تابعنا على

جلـ ... منار

صهاينة أحفاد عملاء الـ«غستابو» في الشيخ جرّاح وغزّة

نشرت

في

يصحّ، دائماً في واقع الأمر وليس بين حين وآخر فحسب، العودة إلى تلك المؤلفات التي تتناول الهولوكوست وتبدو غريبة للوهلة الأولى لأنها تضع المرجعية الصهيونية، مؤسسات وممثلين على نحو متّحد، في موقف مواجهة تآمرية ضدّ اليهود أنفسهم؛ وفي حال تواطؤ مع ألدّ أعداء اليهود، في أوروبا على الأقلّ، أي الإيديولوجية النازية ومؤسساتها وجيشها وأجهزتها، وفي ملفّ مأساوي فريد هو الهولوكوست وما سُمّي بـ«الحلّ النهائي». ولا مناص، في المقابل، من أن العودة إلى تلك المؤلفات تكتسي بطابع خاصّ ملحّ، حين تتكشف هذه أو تلك من الركائز الزائفة للصهيونية، أو هذا الوجه أو ذاك من بواطنها الفاشية، تماماً كما يحدث اليوم في القدس وغزّة.

صبحي حديدي*


وهذه السطور سوف تبدأ من كتاب يوسيف غرودزنسكي، أستاذ الألسنيات في جامعة تل أبيب، والذي صدر بالعبرية أولاً في سنة 1998، ثمّ في نسخة إنكليزية منقحة سنة 2004، تحت عنوان «في ظلّ الهولوكوست: الصراع بين اليهود والصهاينة في أعقاب الحرب العالمية الثانية». موضوع الكتاب، باختصار شديد كافٍ في ذاته، هو التالي: دور المشاركة المباشرة الذي لعبته المؤسسة الصهيونية وعدد من كبار الصهاينة في مختلف وقائع الهولوكوست، خلال أربعينيات القرن الماضي؛ ودورها في تحويل الفاجعة الإنسانية إلى صناعة دعائية، وكيف انطوى ذلك الدور على تواطؤ مباشر صريح بين بعض القيادات الصهيونية وكبار ضبّاط الرايخ الثالث المسؤولين عن تصميم وتنفيذ ما عُرف باسم «الحلّ النهائي» لإبادة اليهود.


خلاصة مفاجئة بالطبع، ولكن للوهلة الأولى فقط، لأنّ التفاصيل المذهلة التي يسوقها غرودزنسكي، بعد سيرورات تنقيب ونبش وبحص مضنية شملت عشرات الوثائق الصاعقة والأدلة الصادمة؛ تضع المفاجأة جانباً، وتستبدلها بمعادلات منطقية لا خلاف حولها، بصدد استعداد صهاينة تلك الأزمنة للدخول في كلّ وأية صفقة تسهّل إقامة «دولة يهودية» في فلسطين التاريخية، حتى إذا كانت الدروب إلى هذا الهدف سوف تُعبّد بأرواح آلاف اليهود. إلى هذا فإنّ الكثير من الوقائع التي يرويها غرودزنسكي ليست جديدة، وقد أتى على ذكرها عدد من مؤرّخي الرايخ الثالث، وعدد آخر من المؤرخين اليهود أنفسهم؛ لكنّ جديد «في ظلّ الهولوكوست» كان أنه هذه المرّة يتناول التفاصيل وقد وُضعت في سياقات تخصّ جانباً محدداً بعينه.
ذلك الجانب تحتويه الأسئلة التالية: كيف جرى، ويجري، تسويق الهولوكوست لأسباب سياسية صرفة تطمس، وأحياناً تشطب تماماً، سلسلة الوقائع الإنسانية التي تسرد عذابات الضحايا وآلامهم وتضحياتهم؟ وكيف جرى، ويجري، الضغط على ضحايا الهولوكوست أنفسهم، وأحفادهم من بعدهم، للهجرة إلى فلسطين المحتلة رغم إرادتهم غالباً؟ وكيف استقرّ دافيد بن غوريون على الرأي القائل بضرورة تضخيم حكاية سفينة «الخروج» الشهيرة، سنة 1947، كي تشدّ أنظار العالم إلى مأساة اليهود وتستدرّ العطف عليهم والتعاطف مع الوكالة اليهودية التي كانت تقوم مقام دولة الاحتلال الراهنة؟ وكيف أنّ الحقيقة الأليمة خلف حكاية السفينة لا تنطبق، أبداً، على الجوانب الملحمية البطولية كما جرى تلفيقها في رواية ليون أوريس الشهيرة، وفي فيلم أوتو بريمنغر الأشهر…

ليست مبالغة أن يُرى أبناء وأحفاد عملاء الـ»غستابو» ونازية الأربعينيات وهم يرتكبون الجرائم والفظائع في حيّ الشيخ جراح وباحات المسجد الأقصى وباب العامود وقطاع غزّة، فضلاً عن اللد وأمّ الفحم وحيفا

والملفّ يشتمل خصوصاً على «قضية كاستنر»، التي بدأت فصولها سنة 1945 حين بادر اليهودي الهنغاري مالكئيل غرينفالد (أحد الناجين من الهولوكوست، وكان يومئذ يبلغ من العمر 72 سنة) إلى نشر كرّاس صغير يتهم فيه اليهودي الهنغاري رودولف كاستنر (الذي كان قيادياً صهونياً بارزاً وأحد أقطاب الـ«ماباي»، حزب بن غوريون)، بالتعاون مع النازيين خلال سنتَي 1944 و1945. لقد وافق الأخير، بعد تنسيق مباشر مع الضابط النازي المعروف أدولف إيخمان قائد الـ«غستابو» آنذاك، على «شحن» نصف مليون يهودي هنغاري إلى معسكرات الإبادة، بعد أن طمأنهم كاستنر وبعض معاونيه إلى أنّهم سوف يُنقلون إلى مساكن جديدة؛ حتى أنّ البعض منهم تسابقوا إلى صعود القطارات بغية الوصول في توقيت أبكر، والحصول على مساكن أفضل! وكان الثمن إنقاذ حياة كاستنر وبعض أقربائه، ثمّ غضّ النظر عن هجرة 1600 يهودي إلى فلسطين.
وهذا الكرّاس تحوّل إلى قضية حين رفع كاستنر دعوى أمام القضاء الإسرائيلي ضدّ غرينفالد، بتهمة تشويه سمعته. وبعد أخذ وردّ أصدر القاضي بنيامين هاليفي حكمه بأنّ كاستنر تعاون بالفعل مع النازيين و«باع روحه للشيطان». المثير أنّ كاستنر قرّر استئناف الحكم، لكنه اغتيل في عام 1957 في ظروف غامضة، الأمر الذي تشكك فيه االمؤرخة الإسرائيلية إديث زيرتال في كتابها «الموت والأمّة: التاريخ، الذاكرة، السياسة»؛ وتعزو اغتياله إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لأنّ وجوده على قيد الحياة بات مصدر إحراج للدولة. ولكي يفضح القضاء الإسرائيلي، مجدداً، أكذوبة توصيف الكيان الصهيوني بدولة قانون، برأت المحكمة العليا كاستنر بعد وفاته؛ الأمر الذي لم يطمس حقيقة أنّ القضية كانت قد حطّمت – للمرّة الأولى منذ بدء فصول الهولوكوست – الحدود شبه المقدّسة بين الضحية والقاتل، وأسقطت الحصانة المطلقة التي تمتّع بها اليهودي في المسؤولية عن الهولوكوست.
وإذْ يستعرض غرودزنسكي سلسلة الأسباب التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب، يشير إلى نهج صهيوني رئيسي خلال الأربعينيات مفاده قسر اليهود على الهجرة إلى فلسطين، ويكتب التالي: «بينما جرى ربط تأسيس الدولة بنزاع مع العرب حول الأرض، فإنّ الأمر انطوى أيضاً على نزاع مع اليهود حول البشر. وإذا كان الكثير قد كُتب حول الجانب الأوّل، فإنّ القليل فقط تناول الجانب الثاني، وهذا الكتاب محاولة لسدّ الفراغ عن طريق تركيز عدسة نقدية على الحركة الصهيونية ما قبل الدولة».
وغرودزنسكي يقتبس إسحق رابين (الذي يوصف عادة بأنه «نبيّ السلام»، حتى عند بعض فلسطينيي تمجيد اتفاقيات أوسلو) في مدائحه للعسكريين اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين، طواعية هذه المرّة وليس إرغاماً. لكنه يتناسى، إذْ يصعب على مؤرخ مثله أن ينسى، أنّ رابين نفسه لم يشارك، سنة 1993 بصفة رئيس حكومة الاحتلال، في إحياء الذكرى الخمسين لانتفاضة غيتو وارسو إلا بعد أن حرص قبيل سفره على تحويل الضفة الغربية وقطاع غزة إلى «غيتو فلسطيني» بشروط أسوأ مما كان عليه الغيتو الذي ذهب يستعيد ذكراه.
وللراغب(ة) في الاستزادة حول التعاون النازي الصهيوني، ثمة الوقائع التي ساقها سنة 2017، عمدة لندن الأسبق كين لفنغستون بصدد اتفاقية الترانسفير الموقعة في آب (أغسطس) 1933 بين وزير الاقتصاد النازي، والرابطة الصهيونية في ألمانيا، وممثل بنك الأنغلو – فلسطين الذي كان تحت إدارة يهودية. ومن المعروف أنّ تصريحات لفنغستون حول هذه القضية تسببت في فصله من حزب العمال البريطاني. هنالك، أيضاً، كتاب «51 وثيقة: التعاون الصهيوني مع النازيين»، الذي وقّعه الأمريكي الكاتب والناشط في الحقوق المدنية ليني برينان وصدر سنة 2002 عن دار Barricade Books في نيوجيرسي. وهذا كراس يستكمل كتاب برينان «الصهيونية في عصر الدكتاتوريين»، الذي صدر سنة 1983 واستعرض تفاصيل التعاون الصهيوني مع النازية والفاشية وطغاة العالم. أخيراً، وليس آخراً، تصحّ استعادة ألبرت أينشتاين في رسالته إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، سنة 1948، حيث يعتبر أنّ «حيروت»، حزب مناحين بيغن، «مرتبط على نحو وثيق، في تنظيمه وطرائقه وفلسفته السياسية ودعوته الاجتماعية، بالاحزاب النازية والفاشية».
ليست مبالغة، إذن، أن يُرى أبناء وأحفاد عملاء الـ»غستابو» ونازية الأربعينيات، وهم يرتكبون الجرائم والفظائع في حيّ الشيخ جراح وباحات المسجد الأقصى وباب العامود وقطاع غزّة، فضلاً عن اللد وأمّ الفحم وحيفا..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كاتب وباحث سوري مقيم في باريس*

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار