تابعنا على

جور نار

سيدي الرئيس … زوّد الصنّارة بما يناسب السمك !

نشرت

في

طبعا لست من الذين رفعوا عقيرتهم بالصراخ مطالبين بالتراجع عن “الانقلاب”، ستستغرب سيدي الرئيس إن أسميت ما أتيتموه انقلابا …لأني على يقين أنه انقلاب…نعم انقلاب محمود في البعض من جزئياته…لكن على ماذا يا ترى؟ هو أولا انقلاب على ما وقع الاتفاق عليه في اجتماع باريس، فاتفاق باريس كان شبه اتفاق دائم بين الأطراف التي هندسته، فهؤلاء نسوا أو تناسوا أن تونس تعيش على رمال متحرّكة يستحيل معها الحفاظ على استقرار سياسي في أعلى هرم السلطة، ويستحيل معها استنساخ نتائج محطة انتخابية مع محطّة أخرى…

***

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

وهو ثانيا انقلاب على منظومة أنتم أحد أطرافها الثلاثة…والانقلاب في أبـسط تعريفاته هـو الإطـاحـة بـالـسـلـطـة الـشـرعـيـة بطريقة غـيـر شرعيـة، لكن في حالتنا هذه فالسلطة الشرعية انقلبت على نفسها وغيّرت المواقع، ولها الكثير من المبررات التي تُلزمها بالانقلاب على جزء منها…فلو انتظرتم سيدي الرئيس لشهر واحد فقط لتعلنوا “انقلابكم” لكان الانقلاب شاملا على كل المنظومة ولكان المشهد مخالفا تماما عمّا نعيشه اليوم…أو لكان انقلاب بقيّة أجزاء المنظومة عليكم سيدي الرئيس…ولأصبحتم في عداد العاطلين عن العمل، السياسي طبعا…وثالثا هو انقلاب ستحصدون كل ثماره وستستفيدون منه …لكن هل سيحصد الشعب معكم شيئا يا ترى، وهل سيستفيد مما فعلتم سيدي الرئيس…ورابعا هو انقلاب عقابي نأمل أن لا يزيد الطين بلّة…فأنتم عاقبتم بعضكم أو جزءا من منظومتكم بسبب فشلها في القيام بما يقع على عاتقها، وهنا علينا أن نسأل أيضا، هل قمتم أنتم بما يقع على عاتقكم ألستم أحد أضلع هذه المنظومة؟ وهل ستقبلون بعقاب الشعب غدا إن أخفقتم في ما يقع على عاتقكم؟ فأنتم لا تمتلكون تلك العصا السحرية للنجاح…والنجاح غير مضمون بعد كل ما حصل في البلاد خلال عشرية كاملة من التخريب والتدمير الممنهج…

***

إذن سيدي الرئيس، أنتم أكبر المستفيدين مما حصل ويحصل اليوم، فأنتم استحوذتم على كل السلطات لمدّة معلومة قابلة للتمديد، ستغيّرون خلالها ما يعرقلكم عن أداء عملكم وإنجاز بعض وعودكم لمن انتخبوكم، والله يعلم أننا لا نعلم إن كنتم ستمدّدون في مدّة “استيطان” السلطة إلى ما لا نهاية أم ستعيدون البعض من “مستوطنات” الحكم إلى من افتككتم منهم نصيبهم من السلطة والحكم…فبالفصل 80 من الدستور انقلبتم على من انقلبوا عليكم…وغدا بالفصل 163 من القانون الانتخابي قد تخرجون الجميع من تحت قبّة باردو وقد تقايضونهم من أجل مصلحة عليا لوطن يتألم…فأنتم وسعتم صلاحياتكم…لكن ضيّقتم الخناق على أنفسكم دون أن تكونوا على بيّنة من الأمر…فاليوم أنتم من سيحاسبه الشعب عن كل فشل أو انهيار … ولا أحد غيركم…

هل ستنجحون في ابعاد أصحاب الولاءات الأجنبية وهم كثر في مشهدنا؟ هل باستطاعتكم أن تساعدوا البلاد على أن تنهض من جديد بين كل هذه الأنقاض، وبعد كل هذا الدمار والانهيار؟ هل بإمكانكم، وهل ستنجحون في تغيير عقلية ساستنا من عقلية السمسرة إلى عقلية النزاهة؟ هل ستغامرون وستكون لكم الشجاعة في أن تقولوا لا للاتحاد وأن توقفوا مهزلة الاقتطاع الآلي…وهل…وهل…كلها أسئلة نسمعها اليوم من ألسنة المواطن المسكين…فالمواطن التونسي اليوم يحقّ له أن يحلم…ويحقّ له أن يرى أحلامه تتحقّق…فمجرّد ابعاد النهضة عن المشهد الحاكم كان حلما…فأصبح حقيقة…

سيدي الرئيس، مشكلة هذا الشعب ليست في ما فعلتموه إن كان انقلابا أو فقط عملية إنزال سياسي من أجل توسيع صلاحياتكم وتغيير ما لا يمكن تغييره تحت قبّة باردو…المشكلة تكمن في أن السلطة التي انقلبتم عليها وأوصلتنا إلى ما نحن فيه هي سلطة فاسدة ساقطة ومجرمة لم تلتفت يوما لوجع شعبها…ولم تكترث بمآلات أفعالها…فهذا الشعب لم يعد يكترث من يكون رئيس الحكومة ومن يكون الوزير، ومن يكون من حول الوزير فالنتيجة عندهم واحدة، ولن يتغيّر حالهم بمجرّد تغيير الأسماء…فالشعب يعيش منذ عشر سنوات أو يزيد في قبضة سلطة قتلت شعبها وخربت اقتصاد بلدها…دمرت القضاء والتعليم والصحة…وكل القطاعات المنتجة  وغير المنتجة…أحبطت جيلا بأكمله أصبح يجد في الانتحار غرقا في المتوسط حلاّ لجميع مشكلاته…

***

هل تسمحون سيدي الرئيس أن أسألكم، وأنا على يقين أني قد أُعدم أو قد أُسجن أو قد أحَاسب حسابا عسيرا من أجل تطاولي على مقامكم، ومقام انقلابكم بأسئلتي هذه وبما كتبت، وأنتم اليوم تملكون كل تفاصيل الحكم وكل ما يسمح لكم بالاستبداد إن أردتم طبعا ولا أظنّ أنكم ستستبدون يوما…ولأني سُعدت بالانقلاب كأغلب أبناء هذه البلاد…ولكل سبب سعادته، فأغلب من خرجوا يبايعونك يوم أعلنتم الاستحواذ على بقية السلط، خرجوا فقط لأنكم أبعدتم النهضة وشيخها عن هرم السلطة والحكم…ولا أحد منهم حين خرج فكّر في الوطن وفي انهيار البلاد اقتصاديا وسياسيا…جميعهم نسوا أن النهضة ومن معها تسببوا في كل ما نحن فيه ووجب محاسبتهم قبل ابعادهم…جميعهم وقعوا في الفخّ…هذا الفخّ الذي نعاني منه منذ انتخابات 2014 …فالباجي استعمل النهضة للوصول إلى الحكم ثم أجلسها إلى جانبه وجالسته وداعبها وداعبته حتى مات رحمه الله وأورثنا تركة مؤلمة أوجعتنا كثيرا…وبعض الأحزاب اليوم تستعمل النهضة أيضا لرفع حجم مخزونها ومضاعفة عدد أنصارها…وأنتم اليوم سيدي الرئيس تدغدغون مشاعر وأمزجة أتباعكم وأنصاركم وبقية مكونات المشهد بضربكم للنهضة وشيخها…أتدرون سيدي الرئيس أن هناك من كانوا سببا في ما نحن فيه بحجم النهضة أو أكثر وليسوا من الأحزاب…أتدرون…

شخصيا لست ضدّ ما فعلتم لكن خوفي من الآتي هو سبب ما كتبت…فأنتم في نهاية الأمر أنقذتم البلاد حتى إشعار آخر…لكنكم أيضا أنقذتم النهضة ومن معها ووضعتم الحبل، وأقصد حبل مسؤولية وتبعات الحكم الذي كان يلف رقبة المنظومة وعلى رأسها النهضة برقبتكم…فأنتم من سيتحمّل مستقبلا جوع الجائع…وبكاء المظلوم…وخيبة الفشل…ومرض المسنّ…وألم فراق الشهيد…ونحيب الثكالى…وغيرها من أوجاع الشعب والأمة…فأنتم اليوم “مولاها” ومن يتحمّل كل أوجاعها وأوجاع شعبها…فهل أنتم على بينة مما فعلتم وما تفعلون؟ فأنتم، وأنتم فقط بعد أن هربت النهضة ومن معها بجلدها …أقول أنتم فقط من ستحاسبون عن فشل أو نجاح هذه العهدة وهي إلى الفشل والخراب أقرب بما تركته لكم منظومة الخراب…وأظنكم  واعين بهذا الأمر وما ينتظركم…

سيدي الرئيس ليس أمامكم الكثير من الوقت وأنتم أمام أصعب مهامكم، وطريقكم ستكون مزروعة ألغاما…وفخاخا…وعليكم وهذا الأهمّ أن تحقّقوا وفي زمن قياسي إنجازا ولو صغيرا ترسلون به رسالة طمأنة للداخل والخارج…فدون طمأنة لا أظنّ أن هذا الشعب الموجوع سينتظر كثيرا قبل العودة إلى الشارع…ولا أظنّ أنه لو خرج سيعود قبل تغيير ما يراه صالحا لأجيالنا القادمة…

هم سعدوا لأنكم أبعدتم النهضة…وأنا سعدت بما سعدوا لكن سُعدت أكثر لأنكم أقلتم المشيشي السبب الأكبر لما نحن فيه…لكن هل هذا كل ما نريده فقط منكم سيدي الرئيس؟ هل أن مشكلاتنا هي فقط كيف نُبعد المشيشي لأنه انقلب علينا وارتمى في أحضان شيخ النهضة…وهل أصبحت النهضة وطنا حتى تكون هي مشكلتنا ألم تفسد في الأرض عشر سنوات؟ أنسيتم أن النهضة أعطتكم نصف مليون من أصواتها لأنها كانت ترى فيكم شبيها بمن سبقكم على كرسي قرطاج…أنسيتم أن المشيشي هو من وقع عليه اختياركم؟ إذن فأنتم اليوم انقلبتم على من كانوا إلى وقت غير بعيد سندا لكم، فهل لكم القدرة على تحمّل تبعات الفشل وهو الأقرب من كل الفرضيات الأخرى غدا… فمن كانوا سندا لكم أصبحوا خصوما يحاربونكم بما أوتوا من قوّة؟

***

هل ستخرجون البلاد من أزمتها؟ وهل ستنجحون في حلّ أغلب معضلاتها… المديونية… تراجع مخزوننا من العملة… شلل تام في الاستثمار والتنمية… المعاناة الاجتماعية… الحاجة الى الاصلاحات…هل ستنجحون في مقاومة الفساد وهو جزء هام من المنظومة الحالية؟ هل سترفعون المظالم التي ارتكبت في حقّ كل كفاءات البلاد سنة 2011؟ هل ستنجحون في كسب معركتكم الأولى والأهمّ اليوم، حربكم على الوباء؟ والأهمّ هل ستنجحون في مصالحة هذا الشعب بعضه ببعضه…هل ستنجحون في تخفيض نسبة الحقد التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم؟ أتدرون أن سقف انتظارات هذا الشعب أصبح مرتفعا جدا فهل سترفعون التحدّي؟

***

سيدي الرئيس…شعبكم وأنصاركم واتباعكم، ومن أسكرتهم “خمرة” قراراتكم، فخرجوا دون وعي منهم، دون احترام لبرتوكول التباعد الجسدي ولبس الكمامة، يبايعونكم ويصرخون “الله احد وقيس ما كيفو حدّ” سيستفيقون من سكرتهم بعد أن تُكملوا وضع بقية تفاصيل تحويل ملكية مستوطنات الحكم باسم مقامكم، أقول شعبكم سيخرج ليطالبكم بما وعدتموه…وبدفع الدين الذي بذمتكم….أتدرون سيدي الرئيس…أن العاطل سيسألكم عملا…وإن لم يجد فسيدير وجهه عنكم….والمظلوم سيسألكم العدل فإن لم تعدلوا بسبب أو بآخر… فإنه سيدير وجهه عنكم…والمريض سيسألكم توفير مصحة أو مستشفى بقريته لأن زوجته ماتت وهي في الطريق إلى العاصمة لإجراء عملية قيصرية…فإن لم توفروا له ما يريد …فإنه سيدير وجهه عنكم…والمسجون ظلما سيسألكم العفو فإن عجزتم …فإنه سيدير وجهه عنكم…والذي نهبت الدولة أمواله سيسألكم حقّه فإن أبيتم…فإنه سيدير وجهه عنكم…ومن منعوا عنه جواز سفره سيسألكم حقّه، فإن رفضتم…فإنه سيدير وجهه عنكم…وأبناء الشهيد الذين يموتون جوعا سيسألونكم دم والدهم، فإن أطلتم الردّ…فإنهم سيديرون وجوههم عنكم…والمدوّن الذي سجنتموه ظلما سيسألكم عدلكم، فإن أدرتم له وجهكم…فإنه سيدير وجهه عنكم…والكفاءة التي ظلمت وحرموها من ترقيتها وجُمدت في رتبتها ستسألكم عدلكم وحقّها، فإن تغافلتم…فإنها ستدير وجهها عنكم…والجائع الذي لم يجد قوت يومه وما يسدّ به رمق أطفاله سيسألكم مالا وصدقة، فإن أبيتم…فإنه سيدير وجهه عنكم…هذا جزء بسيط مما ينتظركم سيدي الرئيس…فهل أنتم واعون بما فعلتم…وهل أنتم على وعي بما ينتظركم وما ستفعلون؟

سيدي الرئيس، وأنتم تستعدون للإعلان عن حكومتكم…أول حكومة ستختارونها بالكامل…هل فكّرتم فعلا في كفاءات البلاد التي أبعدت….وكفاءات البلاد التي شرّدت…وكفاءات البلاد التي ظلمت…أتحتاج هذه الأرض إلى كل أبنائها…سمعنا كثيرا في أغلب خطبكم عن العدل…وعن الحقّ…وعن نظافة اليد…لا أحد منّا …وليس خوفا ولا مدحا يشككّ في نظافة يدكم… وفي نزاهتكم…فهل أنصفتم من ظلموا…وأياديهم نظيفة…وهل أنصفتم كفاءات المنظومة السابقة التي تواصل المنظومة التي انقلبتم عليها هرسلتَهُم والتنكيل بهم كل أسبوع بالمحاكم…أتريدون أن يحبكم الشعب…كل الشعب…أعدلوا بين من كانوا في الحكم قبل 2011 ولم يفسدوا وبين من حكموا بعد 2011 ولم يفسدوا….ونحن نعلم أنكم تعلمون أن من أفسدوا بعد ذلك التاريخ هم أضعاف أضعاف من افسدوا قبله…

***

سيدي الرئيس، سيحوم حولكم الكثيرون…وسيتقرب منكم الكثيرون…وسيهجر بعضهم أحزابهم ولودّكم سيخطبون…سيجتمع حولكم الكثيرون وفي بعض المواقع يرغبون…منهم من هم من عائلتكم…ومنهم من هم من اصهاركم…ومنهم من هم من أصدقائكم…فلا تستمعوا إلا لما يمليه عليكم ضميركم…والحقّ…فكل من سبقوكم هناك على كرسي بورقيبة العظيم…وبورقيبة نفسه… خُدعوا…من أقرب الناس إليهم…فأخطأوا كثيرا…ولم يعدلوا في بعض الحالات…وظَلموا دون أن يعلموا أنهم ظَلموا…فاعتبر سيدي الرئيس…اعتبر من كل أخطاء من سبقوك…

***

سيدي الرئيس الأكيد أنكم قرأتم في أسباب ما نحن فيه…والأكيد أنكم شخّصتم الوضع جيدا…فليست الأحزاب وحدها التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه… ابحثوا عن الأسباب…فمن يا ترى أوقف انتاج نفطنا…ومن يا ترى عطّل انتاج فسفاطنا…ومن يا ترى اغلق معاملنا…ومن يا ترى خرّب اقتصادنا…ومن يا ترى أبعد عنّا استثمارات الأجانب بيننا…ومن يا ترى ضاعف حجم كتلة أجورنا…ومن يا ترى ساهم في إضعاف إنتاجنا…ومن يا ترى قطع طرقنا…ومن يا ترى يجلس مع كل حكوماتنا يفرض خياراته عليها…ويشاركنا الحكم في أدقّ أدقّ تفاصيله…

***

سيدي الرئيس، سيقايضونك في ألف قضية وقضية…وسيضيّقون عليك الخناق يوم ترفض طلبا لهم…وسيهددونك بالإضراب العام وغلق مواقع الإنتاج…فأعلن قبل فوات الأوان…أعلن مواقع انتاجنا مواقع عسكرية… فجيشنا الوطني هو ضمانة الدولة والأمن والاستقرار…

سيدي الرئيس، لا تلوموني فأنا لست ممن يحبون الثناء ويجيدون المدح، لذلك فلا تنتظروا مني ثناء ومدحا…فأنا لست ممن يتملقون ليخبروكم بما تظنونه عن نفسكم وهو ربما ليس فيكم، طمعا في موقع أو ترقية أو مال…

سيدي الرئيس أختم رسالتي لأقول أن السمك يفضّل الديدان لذلك عندما أذهب للصيد لا أفكّر في ما أريده أنا من لحم ومن فاكهة بل في ما يريده السمك…لذلك أقول لكم سيدي الرئيس، استعملوا نفس الإدراك لكسب الرجال زوّدوا الصنّارة بما يناسب السمك…وأضيف…حدّثوا شعبكم بما يرغب فيه لا بما ترغبون فيه أنتم…وأكشفوا له الحقيقة الكاملة عن وضع البلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا…فهو ينتظر الكثير…في زمن قصير…فقد يهادنكم…ويصبر عليكم…إن أخبرتموه بوجع الوطن…هو يريد منكم أن تروا ما يرى…وأن تسمعوا ما يسمع…وأن تقولوا ما يقول…وأن تشعروا بما يشعر…دون ذلك فلن يهادنكم…ولن يصبر…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار