تابعنا على

جلـ ... منار

عبد الوهاب … الذي حوّل الوسوسة إلى إتقان

تحية إلى موسيقار المائة سنة الأخيرة، في ذكرى مولده (13 مارس 1898)

نشرت

في

لا ينبغي للفن أن يكون أو يوصف بأنه قتل للوقت ؛ لكنه – أساسًا وربما تمامًا – لإحياء الوقت ، هكذا يقول الموسيقار محمد عبد الوهاب ، وقد أدركت من هذه الكلمات أن الوقت ميت ما لم نحيه ، وأن الفن هو الذي يحرِّك النبض ، بل هو الذي يجعل الحياة حياة ، ولو لم نفعل ، فيصبح كل شيء خواء وعدمًا .

د. لوتس عبد الكريم*

وإذا قلنا إن عبد الوهاب كان موسوسًا ، حيث يكرِّر تنظيف نفسه ، و يتشاءم ويتفاءل أكثر من المعتاد ، وأنه كان رهابيا أو لديه فوبيا ، إذ يخاف الطائرات ، والأمراض ، والأماكن المتسعة … إلى آخره ، وأنه كان بخيلا يقتِّر مع ما لا يتناسب مع سعة رزقه ، ويحسب ويدقِّق بما لا يفسِّره أنه غير محتاج إلى هذا التقتير ، خصوصًا لمَّا تقدمت به السن ، ومن البديهي أنه لا يمكن إغفال كل هذا الشائع عنه ، رغم غرابة بعضه ، فقد تدخلت بشكل أو بآخر في حياته وعمله ؛ لتضيف إليهما ما بها من إيجابيات ، وهي عادات انتقلت إليه من تلازمه لأحمد شوقي ، فعبد الوهاب يحب الحياة ، ويحب نفسه أكثر من حبه الحياة ، ويعتبر أن أية لحظة مرض مخصومة من حياته ، وأن كلمة مرض تساوي لديه الإعدام .

فالوسوسة تنقلب إلى إتقان ، والمخاوف إلى حرص رائع ، والبطء ينقلب إلى صبر ويقين بالإنجاز ، والبخل إلى احترام الحياة ، فعمر الإنسان لا يُقاس بالطول ولا بالعرض ، وإنما بتجدُّد العطاء ، وأن نرهن نبض العمر باستمرار الفعل . وفي اعتباري فإن موت عبد الوهاب ليس موتًا ، وليس نهاية ، بل هو توقُّف كيان محدود واختفاء جسدي ؛ لنستوعبه في امتداد غير محدود .والإيمان في حياة محمد عبد الوهاب حقيقة وليس نفاقًا ، فلم يكن يسمي فنه شطارة أو عبقرية أو إبداعًا ، بل كان يسميه خواطر أونفحات من عند الله سبحانه وتعالى ، وكان إذا وُفِّق في عدة ألحان يقول : ” ربنا فتح عليَّ أو ربنا نفخ في صورتي ” ، وكان إذا أخطأ يتوسَّل إلى الله أن يقبل توبته ، ويساعده على ألا يعود ارتكاب معصية ثانية ، فالله خالق الجمال ومتذوقه ، والفنان عاشق لكل أشكال الجمال ، ولا بد من أن يكون له عند الله هامش من حرية يدخل في مجال المغفرة.

كان بداخله الإنسان الشرقي المتدين ، ويرجع ذلك إلى البيئة الدينية التي نشأ عليها منذ طفولته ، والتي كان لها الأثر الأكبر في حياته.بل نجد أن المرجع القرآني الكامن في باطنه يبدو جليًّا في أغانيه للقصائد فنرى ” الفقي ” واضحًا في أبيات كثيرة – مثلا – من قصيدة ” يا جارة الوادي “.

، والإيجابيات – عمومًا – في شخصية عبد الوهاب أكثر بكثير من السلبيات ؛ فهو إنسان فيه سماحة ووداعة ونبل لم أره مرة يغضب أو يشتم أو يظلم ، صبور لديه الجلد وطول البال ، وبداخله السياسي والدبلوماسي ، ولو أنه اتجه إلى غير الفن لكان من كبار الساسة .يقول عبد الوهاب : ” لقد أورثتني أم كلثوم الوسوسة طوال عملي في أغنية ” أنت عمري ” ، أول لحن أضعه لها ، وأم كلثوم ليست كأية مطربة أخرى ، وعلى هذا كان عليَّ أن ” أغربل ” الكلمات واللحن ، وهذا ما أخَّر إذاعة الأغنية بعض الوقت .والمعروف أن عبد الوهاب كان قلقًا جدًّا قبل ظهور الأغنية ، ففي الصباح يزور قبر والدته ويقرأ الفاتحة ، وفي المساء يذهب إلى المسرح مبكرًا وآيات القرآن الكريم تتردَّد على لسانه ، وقبل رفع الستار يجرى عدة بروفات إلى أن تبلغ الساعة العاشرة والنصف مساء بينما الجمهور ومذيعا الإذاعة والتليفزيون في قلق شديد ، فصاحت أم كلثوم في وجهه : ” جرى إيه يا محمد أنت مش عاوزنا نرفع الستارة ولا إيه ؟ “.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي التقى فيها عبد الوهاب بأم كلثوم رغم الغيرة الفنية التي كانت بينهما ، ففي عام 1945 التقيا في عيد ميلاد أحد الأصدقاء ، وكان من بين الحاضرين توفيق الحكيم ، وفكري أباظة ، والدكتور عبد الوهاب مورو باشا ، وكامل الشناوي ، وصديقته كاميليا ، وكانت رائعة الجمال ، وبدأت أم كلثوم تداعب كامل الشناوي ، وتطالبه بإلقاء شعر يصف فيه جمال كاميليا ، فنظم الشناوي أبياتا من وحي اللحظة قال فيها :” لست أقوى على هواك ومالي / آمل فيك فارفقي بخيالي / إن بعض الجمال يذهل عقلي / عن ضلوعي فكيف كل الجمال ” ، وفي التو أمسك عبد الوهاب العود وبدأ تلحين الأبيات الشعرية وأخذت أم كلثوم بصوتها تردد اللحن حتى حفظته ودعاها الحاضرون إلى الإعادة مرات حتى مطلع الفجر .

لقد كان عبد الوهاب لبقًا شديد الحرص مجاملا حد النفاق ، حكيمًا عاقلا ؛ و كان ذلك السلوك من أسباب نجاحه ، فيوم أن هاجمه البعض هجومًا شخصيًّا مهينًا في إحدى الصحف ، فوجئ البعض به يلتقيه في إحدى السهرات فيبادره بالترحيب والعناق ، متظاهرًا بأنه لم يقرأ الهجوم ، ولما طُلب منه تفسيرٌ لهذا التصرُّف الغريب ، رفع نظارته عن عينيه ومسحها بمنديله وأطرق قائلا : ” داروا سفهاءكم “!

وقد وجدت عبد الوهاب في إحدى السهرات لا يشرب الكحوليات ، ويقول للجرسون : ” هات لي زجاجة مياه بيريه ، شرط أن تكون ساخنة ومختومة ، ولا تنس أن تأتيني بالمفتاح “!

لماذا ساخنة ومعها المفتاح ؟ ؛ لأن عبد الوهاب يحافظ على أوتار حنجرته الدافئة من المثلجات ؛ ولأنه يخشى أن يدس له عدو مادة مؤذية في الزجاجة ؛ فتقضي على صوته ؛ ولأن المفتاح هو صمام الأمان ، والضمان أن لا أحد قد مسها قبله.

ويقول عبد الوهاب عن الشاعر أحمد شوقي : ” لقد علمني شوقي حب الحياة ، والتعاطف مع الطبيعة والناس ، والطموح وعزة النفس ، لأن شوقي لم يعرف الحقد أو التطيُّر أو المرارة في علاقته بالآخرين ، كما هي حال أسلافه من الشعراء القدامى الذين جاء بعدهم بما يزيد على ألف سنة مثل : المتنبي ، وابن الرومي ، والمعري ، ولم يعرف شوقي الهجاء ، وكان مترفعا عن انتقاد الناس “.

” وقد اختصر لي شوقي سر المحافظة على الصداقات بكلمة واحدة هي الاحترام ، احترم صديقك مهما اقترب ؛ حتى يحترمك وهو بعيد عنك ، وبحكم مركزه الأدبي والسياسي والاجتماعي كان مقربا من القصور والزعامات ؛ فقدمني للشخصيات العظيمة مثل : سعد زغلول ، وبفضله عرفت الملك فؤاد ملك مصر ، والملك فيصل ملك العراق ، وشاعر الهند طاغور ، وعرفت باشوات مصر مثل أحمد ماهر ومصطفى النحاس ، ومحمود النقراشي ، والدكتور محمود ثابت ، ومن الشعراء حافظ إبراهيم وخليل مطران وبشارة الخوري “.

وتعلم محمد عبد الوهاب من شوقي الأسفار ، فكانا يقسِّمان الصيف مايو ويونيو في لبنان ، ويوليو وأغسطس في باريس ، ثم شهور الشتاء في مصر .

وتعلم من شوقي عشق لبنان وجبالها وأزاهيرها ، وحينما كان يسافر عبد الوهاب إلى لبنان يبادر بزيارة صديقيه الأخوين رحباني ( عاصي ومنصور ) والدرة الثالثة فيروز ، حيث كان يعتبرهم ثالثوثا فنيا فريدا من نوعه في العالم ، إذ لم يسبق لمطربة كبيرة أحيطت بزوجها وسلفها ، وكانا على هذه الموهبة الفذة من اللحن والشعر والتوزيع الموسيقي ، وكان أول سؤال يطرحه على أصدقائه لدي هبوطه من سلم الباخرة : ” إيه أخبار الرحبانية ؟ ” ، ولكنه كان يتضايق من سيطرة الأخوين رحباني على فيروز وتكبيلها التام بألحانهما وحدهما ، وكان يشبههما بالصدَفة الكبيرة التي تطبق جناحيها على اللؤلؤة النادرة ، وكان هذا الكلام قبل أن تتخطى فيروز حدود الأخوين رحباني مجتازة حدود محمد عبد الوهاب.

وفي إحدى السنوات ، وأثناء زيارته لهم فور وصوله إلى لبنان قال : ” عايز أسمع أغنية – وقف يا أسمر – لفيروز ، وبعد سماعها بلذة فائقة قال لهم : إن الأغاني العربية تفتقد إلى عنصر القصة في الشعر ، إنها عبارة عن كلام منمق مثل صف الحروف ، وإذا كان هناك انطلاقة فنية جديدة في روحانية الأغنية ؛ فستصدر من لبنان على يد الرحبانية بالذات ، أسمعهم يقولون : ” وقف يا اسمر في إلك عندي كلام

قصة عتاب وحب وحكاية غرام

هالبنت يا للي بيتها فوق الطريق

حملتني اليوم لعيونك سلام “

…….

الموسيقار محمد عبد الوهاب تشخيص لمجتمع ، وصورة لعصر ، وتسامح من مجتمع ، ودنيا يعيش فيها هذا المجتمع ، ولو ولد في عصر غير عصره ؛ لاختلفت النتيجة تماما ، ولو أنه كان واحدًا من جيلنا نحن ، لما استطاع أن يقترب من القمة ولا أن يتقدم حتى خطوة ،لقد تسلم جيلنا عبد الوهاب بعد أن صنع نفسه ، ولو أن هذا قد تم بعد موعده ؛ فإننا كنا سندوسه ونحطمه ؛ لأننا الآن نضرب كل مسمار له رأس ، ونحطم كل فنان له أسلوب ، ونشد كل شخص يسبقنا إلى الأمام .

في صباح الثالث عشر من مارس من كل عام أذهب – كعادتي – إلى مثواه حاملة زهور الفن والمحبة ؛ لأضعها في اشتياق فوق مرقده تلثم موضعه وتنشق أنفاسه في الأثير ، يعطرها بحبه ، وتعطره بحنانها ، من كل لون اخترته ، ولكل لحن أهديته وأقرأ الفاتحة .

يا حفرة تحت الثرى أنت المال اليقين والكنز الدفين يحيط به ويحتضنه حجر عظيم :

” ما لأحــجــارك صُـــمّا كلما هــاج بي الشوق أبتْ أن تســمَعا

كلــما جـئــــتك راجــــعتُ الصِــــبا فأبــتْ أيامُـــه أن تــرجــِعا

قـد يهــــون العـُـــمرُ إلا ساعــة و تهـــــون الأرض إلا مَوضِــعا ” .

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار