تابعنا على

جور نار

فنان الشعب الكبير … مظلوم أم ظالم؟ (6)

نشرت

في

تابعت مثل غيري الحادثتين المؤسفتين اللتين تعرض لهما الفنان لمين النهدي في سوسة و قرطاج … حالتا نفور جماهيري تحصلان أول مرة مع نجم الكوميديا الأهمّ في الخمسين سنة الأخيرة … الأولى تمّ تعليلها برداءة الميكروات، و الثانية بتأخّر الوقت على من يشتغلون باكرا !

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

ترك الأقدمون عدة أمثال و أقوال عن مشهد كهذا، و يتراوح ذلك بين “رب عذر أقبح من ذنب” و “فقه بُرد أغيظ من هجو بشار”  … إذ أن تجهيزات الصوت وغيرها تُختبر من فريق المسرحية قبل العرض بساعات و حتى بأيام و هناك من يجلب السونو و الإضاءة معه فلا لعب في المسألة … كما أن “كاتب” المسرحية و مخرجها اختصاصه الأصلي سينما و من يقول سينما يقول صورة و صوتا، إذن؟ … بين قوسين هناك أكثر من مصطلح في ما ذكرنا يتطلب نقطة تعجب أو استفهام أو معقفين، و لكننا تفادينا ذلك حتى لا نثقل على النص … والكلام لم يبدأ بعد.

هذا واحد … اثنان: اتّهام الجمهور بالغباء و الإسفاف أو التآمر و التسرّع في اتخاذ موقف من العمل قبل انتهائه، هذه ذريعة عمرها اليوم 27 قرنا و أكثر … يعني منذ أول فشل مسرحي من أيام الإغريق، بل قل منذ نشأت الأعمال الضعيفة في الفنون و الآداب عامة، و نشأ لها المبررون و المكابرون والهاربون إلى الأمام  … استخدم هذه العلكة شعراء على روائيين على موسيقيين على رسامين على نحّاتين على سينمائيين … و من حسن الحظ أن غيرهم ممن تعثّر راجع نفسه و أعاد النظر في سقطات عمله وانطلق من جديد نحو الأفضل …

لا … الجمهور ليس غبيا و لا أعمى و لا متآمرا و لا عاشقا للرداءة، يمكن أن يكون ذلك لأشخاص منفردين ولكن أن يهبّ جمع ما ضدّ أو مع إنتاج مّا، و من دون اتفاق مسبق، فالعيب يكون في الوجه لا في المرآة … الجمهور الذي قاطع مسرحية النهدي الأخيرة، هو نفسه الذي سانده و حمله كالزهرة الوليدة على راحتيه منذ “الكريطة” و “أهل الهوى” و “القافزون” و “فرّ فرّ” و “في بلاد الهاو هاو” و “الفرجة” … تبنّى الجمهور هذه الموهبة المغمورة و ترك تباعا كل الأسماء الكبيرة وقتها، و شكّل دروعا بشرية رأيناها في المسرح البلدي وفي قرطاج و في الزهراء و في صفاقس و سوسة و مدنين و توزر و بنزرت و باجة و الكاف العالي طبعا … بل رأيناها تحاصر قصر العدالة أول الثمانينات عند محاكمة لمين على مسرحية الفرجة … في مشهد لم يتكرر مع نجوم السياسة و الثقافة و النضال النقابي …

هؤلاء “الأغبياء” حضروا على الدوام حين كان “النقاد”  و “المثقفون” و “الحداثيون” يشمتون في الرجل ويتّهمونه بالتهريج و جمهوره بالتخلف الذهني … و كانوا عماده الأوحد و لو راح إلى أقصى نقطة في العالم بها تونسيون، و عرب أيضا … و استمر ذلك خمسة عقود من الزمن، في ملحمة فنية جماهيرية لم توجد عندنا من قبل و يصعب أن تستعاد … فهل الجمهور بأجياله المتعاقبة، غبيّ حين كان مع النهدي … و غبيّ أيضا حين لم يعجبه أحد أعماله؟

الحقيقة أن هذا الفنان الأسطورة، لم يعرف كيف يحافظ على كنزه الوحيد و أي كنز !… النهدي موهوب و لا نظير له حين يقف على الخشبة … إذا كانت الكوميديا العربية في نصف القرن الأخير عرفت نجوما لا يُطاوَلون، فإنهم برأيي لا يخرجون عن ثلاثة أسماء، ثلاثة فقط: دريد لحام (سوريا)، عادل إمام (مصر) و لمين النهدي من تونس … و لكن موهبة النجم ليست للأسف كل شيء، بل تكتمل بحسن اختيار النصوص، و بقدرة اتصالية متفوقة، و بتصرف جيّد في المسار الفني … و هنا، لا مقارنة بين النهدي و ندّيه العربيين الآخريْن …

قد يفوقهما موهبة ـ هذا أكيد ـ و لكنه ألحق بنفسه أضرارا جُلّى بتصريحاته المتهوّرة الكثيرة … و دخوله في مهاترات لا ضرورة لها … و تعابير فيها الأنا المتضخمة أحيانا، و تورّط عنيد و ممجوج في تمجيد ابنيه و تكبير حجمهما الصغير جدّا أحيانا أخرى … كل هذا على حساب مسيرة شخصية كم تعب الرجل في بنائها، و تعب معه من آمنوا به و دفعوه إلى أعلى، و على رأسهم الرائعة باستمرار، الفنانة  سعاد محاسن …

النهدي أيضا حصر طموحه الفني في جمع المال … حبّذا لو ينجح الفنان و يكسب من فنه فهذا مشروع ومطلوب، و لكن خزينة التاريخ لا تقلّ أهمية عن خزينة البنك، و الذاكرة تحتفظ بفتوحات شارلي شابلن وتنسى عشرات الأسماء التي نافسته و ربما غنمت مالا أكثر منه … كما أنه ما المانع من أن نقدم فنا محققا للمداخيل و مقنِعا في ذات الوقت؟ …

كذلك أو نتيجة له، اتجه بطلنا منذ مدة غير قصيرة نحو الأعمال ذات الممثل الواحد، و المصروف الواحد  … أقول “أعمال” و لا أقول مسرحيات لأن أعمدة الفن الرابع تكاد تغيب تماما عما أمسينا نراه منه … لا ممثلون، و لا ديكور، و خاصة لا نص … أي و الله … و من السخف اعتبار تلك الثرثرات الواردة في “المكي و زكية” و ما لحقها، و المخيّطة بعدد من النكت و المقاطع من مسرحيات لمين القديمة (الكريطة، فر فر، أهل الهوى) … من السخف اعتبارها نصّا أو مسرحا بل هي إلى “المَقلَب” أقرب …

ثم ما علاقة السيد الذي انبرى كاتبا مسرحيا بعد أن كان مخرج سينما … فهل رأينا عادل إمام يطلب نصوصه من يوسف شاهين؟ أو دريد لحام يقدم مسرحيات من تأليف خلدون المالح أو نجدت أنزور؟ هذا ليس إبداعا بل تبديع، بل بدعة تونسية بحتة … كل يسمح لنفسه بأن يفعل أي شيء و كما اتفق … قوة عادل إمام في نصوص كتبها مؤلفون متخصصون (علي سالم، سمير عبد العظيم، يوسف معاطي …) لا يعرفون سوى الكتابة و يفهمون المسرح و الدراما التلفزية على أصولهما … من جهته، بنى دريد لجام مجده الفني على تآليف كاتب طائل الموهبة كمحمد الماغوط … فأين نحن من الخزمة؟

ختاما … كنت تأسّفت في البداية على ما حدث لفنان الشعب و الناطق باسم جهاتنا الداخلية و أعماق شعبنا … لمين الطاقة التي لا تنفد و المحبة التي لا نخفيها … و أنا و إن كنت مؤمنا بأنه ما زال لديه الكثير من أوقات إمتاعنا متّعه الله بالصحة و طول العمر، فإني لا أراه محتاجا لعطف أحد أو تحصين من أحد … فالنقد جزء من الفن مهما كان قاسيا، و الجمهور من حقه أن يحاسبك “كاش” لأنه يدفع ثمن فرجته كاش …

و لعل لمثل هذه الرجة أثرا حميدا في نقد الذات و تعديل المسار.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار