منذ أكثر من سنتينن عندما كان العدد الإجمالي للمهاجرين غير النظاميين أقل بكثير من اليوم ولم يكتسحوا بعد لا مدينة صفاقس ولا مدن سوسة أو نابل أو أريانة ونبهنا إلى خطر توسعهم واستقرارهم النهائي ببلادنا.
كما أكدنا على ضرورة مضاعفة حراسة الحدود كأول وقاية لهذه الجائحة التي ألمت بتونس، ثم إلى ضرورة تطبيق القانون و تسفير كل مهاجر لا يستجيب للقواعد القانونية مثل الدخول بوجه فوضوي أو عدم حمل وثائق ثبوتية أو الاثنين معا، على أن يكون التسفير سريعا دون تردد خاصة أنه تم اكتشاف بعض المنتمين للفصائل الإرهابية (بوكوحرام وغيرها) كما انطوى هؤلاء المهاجرين على جموع من الفارين من اوطانهم الأصلية هطلبا للنجاة من بؤرة توتر أو لجرائم كانوا قاموا بها.
تماما مثلما يضم هؤلاء أعدادا وافرة تم استعمالها و توظيفها حطب نار لخطة توطين في حين أن جلهم (باستثناء بعض المنخرطين في الخطة المذكورة) وفدوا إلى تونس كمحطة عبور نحو أوروبا غير أنهم مكثوا ببلادنا سواء ارتياحا لعيش أحسن مما كان ببلدانهم أو لعدم تمكنهم من مواصلة مشوار سفرة الأحلام نحو أوروبا.
واليوم لن نعود إلى المشاكل الأمنية التي طرحناها بجريدة “جلنار” سابقا او للمخاطر الوبائية التي ترافق هذا الوضع من الأمراض السارية والمعدية مثل إيبولا والسل والحمى القلاعية و حمى الذباب تسي تسي والسيدا وبقية الأمراض الجنسية، بالإضافة إلى كل هذا تفاقمت معاناة المواطنين مما تعجّ به صفوف هؤلاء من منحرفين و معتدين على المنازل وعلى الأملاك العامة والخاصة. وتعاملهم بعدوانية ضد الشعب التونسي الذي يعتبرونه افتكّ منهم تونس الإفريقية “بلدهم الاصلي”.
وطبعا لمتابعتنا لهذا الموضوع عبر تجارب ببعض البلدان المجاورة مثل ليبيا الأقرب إلى مهاجري جنوب الصحراء و تحليل أوجه هذه المأساة التي تطورت في ظرف زمني سريع وبشكل منظم الدوافع وآليات التسفير و اختيار البلدان و حتى التوقيت بالإضافة إلى تتحركات و سلوكات هؤلاء المهاجرين، نرى ونعيد ونكرر انه لا يمكن لهذه الهجرة (الجديدة والكبرى) إلى الشمال ان تكون وليدة الصدفة بل تكشف عناوين واضحة المعالم والأهداف اشتركت فيها جهات أجنبية قد تكون استخباراتية فرنسية و إيطالية خاصة بالتنسيق الدقيق وبصورة مسبقة مع جهات أو جمعيات أو أشخاص داخل البلاد أو حتى خارجها وعبر مسالك مافيات تسفير حرفية وأموال طائلة لتنفيذ مخطط توطين جهنمي.
ثم إن خلط المغرب والجزائر لا يتعدى تمويها عابرا لأن الهدف النهائي خلال المرحلة الأولى هو تونس نظرا إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي وأيضا ربما لهشاشة أوضاعها. أما ليبيا فهي تتميز اختياريا بقربها للبلدان المصدرة للمهاجرين وقد عرفت الهجرة غير القانونية منذ فترة حكم القذافي الذي تغاضى عنها بل شجعها ربما لتطابقها مع أناه المتضخمة كـ “ملك ملوك إفريقيا”.
لقد عبّرنا عن مخاوفنا اعلى المستوى الأمني والاقتصادي التي ترافق هذه الأعداد الكبرى المتغذية من قوت التونسيين وضرائبهم، كما أشرنا إلى المخاطر الصحية بالإضافة إلى تزايدهم الديموغرافي المهول عبر التزاوجات والولادات الفوضوية في معظمها ومزاحمتهم في مستشفياتنا للمرضى التونسيين، و لكن الآن دعونا نتطرق إلى الخطر السياسي الذي لا يقل أهمية وسنطرحه دون أية خلفية أو مشاعر جياشة:
فرغم التذمر الذي أعرب عنه شعبنا ومناداته المستمرة بحلول سريعة لهذه الحالة ووصل به الأمر إلى تنظيم الوقفات والاحتجاجية وحتى مظاهرات الشارع، لم تشهد السياسة الوطنية تغييرا يذكر في معالجة مشكلة مهاجري جنوبي الصحراء، مما شحع هؤلاء أو بعضهم على التمادي في التسيّب والاعتداءات واتهام التونسيين بالعنصرية ولو كانوا في دفاع سلمي ومشروع عن بلادهم.
إن كل هذه العوامل ستؤثر تأثيرا مباشرا على الوضع السياسي ونقول هذا بكل شجاعة و دون تهويل أو تشاؤم وبناء على حقيقتين: أولاهما أن خصوم السلطة القائمة سيوظفون هذا المأزق ضدها، ثانيا، اقد يجد ذلك تجاوبا من شرائح واسعة من الشعب التونسي الذي عانى من تواجد المهاجرين غير النظاميين دون أية حلول جذرية بإستثناء جهود أمنية محدودة الفاعلية.
وهذه الوضعية قد تكون لها تداعياتها على شعبية السلطة القائمة سواء على مستوى الانتخابات البلدية القادمة التي تكتسي أهمية بالغة تعول بعض الأطراف السياسية على اكتساحها، كما قد تكون ذات تأثير محسوس حتى على الانتخابات الرئاسية المقبلة.
بعد قطع الماء والكهرباء وبعض المواد والتهديدات المتلاحقة بالإضرابات العامة والمهنية، جاء دور النقل العمومي ومعاناة سكان الأحواز الجنوبية الأمرّين من تأخر سفرات القطار الرابط بين تونس والرياض (برج السدرية)، والمعروف تاريخيا باسم قطار حمام الأنف.
فمنذ يومين بدأت المشكلة بتأخر مواعيد نقل المسافرين إمعانا في خلق فوضى وإنهاك الدورة الاجتماعية (من شغل ودروس وقضاء حاجات المواطن وعلاجه ومواعيده) لتتولى إنزال كل مسافري الضاحية الجنوبية في محطة جبل الجلود ويصل الوقت الأدنى الذي استنزفه التأخر فضلا عن ساعات انتظار قطار أخر، إلى أكثر من ثلاث ساعات بين انتظار وصول هذا القطار والمرور من محطة جبل الجلود إلى محطة تونس الرئيسية بساحة برشلونة…
لقد حاولت بداية الأمر عدم إيلاء هذا الموضوع أكثر مما يستوجبه الأمر، لكن أمام طول العبث بأوقات الناس ومتاعبهم جراء الوقوف لساعات وتذمراتهم المتعددة، التقطت صورا عن الوضعية المؤسفة ولا شيء في نظري يبرر تعطيل مصالح المواطنين منذ صباح يوم الاثنين إلى يوم الثلاثاء، حيث وصل التذمر والهرج حتى محطة برشلونة، وكأن الأمر جاء تكملة لما عاناه الشعب من انقطاع الماء والكهرباء في عز الصيف…
حالما أنهيت أخذ بعض الصور بادرني شاب في الأربعين تقريبا ليذكرني بأن “التصوير ممنوع” ولما سألته عن صفته أعلمني بأنه ينتمي لسلك الأمن، فشككت في ذلك وطلبت منه الاستظهار ببطاقته فأجابني بأنه ينتمي إلى مصلحة تمنعه من كشف البطاقة، وفيما نحن هكذا تقدم نحوي أخر في حالة هستيرية بائنة، وهنا تجمع المسافرون حوله من نساء ورجال. وأعلمتني إحدى النساء لاحقا بأنها سجلت فيديو يوثّق تدخل الشخص الذي يبدو أنه من شركة النقل الحديدي.
ويوم الأربعاء تواصلت المعضلة وتجرّع المسافرون نفس عذابات التأخير في كل محطات الأحواز الجنوبية ذهابا وإيابا.
إن المطلوب في قطاع حساس مثل قطاع النقل وكل قطاعاتىا الاخرى إيلاء مزيد من المراقبة ومتابعة كل الإخلالات بسرعةن وهذه المهام مناطة بمسؤولية شركة السكك الحديدية ابتداء من الرئيس المدير العام إلى المنظف أو العامل أدنى صنف، إذ كفانا استنزافا لأوقات المواطنين بسبب أي عطب فني أو حادث. إنه لمن المهازل أن يدفع المواطنون من أوقاتهم ومصالحهم وحتى صحتهم، ثمن أي إهمال او تباطؤ لمدة يومين لحد الأن (الثلاثاء و الأربعاء) ولا ندري إن ستتواصل هذه المأساة أكثر.
المطلوب من السلطات العليا إجراء تدقيق في أسباب هذه الإخلالات المتكررة ومن يقف وراءها عن حسن أو سوء نية أو إهمال، ثم لماذا لا تقوم السلطات بالتحقيق في انتدابات الشركة سنوات 2012/ 2013، زمن حشرها بالانتدابات الحزبية للإخوان، إذ تحوم الشكوك حول قانونية التشغيل وقيمة التكوين ومستوى الأعوان والكوادر المنتدبة. نقول هذا بعد أن عاينّا حوادث عديدة وإخلالات متعددة بعيدة عن مستوى خدمات شركة النقل الحديدي ومصلحة المواطنين وسلامتهم.
لن نعود لمناقشة الوضع الذي انقلب إلى مواجهة حامية بين سلطة تمر بصعوبات متولدة أو موروثة وبين عصابات تغوّلت سابقا واكتسحت البلاد وإذا بها اليوم تجد نفسها أمام سياسات تهدد مصالحها بجدية.
في هذا الخضمّ تعيش بلادنا تعسّرا ماليا واضحا، حيث أن الحكومة إلى حدود شهر جويلية الماضي ظلت تقوم بخلاص ديون حكومات سابقة قبل سنة 2016 طبقا لمبدأ استمرارية الدولة، إذ مهما خضعت لمتغيرات فإن على الدولة التي تحترم نفسها خلاص ديون كافة حكوماتها صالحة كانت أم طالحة، وإن كان هذا الخلاص على حساب الميزانية العامة. اي كان بالإمكان توجيه الأموال نحو التنمية أو تأهيل قطاعات حساسة،
وقد أشرنا بجريدة جلنار خلال الأسبوع الماضي إلى الصراع بين المافيا المالية والسياسية من جهة وبين الشعب الذي يدفع الثمن من جهة أخرى، من خلال التنكيل به عن طريق حرق الغابات أو المزارع حتى تهديد المساكن وأيضا وخاصة عبر قطع ماء الحنفيات والماء المعدني لأيام لعل أقلها يومين أو ثلاثة وقد تستمر إلى حدود كتابة هذه السطور وهو عار في وجه تونس وابتزاز واستنزاف للسلطة عبر الانتقام من الشعب المسكين واختياراته.
نقول هذا ولم نجد أي شرح مقنع لجر الشعب تحت طائلة هذه المعاناة في أشد أيام الصيف حرارة و قيظا وشواظا كما يقال والآن إذ نرجو أن يقع الحد من المأساة وإنهاء هذه الازمة الخطيرة بكل ذرائعها وخلفياتها وتحاليل أسبابها وربطها مع زمر العملاء بالداخل والخارج، فإن الواجب الصحفي يدفعنا إلى عدد من الاستنتاجات والدعوات لعدم إعادة هذه المأساة التي مرّ ـ ويمر ّـ بها شعبنا وكأننا في حالة حرب ولم ينقص “موسوعتهم الحربية” إلا الاختباء في الخنادق والكهوف.
إن المشاكل برمتها من قطع اماء والكهرباء تعود إلى مسؤولية المتصرفين في سير هذه المرافق من وزراء إلى مدراء عامين إلى مصالح الصيانة وحتى إلى السلطة العلياـ إذ كان بالإمكان تغليب الوطنية والقواعد المهنية وحتى الإنسانية قبل دخول فصل الصيف كل سنة وابتداء من شهر افريل للقيام بكل المتطلبات والخدمات والتحضيرات والاحتياطات لضمان الكهرباء والماء حتى لا نجد أنفسنا في مطب التاويلات والتحقيقات والاستنتاجات صحيحة كانت أو قريبة من الصحةـ فالمسؤولية مناطة أساسا بقادة المؤسسات الحساسة.
هذا أولا دون أي إهمال او ارتخاء أو عدم تقييم او استشراف للحاجيات وطاقة توفيرها وكذلك لارتفاع الاستهلاك خلال فصل الصيف خاصة، أما المسؤولية الثانية فتقع حتما على الدولة التي لم توفق في ضمان مخزون مياه معدنية لتلبية حاجيات المواطنين وترك هؤلاء المسؤلين يرتكابون اغلاطا استراتيجية خطيرة تمس أمن البلاد دون عقاب على فشلهم الفادح وعدم قدرتهم على تسيير أهم القطاعات حساسية بعد الأمن والجيش.
ثم إن هذه الانقطاعات قد عادت بعد الضغوط السياسية سنة 2023 و2024 عندما تم إفراغ كل المحلات التجارية من المواد الغذائية وكان من الضروري مراجعة مواقع هذه البؤر و الخلايا المتحركة ضد الشعب المسكين و أول هذه التحقيقات والتدقيقات تكون عن قائمة “الكوادر” التي تمت صناعتها خلال العشرية الماضية وأصبحت تتحرك من مراتب عالية رغم عقليتها السفلى.
ان مراجعة كاملة للإدارة والمؤسسات الوطنية وتنقينها من هذه البؤر أصبح أولوية إذا كنا نرغب فعلا في تأهيل إدارة أصابها الوهن والفساد وزادتها السنوات العجاف المعروفة فسادا ووهنا أكثر واستقالة وخلوّا فاحشا من الروح الوطنية عند إسداء الخدمات لعموم المواطنين… وتحيا تونس على كل حال.
لا شك أن المافيات المالية التي تواجهها سلطة قائمة انتخبها الشعب بأغلبية ساحقة طبقا لاختياراته، ستشحذ كل جهودها وإمكانياتها لضرب هذا الشعب في قوته ورفاهه وحتى مائه.
تلك هي الإمكانيات التي تلتجئ إليها المافيا المالية المتركبة عادة من البورجوازية الصغيرة والمتوسطة التي تتحكم فيها بعض الأطراف السياسية التي تعترضها مصاعب جمة في كسب قواعد شعبية أو توسيع قواعدها، ومن الطبيعي أن تضاعف جهودها ضمن الأطر الوطنية الطبيعية القانونية غير أن الأمر لم يكن طبقا لذلك بل تجاوز الاخلاقيات السياسية وقواعد الصراعات إلى مستويات ضحلة شكلا ومضمونا.
أما على مستوى الشكل فقد كان الخطاب بل العناوين التي رفعت خلال المسيرات والمظاهرات لا تحمل بين صيغها وكلماتها ومعارضتها للنظام إلا صورا عما آلت اليه المعارضة أو على الأقل شريحة منها، ونخص بالذكر بعض تابعي الجهة الإخوانية التي اندمجت معها بعض زمر الدستوريين الذين تربوا وساهموا في فترة الحزب الواحد والإعلام الواحد والرئيس مدى الحياة و باركوا العصي البوليسية التي ترتفع إلى الأعلى لتنزل على رؤوس المتظاهرين حينها أو القنابل وسجون برج الرومي والنفي لرجيم معتوق في قلب الصحراء.
أما عن مرحلة مابعد انتفاضة 2011 فلا لزوم لتذكيرهم بالرش والتهديدات بالسحل ضد المتظاهرين واعتداءات بؤر “حماية الثورة”. ويبدو أن هذه المرحلة قد كشفت عن تحركات ممنهجة من المافيا المالية ومليشياتها. وحربها في واقع الأمر لا اسم لها سوى إرهاق شعب مرهق أصلا واستعمال أسباب معيشته للضغط كآليات حرب ضد السلطة، وقد عادوا في هذه الفترة إلى موجة 2023 حين قطعوا المواد الغذائية الأساسية والزيت والقهوة والسكر وبقية المواد التي تمس المواطن في حياته اليومية، بهدف دفعه إلى الشارع ضد النظام. ففشلت تلك المحاولة رغم تأثيرها الحاد وتم كشف مخازن لم يتم إدماجها عنوة للهدف المذكور
يبدو خلال هذه المرحلة التي اتسمت بمزيد محاولات التطاول على السلطة و الاحتماء بـ”الغرف المظلمة” وبجهات أجنبية لم تر منها تونس إلا التفرقة والإرهاب والتدخل السافر وقد تبين أن بعض بؤر البورجوازية والمافيات المالية المتوجسة من المحاسبة قد لعبت هذه المرة دورا خسيسا ضد الشعب الذي تمسك بخياراته، فمن الإضراب العشوائي لشل الحركة الاقتصادية الوطنية إلى تقليص أو قطع تزويد السوق بمياه الشرب وقطع ترويج بعض المواد الأخرى مثل السكر أو غيره في حين كانت عشرات الشركات المتمعشة من مياه الشعب تحاول ضخ كميات يومية، هل هي صدفة موازية للتحركات المعارضة للسلطة؟؟ ولماذا تقع خلال هذا الصيف بالذات؟ فالذرائع تختلف بين من يؤكد نقص القوارير البلاستيكية وآخر يشير إلى عجز معمل أغطية القوارير هكذا وفجأة..
ولكن عوض أن تضرب السلطة على بعض هذه الأيدي الوسخة التي تتلاعب بضروريات الشعب الأساسية الحياتية نرى زيادة أسعار الماء المعدني، وكان المنتظر و المطلوب تأميم هذا القطاع الحيوي أو غلق أي شركة مياه معدنية تتلاعب بمصلحة الشعب، أو على الاقل الترفيع في الأداء الرمزي على اللتر من الماء ضد هذه الشركات و النظر بجدية لكسر الـ monopole المتمثل في صناعة القوارير و الأغطية.
ن الصراع مع المافيا المالية التي تتاجر بقوت الشعب انتقاما من اختيارته وبعض شرائح المعارضة التي انزلقت إلى مستنقع التطاول والخطاب المنحط لن يزيد السلطة القائمة إلا شعبية وتمسكا بها مادامت تلك المعارضة قد نجحت فقط في الكشف عن وجهها البائس.