف إلى مؤسسات الدولة ودورها.
ثلاثة محاور لتعريف القارئ بمنظومة القضاء
وتحدث مؤلف الكتاب، المستشار الدكتور خالد القاضي، عن فكرة الكتاب ومضمونه، مشيدًا بقرار الرئيس عبد الفتاح السيسي باعتبار الأول من أكتوبر يومًا للقضاء المصري. وأوضح أن الكتاب يتكون من ثلاثة أقسام رئيسية؛ يتناول الأول أسس القضاء ومفهومه ومكانته ونشأته وتطوره وضمانات التقاضي، إلى جانب القضاء في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية.
ويتناول القسم الثاني الجهات والهيئات القضائية في مصر، ومن بينها المحكمة الدستورية العليا، ومحاكم القضاء العادي والنيابة العامة، ومحاكم مجلس الدولة، والقضاء العسكري والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة.
أما القسم الثالث، الذي جاء بعنوان “على منصة القضاء”، فيستعرض جانبًا من مسيرة المؤلف الممتدة لنحو أربعين عامًا منذ التحاقه بكلية الحقوق، متناولا كيفية بناء الملكة القانونية، ومكانة القانون في حياة المجتمع، وصولا إلى أهمية الوعي القانوني.
القضاء.. قيمة إنسانية وثقة في العدالة
وأشار المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، رئيس المحكمة الدستورية العليا ورئيس مجلس الشيوخ الأسبق، إلى أهمية مواجهة ما وصفه بـ”الهجمة الثقافية” على القضاء، مشيدًا بأهمية تعزيز دراسة اللغة العربية والدين في المناهج التعليمية، ومؤكدًا قيمة الحضارة المصرية وما تمثله من رصيد ثقافي وحضاري. كما أشاد بكتاب “ما القضاء؟” ودوره في تقديم المعرفة القانونية والقضائية إلى القارئ بصورة مبسطة.
وأكد المهندس هيثم يونس، رئيس الهيئة العامة للكتاب، أهمية سلسلة “ما”، مشيرًا إلى مكانتها ضمن إصدارات الهيئة ودورها في تقديم المعرفة إلى القارئ بصورة ميسرة.
من جانبه، أوضح المستشار عادل عبد الحميد، وزير العدل ورئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى الأسبق، أن عنوان الكتاب يعكس قدرة كبيرة على تقديم منظومة العدالة والقضاء المصري في إطار معرفي مبسط، مؤكدًا أن العدالة لا تقتصر على الإجراءات، وإنما ترتبط بثقة المواطن في القاضي، وأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع دون تحيز أو تمييز. وتطرق إلى علاقة القضاء بالتكنولوجيا الحديثة، مشيرًا إلى تنامي استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والقضايا ودعم عمليات اتخاذ القرار في عدد من دول العالم.
“دولة القانون” ورسالة القضاء
كما تضمن اللقاء عرض فيلم تسجيلي مقدم من المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة الدستورية العليا، أشاد خلاله بالجهد العلمي الذي بذله المستشار خالد القاضي في إعداد الكتاب، معتبرًا إياه امتدادًا لمسيرته العلمية وإسهامًا في ترسيخ المعرفة بدولة القانون والمؤسسات القضائية. وأكد أن القضاء يمثل قيمة إنسانية، وأن أخلاقيات المهنة والضمير والاستقلال عناصر أساسية في عمل القاضي، مشيرًا إلى أهمية الاقتراب من الأسئلة المرتبطة بطبيعة العلاقة بين القاضي والمواطن والمجتمع.
بدوره، أشاد المستشار أحمد عبود، رئيس مجلس الدولة الأسبق، بالاهتمام بتطوير منظومة القضاء وترسيخ مبدأ المساواة، مشيرًا إلى ما حققته المرأة المصرية من حضور متزايد في منصة القضاء ودورها في منظومة العدالة.
وأكد المستشار محمد الشناوي، رئيس هيئة النيابة الإدارية السابق، أن أهمية اللقاء تجاوزت مجرد مناقشة الكتاب، إذ يمثل القضاء – بحسب ما طرحه – مصدرًا للطمأنينة في نفوس المواطنين من خلال قيم العدل واحترام القانون، مشددًا على أن القضاء يظل أحد الأعمدة الراسخة للدولة المصرية.
حضور أكاديمي وشبابي
وشارك في الحلقة النقاشية الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، والدكتور هيثم الحاج علي، أستاذ اللغة العربية والرئيس الأسبق للهيئة المصرية العامة للكتاب ومقرر لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب عدد من أعضاء هيئات التدريس والطلاب بالجامعات. وأضفى الحضور الشبابي والأكاديمي على اللقاء بُعدًا حواريًا، وأكد أهمية استمرار النقاش بين الأجيال حول مفاهيم العدالة والقانون ودور المؤسسات القضائية في المجتمع.
توصيات لتعزيز الثقافة القانونية
واختُتمت الحلقة النقاشية بإعلان عشر توصيات إجرائية وموضوعية، ركزت على أهمية إشراك الشباب في الحوار حول القضاء والثقافة القانونية، باعتبارهم أحد الأطراف الرئيسية في بناء مستقبل المجتمع وترسيخ احترام القانون وصون الحقوق والحريات.
وأكد المشاركون أن نشر الثقافة القانونية لا ينبغي أن يظل حبيس الكتب المتخصصة وقاعات الجامعات والمحاكم، بل يجب أن يصل إلى المواطن في حياته اليومية، من خلال لغة واضحة ومبسطة تساعده على معرفة حقوقه وواجباته وفهم طبيعة مؤسسات الدولة وأدوارها.
وفي ختام اللقاء، برزت رسالة أساسية مفادها أن الوعي بالقانون لا ينفصل عن بناء مجتمع يحترم الحقوق والواجبات، وأن نشر الثقافة القانونية يمثل جسرًا مهمًا بين مؤسسات العدالة والمواطن.

منبـ ... نار
التوجيه الجامعي في العصر الرقمي: لماذا أصبح حسن الاختيار أكثر صعوبة؟
نشرت
قبل شهرينفي
7 أغسطس 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. مصطفى الشيخ الزوالي:
منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، وعلى امتداد ما يقارب ثلاثين سنة من متابعة عمليات التوجيه الجامعي في تونس ومرافقة الناجحين الجدد في الباكالوريا، كشفت لنا التجربة الميدانية أن المشكلات لا تختفي بقدر ما تُغيّر أشكالها.

فالقلق الذي يرافق لحظة الاختيار بقي حاضرًا، لكن مصدره انتقل من ندرة المعلومة إلى وفرتها : ففي الماضي كان التحدّي الأكبر هو الوصول إلى المعلومة، أما اليوم، في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، فأصبح حسن الاختيار هو التحدي الحقيقي وسط فيض غير مسبوق من المعلومات والآراء.
وما يزال الناجح الجديد يقف أمام أول قرار يرسم ملامح مساره الدراسي والمهني، غير أن الحيرة التي ترافق هذا القرار لم تعد ناتجة عن نقص المعطيات، وإنما عن صعوبة فرزها وتحويلها إلى اختيار واعٍ. ومن هنا يبرز سؤال يستحق إعادة التفكير: لماذا لم تجعل وفرة المعلومات حسن الاختيار أكثر يُسرا ؟ ولماذا ازدادت الحاجة إلى خدمات الإعلام والتوجيه في الوقت الذي أصبحت فيه المعرفة أقرب إلى الجميع؟
أولاً: هشاشة الاختيار… تسبق العصر الرقمي قد يبدو أن الحيرة التي يعيشها الناجح الجديد في الباكالوريا مرتبطة بضيق الوقت أو بتعقّد إجراءات التوجيه، لكنها في حقيقتها أعمق من ذلك. فالتوجيه الجامعي ليس مجرد ترتيب للرغبات أو مقارنة بين معدلات القبول، وإنما عملية لاتخاذ قرار تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. ويؤكد علم نفس التوجيه أن الاختيار ليس حدثًا عابرًا، بل مهارة تُبنى تدريجيًا من خلال التربية على الاختيار: تعلّم معرفة الذات، واستكشاف الميول والقدرات، وموازنتها بالفرص المتاحة، وتحمل مسؤولية القرار. وحين لا تُبنى هذه المهارة، يميل الإنسان في المواقف المعقدة إلى الاحتماء بالأحكام الجاهزة أو تفويض القرار للآخرين، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل قد يرسم مساره الدراسي والمهني. لذلك ليس مستغربًا أن ينجذب كثير من الناجحين، في الأيامالأولى بعد إعلان النتائج، إلى الآراء القاطعة والوعود السريعة أكثر من انجذابهم إلى التحليل المتأني.
وتتضاعف هذه الهشاشة بفعل عوامل اجتماعية وثقافية لا تزال حاضرة إلى اليوم: اختيارات الأسرة، وتأثير الأصدقاء، وضعف ثقافة التخطيط المبكّر للمستقبل، تجعل كثيرًا من التلاميذ يؤجلون التفكير الجدّي في التوجيه الجامعي إلى ما بعد صدور نتائج الباكالوريا ، فلا يبقى أمامهم سوى أسابيع قليلة لاتخاذ قرار سيمتد أثره سنوات طويلة، في لحظة انتقالية بين المعهد والجامعة يشتد فيها الارتباك وتتزايد الحاجة إلى المرافقة.
ثانيًا: مفارقة العصر، وفرة المعلومة وندرة القدرة على الاختيار
انتقلت المشكلة إذن من سؤال الوصول إلى المعلومة إلى سؤال حسن الاختيار. ففي التجربة التونسية، وخلال العقود الأخيرة، كان دليل التوجيه الجامعي المرجع الأول، وظلت مصادر الاستشارة محدودة. أما اليوم فقد انقلب المشهد: صار التحدي الأكبر هو الإفلات من فائض المعلومة لا البحث عنها، فهي تلاحق المترشح أينما اتجه، عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل ومقاطع الفيديو وأدوات الذكاء الاصطناعي، والتجارب الشخصية التي تُقدَّم أحيانًا وكأنها قواعد عامة.
وقد يبدو هذا التحول مكسبًا لا جدال فيه، لأنه وسّع إمكانات الوصول إلى المعرفة، لكنه كشف في الوقت نفسه عن مفارقة جديدة: وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة حسن الاختيار. فكلما تعددت الخيارات وتزاحمت الآراء، ازدادت الحاجة إلى القدرة على الفرز وربط المعطيات بخصوصية كل مترشح، وهي مهارة لا توفرها التكنولوجيا في حد ذاتها.
ويرتبط ذلك بتحول أعمق في مصادر التأثير داخل المجتمع الرقمي. ففي زمن الندرة، كانت المعرفة تستمد مشروعيتها أساسًا من المؤسسات العلمية والتربوية، أما اليوم فقد أصبح الانتشار نفسه يمنح المحتوى سلطة قد تسبق التحقق من خبرة صاحبه أو كفاءته. فعدد المتابعين وسرعة الانتشار لا يكفيان لإثبات الكفاءة، لكنهما قد يمنحان صاحبهما سلطة رمزية تؤثر في قرارات آلاف المترشحين.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين من يقدّم معلومات دقيقة، ومن يخلط بين الوقائع والانطباعات، وبين من يمتلك الكفاءة التربوية لمساعدة المترشح على بناء قراره؛ فحتى المعلومة الدقيقة لا تكفي وحدها لإنتاج اختيار صحيح، لأن الاختيار عملية تربوية قبل أن يكون عملية إعلامية.ثالثًا: حين تهيمن الدعاية على حساب التربية على الاختيارفي هذا السياق، لم تعد المنافسة بين مصادر مختلفة للمعلومة فحسب، وإنما بين منطقين مختلفين في بناء القرار. فمن جهة، تقوم التربية على الاختيار على معرفة الذات والتفكير المتأني وتحمل مسؤولية القرار بعد موازنة الإمكانات والفرص. ومن جهة أخرى، يقوم الخطاب الترويجي على المنطق المعاكس: الوعود السريعة، والأحكام الجاهزة، وتقديم التجارب الفردية وكأنها تصلح للجميع.
ولذلك لا يكمن الخطر الحقيقي في وجود معلومات غير دقيقة فحسب، وإنما في اعتياد المترشح البحث عن إجابات جاهزة بدل أن يتعلم كيف يبني اختياره بنفسه. فكلما اشتد القلق، ازداد الإغراء بالحلول السهلة، بينما يحتاج الاختيار الرشيد إلى وقت للتفكير، وإلى معرفة بالذات، وإلى مرافقة مهنية تساعد على قراءة المعطيات في سياقها.
ويتضح عندئذٍ الفرق الجوهري بين الإعلام والتوجيه: فالإعلام يقتصر على توفير المعلومة، من الشعب المفتوحة وشروط القبول ومعدلات السنوات السابقة، أما التوجيه فيساعد التلميذ على تحويل هذه المعلومات إلى قرار يناسبه. ولذلك، فإن سؤال: «أيّ هذه المسارات يناسبني أنا؟» لا تجيب عنه قاعدة بيانات، ولا مقطع فيديو، ولا تجربة طالب آخر، بل يستفيد من حوار تربوي يساعد المترشح على وضع المعلومات في سياقها، وقراءتها في ضوء شخصيته وقدراته وظروفه، والتمييز بين المعرفة الموثوقة والخطاب الترويجي.
رابعًا: من وفرة المعلومة إلى أخطاء الاختيار
ولعل أوضح تجليات هذه المفارقة ما يتكرر كل سنة من أخطاء في بناء الاختيارات الجامعية. فمن المترشحين من يتعامل مع مجموع نقاط “آخر موجَّه” في السنة السابقة وكأنه حاجز لا يمكن تجاوزه، فيحرم نفسه من طلب اختصاص كان في متناول معدله. ومنهم من يعتقد أن ترتيب الرغبات يمنحه أفضلية في القبول، أو يغفل الامتيازات التي يوفرها التنفيل الجغرافي، أو يخلط بين اختصاصات متقاربة في الاسم مختلفة في المحتوى، أو يبني اختياراته على ما يُتداول حول “الشعب الأكثر تشغيلًا” و”الاختصاصات المضمونة”، دون التثبت من واقعها أو من انسجامها مع قدراته وميوله.
ولا تعكس هذه الأخطاء نقصًا في ذكاء التلاميذ أو اجتهادهم، بقدر ما تعكس هشاشة اللحظة التي يُتخذ فيها القرار، وما يحيط بها من معلومات متضاربة وضغط نفسي واستعجال. فحين لا يجد المترشح من يساعده على قراءة هذه المعطيات في سياقها، قد تتحول معلومة غير دقيقة، أو تجربة فردية، أو خطاب ترويجي، إلى اختيار يؤثر في مساره الدراسي والمهني لسنوات طويلة.خامسًا: الذكاء الاصطناعي… حين تزداد الحاجة إلى المرافقة الإنسانية
إذا كانت المنصات الرقمية قد ضاعفت حجم المعلومات المتاحة، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي مرشحة لأن تضاعفها مرة أخرى. ففي ثوانٍ معدودة، أصبح بإمكان المترشح أن يحصل على مقارنات بين الاختصاصات، وتحليلات لمعدلات القبول، واقتراحات لمسارات دراسية، بل وحتى إجابات تبدو شخصية ومقنعة.
غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يلغي المشكلة التي يناقشها هذا المقال، وإنما يعيد طرحها في مستوى جديد. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات وينظمها ويقترح بدائل متعددة، لكنه لا يستطيع أن يحسم السؤال الأكثر خصوصية: أيّ هذه المسارات يناسب هذا المترشح بالذات؟ فهذا القرار لا يُبنى على المعطيات وحدها، بل على معرفة الذات، وفهم الظروف الشخصية، وتحمل مسؤولية الاختيار.
وهذا ما يجعل وظيفة الإعلام والتوجيه مرشحة للتطور لا للتراجع. فإذا كان توفير المعلومة وتفسيرها يمثلان أحد الأبعاد الأساسية لعمل مستشار الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، فإن قيمتها اليوم، وفي المستقبل أكثر من أي وقت مضى، تتجلى في مرافقة التلميذ أثناء بناء قراره، وتنمية قدرته على الاختيار الواعي في عالم تتزايد فيه المعلومات بوتيرة أسرع من القدرة على فرزها واستيعابها.
فالمفارقة الحقيقية إذن ليست في تغيّر وظيفة المستشار، وإنما في تزايد الحاجة إلى أبعادها التربوية والإنسانية؛ ذلك أن التكنولوجيا، مهما وفّرت من معلومات، تبقى عاجزة عن أن تحل محل العلاقة التربوية القائمة على الإنصات، والحوار، وفهم خصوصية كل متعلم، ومرافقته في بناء قرار يتحمل مسؤوليته.
لكن الاستجابة لهذا التحدي لا يمكن أن تقوم على مستشار الإعلام والتوجيه وحده، ولا أن تظل حكرًا على المؤسسة التعليمية. فالتربية على حسن الاختيار مسؤولية مجتمعية تتقاسمها الأسرة، والمؤسسات التربوية، ووسائل الإعلام، والمنصات الرقمية، وسائر الفاعلين المعنيين بمرافقة الشباب. وفي هذا الإطار، تظل المؤسسة التعليمية الحلقة المركزية بحكم رسالتها التربوية، ويكتسي دور الأستاذ المكلّف بالإعلام والتوجيه بالمعاهد أهمية خاصة باعتباره حلقة وصل بين المستشار والتلاميذ، بما يساهم في تقريب خدمات الإعلام والتوجيه، ومتابعة المتعلمين في مرحلة الاختيار، وتعزيز ثقافة التربية على حسن الاختيار.ومن ثم، فإن تطوير خدمات الإعلام والتوجيه، وتنمية كفايات مختلف الفاعلين التربويين في مجال المرافقة والتربية على الاختيار، يمثل استثمارًا في قدرة المتعلم على اتخاذ القرار في عصر تتسارع فيه وتيرة المعلومات.
خلاصة: حسن الاختيار… الكفاية التي لا تعوّضها التكنولوجيا
ما يكشفه هذا المسار من الملاحظة الميدانية، عبر ثلاثين سنة من مرافقة الناجحين الجدد، هو أن جوهر الأزمة لم يتغيّر بقدر ما تغيّر موضعها. فقد انتقل مركز الصعوبة من “الحصول على المعلومة” إلى “تحويل المعلومة إلى قرار”، وهذا انتقال نوعي لا كمي: فبينما كانت ندرة المعطيات تُنتج حيرة قابلة للحل بمزيد من البحث، فإن وفرتها اليوم تُنتج حيرة لا يحلها إلا الفرز والتمييز، وهما مهارتان لا تمنحهما التكنولوجيا بذاتها مهما تطورت أدواتها.
من هذه الزاوية، لا يُقاس نجاح أي أداة رقمية أو ذكاء اصطناعي بكمية ما تقترحه من مسارات أو مقارنات، بل بقدرتها على أن تُفسح المجال لسؤال لا تستطيع هي أن تجيب عنه: من أنا، وماذا يناسبني؟ وهذا يُبقي العلاقة التربوية القائمة على الإصغاء والحوار الفردي في موقع لا تُزاحمه فيه الخوارزميات، لا لأنها متخلفة عن العصر، بل لأن طبيعة السؤال نفسه إنسانية لا معلوماتية.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة المحتوى التوجيهي، بل في بناء كفاية “حسن الاختيار” لدى المتعلم ذاته، بوصفها استثمارًا يسبق لحظة الحيرة ولا ينتظرها. فكل تقدم تقني لا يواكبه استثمار مواز في بناء هذه الكفاية الإنسانية لن يحل أزمة القرار، بل سيكتفي بتبديل شكلها.

منبـ ... نار
المهدية والذاكرة والمواطنة… تأملات، انطلاقًا من ندوة “المهدية وَجِهَتُها عبر العصور”
نشرت
قبل 5 أشهرفي
24 مايو 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. مصطفى الشيخ الزوالي:
بين 16 و17 ماي 2026، احتضنت مدينة المهدية ندوةً علمية حول «المهدية وجهتها عبر العصور: العمارة، واستغلال المجال، وتحولات المشهد الحضري»، وذلك بفضاء متحف دار البحار، في إطار اختتام شهر التراث تحت شعار «التراث وفن العمارة».

وقد انتظمت هذه التظاهرة بمبادرة من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، بالشراكة مع المعهد الوطني للتراث، ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، وعدد من الجمعيات المعنية بالتراث والذاكرة المتوسطية.
غير أنّ القيمة الأعمق للندوة تمثّلت في ذلك الإحساس بأن المهدية كانت، طوال يومين، تستعيد حقّها في أن تُروى؛ لا كمدينةٍ تُزار، بل كذاكرةٍ حيّة تتداخل فيها طبقات التاريخ والعمران والبحر والثقافة.
أشغال الندوة: المهدية من زوايا متعددة… وحكاية مدينة عبر العصور
توزّعت المداخلات على محاور متعددة، غير أنها جميعها نُسجت على خيط ناظم واحد: العلاقة العضوية بين المكان والذاكرة والهوية. تناول أحمد قضوم مساهمة الموارد الساحلية في تشييد المنشآت البحرية عبر التاريخ، وقدّمت منال الخذيري قراءةً في البنية الجيومورفولوجية للمهدية ومنطقتها. واستجلى عماد الجربي سياقات تأسيس برج خديجة ومنارة بطرية، فيما أبرز محمد حسن طبيعة العلاقة التي جمعت المهدية وصقلية في العصر الوسيط. وقدّمت سلمى حمزة مقاربة حول المهدية بوصفها «مدينة مزدوجة»، قبل أن يتناول رياض المرابط مصادر إلهام العمارة الإسلامية متخذًا من المهدية نموذجًا تحليليًا، ويكشف علي العجمي تجلياتها الفنية والعقدية، حيث الجمال ليس زينةً طارئة بل تعبير عن رؤية كونية متكاملة.
وأضاءت مداخلة عاطف سالم حضور الجاليات الأوروبية بين القرنين التاسع عشر والعشرين، في حين عاد سفيان بن موسى إلى ما قبل التاريخ المكتوب مستعرضًا الاستيطان البشري الأول في المنطقة. وكشف الحبيب بن يونس كيف أن الموتى أيضًا جزء من نسيج ذاكرة المدينة من خلال قراءته للعمارة الجنائزية البونية، فيما أضاء جهاد الصويد جانبًا مجهولاً من تاريخ منزل قديد، وحدّد ياسين الأكحل معالم الحضور الإسلامي في المهدية في العصر الوسيط الأول.
وكانت من أكثر المداخلات إثارةً للتأمل، بل هي الدافع المباشر لكتابة هذا المقال، تلك التي قدّمها أحمد الباهي في دراسته الطوبونيمية «للمهدية عدة أسماء»، إذ بيّن أن الأسماء آثار مكثفة للتاريخ، تختزن تعاقب الحضارات وتحولات السلطة وتقلّب صور المجتمع عن نفسه. فحين تمتلك مدينة أسماء متعددة فإنها تمتلك في العمق طبقات متعددة من الذاكرة والهوية. والمهدية في هذا السياق نموذج استثنائي، إذ تتصدر المدن التونسية بل المغاربية في عدد تسمياتها متقدمةً على القيروان وتونس نفسيهما، وهو ما يجعل دراستها الطوبونيمية مدخلاً متميزًا لفهم تحولات المنطقة عبر العصور.
وتكشف هذه الدراسة عن ثراء لافت في تسميات المدينة؛ إذ لم تكن هذه الأسماء مجرد تعيينات جغرافية، بل كانت في كل مرة مرايا للسلطة التي أطلقتها وللرؤية التي حملتها. فبينما احتفت المصادر الفاطمية بالمدينة بوصفها مركز الخلافة ومنبع الشرعية فأسبغت عليها ألقابًا من قبيل «المرضيّة» و«الحضرة العالية» و«دار الملك» و«البيضاء»، نزعت المصادر المالكية نحو التسمية التقريرية فأطلقت عليها «مدينة عبيد الله» و«مدينة السلطان»، بل لم تتحرّج من وسمها بـ«المهدومة» تعبيرًا عن تحوّلاتها البنيوية، وبـ«المردية» في إشارة إلى ما نُسب إليها من خروج عن الإسلام في نظر خصومها العقديين. وهنا لا تعود التسمية أداة تعريف بالمكان، بل تتحول إلى فضاء للصراع على المعنى، تُمارَس فيه السلطة الرمزية عبر اللغة، وتُرسم من خلاله الحدود بين الشرعية والانحراف، وبين الانتماء والإقصاء.
أما المصادر الإباضية فقد اختارت «القاسمية» نسبة إلى القائم بأمر الله، في حين آثرت المصادر الموحدية ربط المدينة بسلالتها التأسيسية عبر «مهدية بني عبيد» و«مدينة العبيدي». وظلّت المصادر الأوروبية وفيّة للبعد الجغرافي الأوسع، فواصلت إطلاق «إفريقية» أو «Africa» على المدينة ومنطقتها، شاهدةً على مكانتها الاستراتيجية والرمزية في الفضاء المتوسطي.
وهذا الصراع على التسمية ليس خاصيةً تاريخية غابرة؛ فقد كشفت محاور الندوة الأخرى أن المدينة تواصل حضورها في الوعي الجماعي عبر مسالك متعددة، لا تقل عن التسمية في قدرتها على استعادة الذاكرة وإعادة إنتاجها. ففي المحور الإبداعي والتثميني، تناولت عواطف منصور الحدود بين توثيق التراث المعماري والخلق الفني، وأهدى محمد الدلاّل الحضور نصوصًا إبداعية من وحي المدينة. وقدّمت ليلى بوبكر مقاربة مندمجة لإعادة تثمين «المدينة الفاطمية»، بينما جمع المولدي فروج بين الأدب والأنثروبولوجيا في مداخلة جعلت الذاكرة الشفهية امتدادًا للذاكرة المعمارية.
وقد بدا جليًا من خلال هذا التنوع أن المدينة حصيلة تراكب طويل بين الطبيعة والتاريخ والسلطة والثقافة والذاكرة الجماعية، لا يمكن اختزالها في بعدها العمراني أو الجغرافي وحده.
من الطوبونيميا إلى المواطنة: حين تصنع الأسماء الانتماء
وقد فتحت مداخلة الأستاذ الباهي أمامي أفقًا تأمليًا يتجاوز حدود الطوبونيميا التاريخية إلى أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والانتماء وعلاقة الإنسان بالمكان الذي يحمل اسمه. ومن هنا بالذات بدأت تتشكّل لديّ ملاحظة أراها جديرة بالنقاش التربوي والثقافي: كيف يمكن لأجيال كاملة أن تبني علاقة حية مع وطنها إذا كانت تعرف أحيانًا تاريخ إمبراطوريات بعيدة أكثر مما تعرف تاريخ مدنها وأحيائها وجهاتها؟ فبرامج التاريخ المدرسية، رغم أهميتها في بناء سردية وطنية جامعة، ما تزال تُدار ، في الغالب، بمنطق مركزي يُقصي الذاكرة المحلية أو يجعلها هامشًا ثانويًا، والحال أن المواطنة لا تُبنى فقط عبر القصص الوطنية الكبرى، بل أيضًا عبر شعور الفرد بأن المكان الذي نشأ فيه حاضر داخل السردية الجماعية للبلاد. فالطفل الذي يكتشف أن مدينته كانت ميناءً متوسطيًا مؤثرًا، أو فضاءً لعبور الحضارات، أو موطنًا لتحولات عمرانية وثقافية معقدة، لن ينظر إلى محيطه باعتباره مجرد فضاء يومي عادي، بل سيبدأ في بناء علاقة مختلفة مع المكان، علاقة قوامها المعنى والانتماء والمسؤولية.
وقد روى صديقي المنصف الخميري كيف قضى طفولته بمدرسة ميتول (Muthul) التي تأسست على أنقاض محطة سكة حديدية كان المستعمر الفرنسي يستعملها لنقل الرصاص من مناجم الطويرف، وهو اسم ظلّ مجهول الدلالة لديه لعقود، إلى أن اكتشف بعد نصف قرن في مجلة تونسية قديمة أنه يحيل إلى ساحة معركة انتصر فيها الرومان بقيادة Metellus على جيش يوغرطة سنة 111 قبل الميلاد. ورغم مجاورة مدرسته لموقعي شمتو وبلاريجيا الأثريين، لم يشرح له أحد هذه الطبقات التاريخية، وكأن المدرسة كانت تعبر فوق محيط التلميذ بدل أن تجعله مدخلاً إلى التاريخ والانتماء. وقد خلص الخميري إلى أن المفاهيم النظرية الكبرى تُبنى في أذهان الطفولة من خلال مشاريع ميدانية بسيطة، وهو ما يقتضي تمكين التلاميذ من اكتشاف خصوصيات محيطهم المباشر، تعزيزًا لشعورهم بالانتماء (المنصف الخميري، «بعض آخر من قصص الطفولة المدرسية»، جلنار، 31 جانفي 2022).
فضلاً عن ذلك، فإن من شأن مثل هذا التوجه ، إن أخذ به في إصلاح تربوي قادم، أن يعالج ظاهرة باتت واضحة ومقلقة، وهي الملل المتنامي والعزوف عن المعرفة المدرسية. إذ حين يرى التلميذ تاريخه وَجِهته ومجاله داخل ما يتعلمه، تتحول المعرفة من علاقة أداتية باردة لا تتجاوز الإعداد للامتحانات، إلى صلة انخراط حقيقية تغذّي الفضول وتُعمّق الانتماء.
ولا يعني هذا الدعوة إلى تفكيك السردية الوطنية المشتركة أو استبدالها بسرديات جهوية متنافرة، بل المقصود توسيع معنى التاريخ الوطني نفسه ليغدو قادرًا على استيعاب التنوع المحلي في داخله. فالوطن لا يعيش في العاصمة وحدها، ولا تُختزل ذاكرته في الأحداث السياسية الكبرى فقط، بل يتشكّل أيضًا من ذاكرة المدن الصغيرة، ومن تفاصيل العمران، ومن أسماء الأماكن، ومن القصص التي بقيت طويلاً خارج الكتب المدرسية.
الذاكرة، الاعتراف، والمواطنة: مثال من فرنسا
ولعل بعض التجارب العالمية تكشف بجلاء كيف يمكن لاستعادة الذاكرة المنسية أن تتحول إلى فعل اعترافٍ سياسي وأخلاقي. فعقب عرض فيلم Indigènes للمخرج رشيد بوشارب، عاد إلى الواجهة في فرنسا النقاش حول ما يقارب 233 ألف جندي من بلدان المغرب العربي، الجزائر والمغرب وتونس، جُنِّدوا عام 1943 للمشاركة في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني. قُتل الآلاف منهم، وعاش كثيرون بعد الحرب على هامش الاعتراف، فيما جُمِّدت معاشاتهم التقاعدية لعقود طويلة عقب استقلال بلدانهم. ولم يكن أثر الفيلم رمزيًا فحسب، إذ أسهم في إعادة فتح هذا الملف داخل الفضاء العام الفرنسي، مما دفع السلطات إلى مراجعة تلك المعاشات وإعادة صرفها.
وتكشف هذه الحادثة أن الذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا أو حنينًا إلى الماضي، بل قد تتحول إلى قضية عدالة واعتراف ومواطنة. ومن هنا برزت داخل فرنسا نفسها أصوات أكاديمية وتربوية نادت بإدراج هذه الصفحات ضمن البرامج التعليمية، ليس فقط لتصحيح السردية التاريخية، بل لأن بناء الانتماء المشترك يقتضي أن يشعر أبناء المهاجرين وامتداداتهم الثقافية بأن تاريخهم حاضر داخل الذاكرة الوطنية لا خارجها. فالمواطنة تصبح أكثر هشاشة حين يشعر جزء من المجتمع أن تضحيات أسلافه غير مرئية، وأن قصته الجماعية لا تجد مكانًا داخل الرواية الرسمية للأمة.
خاتمة: من توثيق المباني إلى حماية الذاكرة
لهذا كله خرجتُ من ندوة المهدية بانطباع يتجاوز حدود الحدث العلمي ذاته. فالقضية ليست فقط صون المباني القديمة وتوثيق المعالم التاريخية ، رغم أهمية ذلك طبعا، بل تتعلق أيضًا بحماية الذاكرة من الاختزال والنسيان. لا يمكن بناء مواطنة متوازنة إذا شعر الناس أن تاريخهم المحلي غير مرئي، وأن أمكنتهم لا تظهر إلا في الهوامش.
وربما يكون من الضروري اليوم أن نعيد التفكير في الطريقة التي نكتب بها التاريخ المدرسي: تاريخٌ يحافظ على المشترك الوطني نعم، لكنه يفسح في الوقت ذاته مكانًا للتنوع، وللذاكرات المحلية، وللأصوات التي بقيت طويلاً خارج السردية الرسمية. فكما يحتاج المواطن إلى قصص مشتركة توحّده، يحتاج أيضًا إلى أن يرى نفسه، ومجاله، وذاكرته، داخل تلك القصص لا على هامشها.
وفي ختام أشغال الندوة، وفي سياق مأسسة هذا الحدث العلمي الذي سبق أن انعقد في صورة أولى سنة 2016، رفع المشاركون جملةً من التوصيات تعكس طموحًا حقيقيًا في تحويل هذا اللقاء من مبادرة متقطعة إلى تقليد علمي راسخ، إذ أوصوا بجعل الندوة موعدًا دوريًا يُعقد كل سنة أو سنتين، وبتأسيس لجنة علمية قارة تضمن الاستمرارية والتراكم المعرفي، والعمل على تأمين التمويل اللازم لما سيتأسس ملتقىً دوريًا متخصصًا.

استطلاع
صن نار
-
صن نارقبل 23 ساعةنوبل للفيزياء 2026… البلجيكي الذي غيّر علم الفلك!
-
صن نارقبل 23 ساعةفلسطين: الاحتلال المتشدّق بالديمقراطية… يمنع الانتخابات في القدس وغزّة!
-
صن نارقبل 23 ساعةحاكم كاليفورنيا لترامب: يا مختلّ… هل تدمير لوس أنجلس “ثمن زهيد”؟!
-
اقتصادياقبل يومينبريطانيا: أزمة وقود منتظرة… بسبب إضراب عمّال بحر الشمال
-
صن نارقبل يوميننابلس: المستوطنون يسرقون زيتون الفلاّحين… ويستولون على معدّاتهم
-
صن نارقبل يوميناليمن: القوات الشرعية… تسترجع باب المندب
-
صن نارقبل 3 أيامروسيا ترسل شبكة أقمار صناعية للإنترنت: رئيس أوكرانيا يحرّض عليها… وميدفيديف يحذّر من “حرب فضائية”
-
صن نارقبل 3 أيامليبرمان يقترح: حلّ السلطة الفلسطينية… واقتسام الضفّة مع الأردن!
