واشنطن ـ وكالات
اشتباكات كر وفر، وقنابل غاز مسيل للدموع، وسيارات تحترق في شوارع مدينة مينيابوليس بولاية مينيزوتا الأمريكية، هذا ما بدا عليه المشهد المضطرب الذي أعاد مصطلحات “الحرب الأهلية”.
وللمرة الثانية خلال جانفي/ كانون الثاني الجاري، تُظهر مقاطع فيديو حادثة قتل أحد المواطنين في مينيزوتا برصاص عناصر فيدراليين من المسافة صفر ودون داع مُلِحّ.
في المرتين، تمسّك المسؤولون بروايتهم الدفاعية وصعدوا من حدة الخطاب السياسي، وسط غضب شعبي متزايد وتحذيرات من اندلاع حرب أهلية بسبب حملة ترحيل المهاجرين التي باتت تستهتر بحياة المواطنين.
في شوارع مينيابوليس السبت، طرح مسلّحون مقنعون من إدارة الهجرة والجمارك “آيس”، الممرض أليكس بريتي (37 عاما) أرضا، وقتلوه بإطلاق النار عليه أثناء تثبيته.
الواقعة حدثت على بعد ميل واحد تقريبًا من مكان قتل السيدة رينيه غود (37 عاما)، بإطلاق النار عليها في 7 جانفي/كانون الثاني الجاري.
قُتل بريتي وسط احتجاجات يومية واسعة تشهدها المدينة منذ مقتل غود، عندما أطلق ضابط من “آيس” النار عليها وهي داخل سيارتها.
في مينيابوليس، تعرض سياسيون محليون للعنف من جانب عناصر “آيس”، وطُرد طلاب من مدارسهم بغاز مسيل للدموع، وسُحب سائقون من سياراتهم، وفقا لصحيفة “الغارديان” البريطانية.
وحتى بعض الأمريكيين الأصليين، عاش أسلافهم فيها قبل تأسيس الولايات المتحدة، تم إيقافهم واستجوابهم، فمجرد تصوير هؤلاء العناصر (من إدارة آيس) يكفي لتصنيف الشخص “إرهابي داخلي”، بحسب الصحيفة.
وتنديدا بمقتل بريتي، تظاهر محتجون في مدينة نيويورك، ورفع مشاركون لافتة مكتوب عليها: “مينيسوتا بدأت الأمر وحان وقت إغلاق وطني شامل”.
وزارة الأمن الداخلي بررت سريعًا الحادثة، وادعت في بيان لها أن بريتي اقترب من عناصر حرس الحدود حاملا مسدّسا، وأنه بدا وكأنه يحاول “ارتكاب مجزرة بحق قوات إنفاذ القانون”.
وحسب موقع “أكسيوس” الأمريكي تُظهر مقاطع فيديو من مكان الحادث أن بريتي كان يحمل هاتفا خلويا وليس سلاحا، قبل أن يُطرح أرضًا، ولا توجد لقطات تُظهره وهو “يهز سلاحه”، كما ادعت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم.
فيما أشاد قائد دوريات حرس الحدود غريغوري بوفينو بالعناصر الفيدرالية الذين أطلقوا النار، وقتلوا الممرض.
وقال بوفينو، في برنامج “حالة الاتحاد” على شبكة “سي إن إن” الأحد، إن “المشتبه به وضع نفسه في هذا الموقف. الضحايا هم عناصر حرس الحدود الموجودون هناك”.
في المقابل، هاجم حاكم مينيسوتا، الديمقراطي تيم والز، رواية إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، واصفًا إياها بـ”الأكاذيب”.
ووجه والز رسالة إلى الأمريكيين حثهم فيها على التعبير عن آرائهم ونبذ الخلافات السياسية.
وقال: “يحق لكم أن تقرروا في أي وقت أنكم لم تعودوا موافقين على هذا الأمر، إذا كنتم قد صوّتم لهذه الإدارة”.
و”أطلب منكم ألا تقفوا مكتوفي الأيدي، بل أن تتحدثوا بصراحة وأن تشاركوا ما ترونه وأن تحثوا الآخرين على تنحية السياسة جانبًا. لم نعد نخوض نقاشًا سياسيًا، بل نقاشًا أخلاقيًا”، بحسب والز.
وتابع: “هذه نقطة تحول يا أمريكا، إذا لم نتفق جميعًا على أن تشويه سمعة مواطن أمريكي وتلطيخ كل ما دافع عنه، ومطالبتنا بعدم تصديق ما رأيناه، أمرٌ مرفوضٌ تمامًا، فلا أدري ما أقول لكم”.
ومضى قائلا: “حاولوا للحظة أن تتجاهلوا الجانب السياسي للموضوع، وأن تعودوا إلى جوهره الإنساني”.
والز دعا ترامب إلى سحب 3 آلاف عنصر من قوات إنفاذ القانون الفيدراليين من مينيابوليس.
ويتصاعد التوتر بين المسؤولين الديمقراطيين في الولاية وبين ترامب وغيره من القادة الجمهوريين، الذين يتهمون الديمقراطيين بتأجيج المعارضة.
وقال ترامب عبر منصته “تروث سوشيال”: “يحرّض رئيس البلدية والحاكم على التمرد بتصريحاتهما المتغطرسة والخطيرة والمتعجرفة”.
لكنه عاد فأكد أن إدارته تنظر في العنف الذي تمارسه إدارة الهجرة والجمارك بالتعامل مع الاحتجاجات.
وفي مقابلة مع صحيفة “وول ستريت جورنال”، الأحد، علَّق ترامب على مقتل بريتي، قائلا: “ما كان ينبغي له أن يحمل سلاحا في الاحتجاجات”.
وأردف: “أنا لا أؤيد أي شكل من أشكال العنف المسلح، وخاصة لا أؤيد ذهاب شخص ما إلى احتجاج حاملا سلاحا قويا ومحشوا تماما وذخيرة احتياطية”.
التطور الأخطر في المشهد المضطرب ما رصده موقع “المؤسسة السوداء” الأمريكي، المعني بأحوال المجتمع الأمريكي الإفريقي، من إحياء لحركة “الفهود السوداء”.
وهذه الحركة تأسست عام 1966 بولاية كاليفورنيا، للدفاع عن حقوق الأمريكيين من أصل إفريقي ضد عنف الشرطة حينها.
الحركة الجديدة أطلقها رجل يدعى بول بيردسونغ من مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، وتقول إنها تستلهم إرث الحركة الأصلية، وإنها تلقت تدريبًا من بعض أعضائها الباقين على قيد الحياة.
ومؤخرا برز أفراد من الحركة في مظاهرات مناهضة لإدارة الهجرة والجمارك أمام مبنى بلدية فيلادلفيا، حاملين أسلحة عسكرية مرخصة قانونيًا، دعماً للمتظاهرين، بحسب موقع “المؤسسة السوداء”.
وقال بيردسونغ لصحفيين: “لم يكن ليحدث ذلك لو كنا هناك، لم يكن أحد سيتعرض للأذى”.
ولخصت “الغارديان” المشهد المضطرب في مينيسوتا بالقول إن “الرعب في مينيابوليس يذكر بالحرب الأهلية (1861 – 1865)”.
واعتبرت أن “مقتل بريتي قد يشكل لحظة حساب للديمقراطيين لوضع حد لسياسات ترامب في شن الحرب على شعبه”.