تابعنا على

جلـ ... منار

العنقاء الفلسطينية والبحث عن الحرية

نشرت

في

لم يكن هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن “جلبوع” الإسرائيلى شديد الحراسة مشهداً هوليوودياً مقتطعاً من شرائط سينما، بقدر ما كان تعبيراً حقيقياً عن إرادة شعب قابع تحت الاحتلال ينهض مرة بعد أخرى كالعنقاء من تحت الرماد ليؤكد حقه فى الحياة والحرية.

عبد الله السنّاوى

الرموز أهم من الوقائع والسياق يضفى عليها معانيها ورسائلها إلى المستقبل المنظور حيث يوشك الشرق الأوسط أن يدخل مرحلة جديدة بالانسحاب الأمريكى المتوقع من العراق.نحن أمام خرائط متحولة واتصالات واجتماعات تجرى لإعادة ترتيب الأوراق حتى لا تفلت التفاعلات على النحو الذى أعقب الانسحاب العشوائى من أفغانستان.

القضية الفلسطينية عقدة الموقف كله حيث يراد تحجيم إيران بالعودة إلى الاتفاق النووى أو بغيره وتمكين إسرائيل من التمدد بغير ممانعة كبيرة باسم أحاديث مخاتلة جديدة عن السلام والتطبيع وقدرتها على ملء الفراغ الاستراتيجى الذى يعقب الانسحاب الأمريكى بما يحمى مصادر النفط.

هكذا فإن حادث الهروب بتوقيته ومغزاه وتداعياته يتجاوز بكثير وقائعه المثيرة، وملف الأسرى نفسه، إلى مستقبل القضية الفلسطينية بكل ملفاتها المعلقة، القدس والمستوطنات وطبيعة الدولة المقترحة وحق العودة المنصوص عليه فى القوانين الدولية ولا يملك أحد حذفه بجرة قلم.

فى لحظة تأهب لإعادة ترتيب أوزان القوى فى الشرق الأوسط يؤكد الفلسطينيون الحقيقة الأساسية فى اللعبة كلها، أنه لا يمكن المضى فى ألعاب ترتيب الإقليم بتجاهل حقوقهم المشروعة.

أهم رسالة حملها الهروب الكبير “أننا هنا”، أصحاب قضية وأصحاب حق ولا يمكن تجاوز قضيتنا بسطوة القهر.

بالإصرار والدأب على حفر نفق فى زنزانة بملاعق طعام تمكن ستة أسرى من اكتساب حريتهم رغم المطاردات بالطائرات وحواجز التفتيش فى كل مكان والمداهمات التى لاحقت كل من يفترض أنه على علاقة بهم.

كان ذلك معنى رمزياً ملهماً لقدرة الإنسان على تحدى جبروت القوة.

” إسرائيل الآن غوليات والفلسطينيون ديفيد.. وأنا مع ديفيد!”.

هكذا واجه الموسيقار اليونانى “ميكيس تيودراكيس” إسرائيل بحقيقتها على صفحات جريدة “هاآرتس”، مستلهما القصة التوراتية الشهيرة.بصياغة أخرى، مستعيناً هذه المرة بالإرث الإغريقى، فإن إسرائيل المدججة بالسلاح تشبه أسبرطة تحارب شعباً أعزل، نساءً وأطفالاً.

لم يعد ممكناً الادعاء بأن إسرائيل المحاصرة تواجه عالماً عربياً لا يريد أن يعترف بحقها فى الوجود، الحقيقة الماثلة أنها من يقمع ويقتل، يتوسع ويهجر قسرياً، يمارس العنصرية داخل الدولة العبرية نفسها ضد مواطنيها العرب.

القضية الفلسطينية اكتسبت زخمها من عدالتها، وقد جسد “تيودراكيس”، الذى رحل قبل حادث الهروب بساعات قليلة، رمزيتها فى مواقفه المناصرة، فوحدة المصير الإنسانى تلهم أحرار العالم.

فكرة المقاومة داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة تكتسب مشروعيتها من القوانين الدولية رغم فوارق القوة مع سلطات الاحتلال.

بقوة الرموز والمعانى بدا الفلسطينيون فى الضفة الغربية وغزة وخلف الجدار والمخيمات والشتات موحدون وجدانياً مع الأسرى الستة الذين اكتسبوا حريتهم بالأظافر، يوزعون المشروبات والحلوى فى الشوارع احتفالا بالحدث ومغزاه، لا يحفلون كثيراً إلى أى تنظيم سياسى ينتسبون، فهم فلسطينيون أحرار من حقهم الحرية.

أحد الأسباب الإضافية للاحتفاء الفلسطينى بالهروب الكبير هو كسر هيبة المنظومة الأمنية الإسرائيلية وإثبات عجزها أمام إرادة الحياة والحرية بذات قدر كسر هيبة منظومتها الدفاعية أمام صواريخ المقاومة الفلسطينية أثناء الحرب الأخيرة على غزة.

المعنى أنها ليست قوية إلى حد الاستهانة بحقوقنا ووجودنا نفسه، وأننا لسنا عاجزون إلى حد الانصياع لما تقرره.

الحقائق الفلسطينية أكدت نفسها بوحدة وجدان جماعى تشبه ما جرى أثناء الانتفاضة التلقائية دفاعا عن المسجد الأقصى أمام محاولات اقتحامه من جماعات المستوطنين، كما فى “الشيخ جراح” دعماً لأهله ضد محاولات تهجيرهم قسريا.كان ذلك دليلاً مستأنفاً على “وحدة الشعب والقضية” رغم الشقاق والانشطار بين “فتح” و “حماس”، فالقضية أكبر من الفصائل، ولا يمكن تجاوزها بالتدليس والتخاذل.

بدا لافتاً أن الأسرى الستة ينتسبون إلى جنين صاحبة التاريخ المجيد فى المقاومة والتصدى لآلة الحرب الإسرائيلية، قد تجرى ضغوطاً على السلطة الفلسطينية للتعاون الأمنى فى الوصول إلى الأسرى المحررين.

إذا ما حدث ذلك فإنه عار تاريخى لا يمحى.

هم الآن فى حماية شعبهم حتى يصلوا إلى حيث تتأكد سلامتهم، فحادث الهروب يكتسب كامل معناه من البحث الفلسطينى الطويل عن العدل والحرية.

وقد كانت رحلة طويلة ومضنية استبيحت فيها كل حقوقه بقوة السلاح والاغتصاب الاستيطانى والاستخفاف بأية قوانين دولية.

المعانى الرمزية لا تأخذ مداها إلا فى السياق الذى تجرى فيه الحوادث.فى هذه اللحظة بالذات تتواتر من جديد إشارات واجتماعات واتصالات تستهدف إحياء عملية التسوية السياسية دون أن يكون واضحا: على أى أساس؟.. ووفق أية مرجعيات؟

يصعب التعويل على أية تنازلات يمكن أن تقدمها “حكومة نفتالى بنيت”.

إذا ما أقدمت على أية تنازلات تقتضيها أية تسوية مفترضة، فإنها سوف تنهار فورا بالنظر إلى هشاشتها السياسية وتناقضات بنيتها الداخلية.

إن لم يكن ممكناً وقف التوسع الاستيطانى وسياسات التهجير القسرى، فما معنى التفاوض وما قيمة أية تسوية إلا أن تكون إقرارا بالهزيمة النهائية وضياع ما تبقى من حقوق فلسطينية.

التسوية أيا كانت طبيعتها غير مطروحة على جدول الأعمال الإسرائيلى، ما هو مطروح بالضبط المضى قدماً فى تطبيع العلاقات مع الوطن العربى، دولة إثر أخرى، وإحكام الحصار على إيران وطرح نفسها بديلا يملأ الفراغ الاستراتيجى الذى يخلفه الانسحاب الأمريكى المتوقع من العراق.

بمعنى آخر، يقارب الأوهام، تطرح إسرائيل نفسها قوة عظمى إقليمية تعمل فى إطار الاستراتيجية الغربية، تتعاون مع حلف “الناتو”، ودول عربية عديدة باسم التصدى لـ”العدو الإيرانى المشترك”.

هكذا فإن العودة إلى مسار التسوية محض قنابل دخان لا تتجاوز أهدافه حدود تخفيض التوتر دون أدنى تنازلات إسرائيلية.مرة جديدة: سلام بلا أرض ــ بتعبير المفكر الفلسطينى الراحل “إدوارد سعيد”.

قد تختلف ــ هذه المرة ــ المقاربات وتتحول لغة الخطاب من الخشونة المفرطة التى انطوت عليها أطروحات “صفقة القرن” إلى مراوغات تصل إلى نفس النتائج.

نحن أمام عودة محتملة لأحاديث مخاتلة عن السلام دون أن يكون هناك فعل يؤكدها على الأرض، بما يشبه عملية التفريغ للقضية بعوامل التعرية والتجريف والتيئيس.

عند الصدام بالحقائق فإن الأوهام كلها تتبدد، فلا إسرائيل تملك مقومات القوة الإقليمية العظمى، ولا وجودها فى الإقليم طبيعى، ولا العنقاء الفلسطينية مستعدة لرفع الرايات البيضاء.

ـ عن “الشروق” مصر ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار