متابعة وتصوير: جورج ماهر ـ القاهرة
يواصل العرض المسرحي “الملك لير” تألقه على خشبة المسرح القومي، مقدمًا للجمهور تجربة فنية ثرية تجمع بين عظمة النص الشكسبيري، وقوة الأداء التمثيلي، وجمال الصورة المسرحية. ويتصدر النجم الكبير يحيى الفخراني بطولة العرض، مجسدًا الشخصية الرئيسية بأداء يحمل عمقًا إنسانيًا ودراميًا لافتًا، وينتقل بالشخصية بين لحظات القوة والانكسار، وبين صرامة الملك ومشاعر الأب، في أداء يؤكد خبرته الكبيرة وقدرته على تجسيد الشخصيات المسرحية المركبة.
ويشارك الفخراني البطولة الفنان طارق الدسوقي، الذي يقدم أداءً مميزًا يضيف إلى العرض حالة من التنافس الفني الجميل، إلى جانب نخبة من نجوم وفناني العرض، من بينهم أحمد عثمان، تامر الكاشف، أمل عبدالله، إيمان رجائي، ريم عبدالحليم، طارق شرف، محمد العزيزي، عادل خلف، ومحمد حسن.
ما يميز “الملك لير” أن المشاهد لا يشعر بنفسه أمام بطل منفرد، وإنما أمام مباراة فنية متكاملة، يحرص خلالها كل فنان على تقديم أفضل ما لديه، لتتكامل الأدوار والشخصيات في نسيج درامي واحد. ويمنح هذا التناغم العرض قوة خاصة، حيث تتفاعل الشخصيات في ما بينها بصورة تجعل المشاهد يعيش تفاصيل الصراع الإنساني والدرامي الذي يطرحه النص، بينما يحافظ كل فنان على بصمته الخاصة داخل العمل.
وعلى مدى نحو ثلاث ساعات من الفن والإبداع، يعيش الجمهور تفاصيل عالم “الملك لير”، وسط تصاعد درامي يحافظ على انتباه المشاهد، ويمنحه فرصة للاستمتاع بأداء مجموعة كبيرة من الفنانين في عمل يجمع بين القيمة الأدبية وجمال العرض المسرحي.
ولا تقتصر عوامل نجاح العرض على الأداء التمثيلي، وإنما تمتد إلى مختلف عناصره الفنية التي أسهمت في صناعة الصورة النهائية للعمل. فقد تولى أحمد الناصر التأليف الموسيقي، بينما جاءت الاستعراضات من تصميم ضياء شفيق، وتصميم الإضاءة لمحمود الحسيني “كاجو”، فيما تولى علاء علي تصميم الملابس، وحمدي عطية تصميم الديكور. كما أمّن إسلام عباس أعمال المكياج، وجاءت الترجمة باسم فاطمة موسى، بينما يقف خلف الرؤية الإخراجية للعرض المخرج شادي سرور، الذي جمع هذه العناصر المتعددة في رؤية مسرحية متكاملة تخدم النص والشخصيات وتدعم الحالة الدرامية للعمل.
ويؤكد “الملك لير” أن الأعمال الكلاسيكية تظل قادرة على الوصول إلى الجمهور والتفاعل معه عندما تقدم برؤية فنية واعية، وبأداء يمتلك القدرة على إعادة تقديم النص بروح حية. وفي هذا العرض، يلتقي النص العالمي لشكسبير مع خبرات مجموعة من الفنانين، ليقدم للجمهور عملا يجمع بين الدراما والتشويق وقوة الأداء وجمال الصورة المسرحية.
وتتواصل عروض “الملك لير” على خشبة المسرح القومي أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد من كل أسبوع، في تجربة مسرحية تستحق المتابعة من عشاق المسرح والفن الراقي.
ولم يتوقف حضور “الملك لير” عند الجمهور المصري، فقد سبق للعرض أن قدم على خشبة مدينة الثقافة في تونس ضمن فعاليات أيام قرطاج المسرحية، حيث حظي باستقبال جماهيري لافت، وتوافدت أعداد كبيرة من الجمهور التونسي لمتابعة العرض. وشهد محيط قاعة العرض مشهدًا يعكس حجم الاهتمام بالعمل، حيث احتشد الجمهور وتجمع قبل موعد العرض بنحو ثلاث ساعات، انتظارًا لفتح أبواب الدخول، في إقبال جماهيري لافت على المسرحية ونجومها. ويعكس هذا الحضور أن “الملك لير” استطاع أن يتجاوز حدود المكان، وأن يصل إلى جمهور عربي متذوق للمسرح، ليظل العمل شاهدًا على قدرة الفن الحقيقي على التواصل مع الجمهور، مهما اختلفت البلدان والثقافات.