متابعة: جورج ماهر ـ القاهرة
في إطار الاحتفال بيوم القضاء المصري، شهد المجلس الأعلى للثقافة حلقة نقاش حول كتاب “ما القضاء؟”، من تأليف القاضي الدكتور خالد القاضي، رئيس محكمة الاستئناف.
الكتاب صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة “ما” المعرفية، وذلك تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، وبإشراف الأستاذ الدكتور أشرف العزازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة. وشهدت الحلقة حضورًا لافتًا لنخبة من شيوخ ورموز القضاء المصري، إلى جانب عدد من القامات الثقافية والأكاديمية وأساتذة الجامعات والباحثين والشباب، في لقاء جمع بين الخبرة القضائية والثقافة المجتمعية والعلوم الإنسانية، وناقش مفهوم القضاء ورسالته ودوره في حماية الحقوق وترسيخ سيادة القانون وتحقيق العدالة.
واستهلت الفعاليات بالسلام الجمهوري، أعقبه عرض فيلم تسجيلي حول مسيرة القضاء المصري، ثم كلمة ترحيبية للأستاذ وائل حسين، رئيس الشُعَب واللجان بالمجلس الأعلى للثقافة. من جانبه، استعرض الدكتور محيي الدين عبد الحي، رئيس تحرير سلسلة «ما»، أهمية الكتاب باعتباره يجمع بين الثقافة والقانون والوعي المجتمعي، مؤكدًا أن نشر الثقافة القانونية بين الجمهور يمثل إضافة مهمة، وأن سلسلة “ما” تقدم محتوى معرفيًا مبسطًا يتيح للقارئ التعرف إلى مؤسسات الدولة ودورها.
ثلاثة محاور لتعريف القارئ بمنظومة القضاء
وتحدث مؤلف الكتاب، المستشار الدكتور خالد القاضي، عن فكرة الكتاب ومضمونه، مشيدًا بقرار الرئيس عبد الفتاح السيسي باعتبار الأول من أكتوبر يومًا للقضاء المصري. وأوضح أن الكتاب يتكون من ثلاثة أقسام رئيسية؛ يتناول الأول أسس القضاء ومفهومه ومكانته ونشأته وتطوره وضمانات التقاضي، إلى جانب القضاء في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية.
ويتناول القسم الثاني الجهات والهيئات القضائية في مصر، ومن بينها المحكمة الدستورية العليا، ومحاكم القضاء العادي والنيابة العامة، ومحاكم مجلس الدولة، والقضاء العسكري والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة.
أما القسم الثالث، الذي جاء بعنوان “على منصة القضاء”، فيستعرض جانبًا من مسيرة المؤلف الممتدة لنحو أربعين عامًا منذ التحاقه بكلية الحقوق، متناولا كيفية بناء الملكة القانونية، ومكانة القانون في حياة المجتمع، وصولا إلى أهمية الوعي القانوني.
القضاء.. قيمة إنسانية وثقة في العدالة
وأشار المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، رئيس المحكمة الدستورية العليا ورئيس مجلس الشيوخ الأسبق، إلى أهمية مواجهة ما وصفه بـ”الهجمة الثقافية” على القضاء، مشيدًا بأهمية تعزيز دراسة اللغة العربية والدين في المناهج التعليمية، ومؤكدًا قيمة الحضارة المصرية وما تمثله من رصيد ثقافي وحضاري. كما أشاد بكتاب “ما القضاء؟” ودوره في تقديم المعرفة القانونية والقضائية إلى القارئ بصورة مبسطة.
وأكد المهندس هيثم يونس، رئيس الهيئة العامة للكتاب، أهمية سلسلة “ما”، مشيرًا إلى مكانتها ضمن إصدارات الهيئة ودورها في تقديم المعرفة إلى القارئ بصورة ميسرة.
من جانبه، أوضح المستشار عادل عبد الحميد، وزير العدل ورئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى الأسبق، أن عنوان الكتاب يعكس قدرة كبيرة على تقديم منظومة العدالة والقضاء المصري في إطار معرفي مبسط، مؤكدًا أن العدالة لا تقتصر على الإجراءات، وإنما ترتبط بثقة المواطن في القاضي، وأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع دون تحيز أو تمييز. وتطرق إلى علاقة القضاء بالتكنولوجيا الحديثة، مشيرًا إلى تنامي استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والقضايا ودعم عمليات اتخاذ القرار في عدد من دول العالم.
“دولة القانون” ورسالة القضاء
كما تضمن اللقاء عرض فيلم تسجيلي مقدم من المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة الدستورية العليا، أشاد خلاله بالجهد العلمي الذي بذله المستشار خالد القاضي في إعداد الكتاب، معتبرًا إياه امتدادًا لمسيرته العلمية وإسهامًا في ترسيخ المعرفة بدولة القانون والمؤسسات القضائية. وأكد أن القضاء يمثل قيمة إنسانية، وأن أخلاقيات المهنة والضمير والاستقلال عناصر أساسية في عمل القاضي، مشيرًا إلى أهمية الاقتراب من الأسئلة المرتبطة بطبيعة العلاقة بين القاضي والمواطن والمجتمع.
بدوره، أشاد المستشار أحمد عبود، رئيس مجلس الدولة الأسبق، بالاهتمام بتطوير منظومة القضاء وترسيخ مبدأ المساواة، مشيرًا إلى ما حققته المرأة المصرية من حضور متزايد في منصة القضاء ودورها في منظومة العدالة.
وأكد المستشار محمد الشناوي، رئيس هيئة النيابة الإدارية السابق، أن أهمية اللقاء تجاوزت مجرد مناقشة الكتاب، إذ يمثل القضاء – بحسب ما طرحه – مصدرًا للطمأنينة في نفوس المواطنين من خلال قيم العدل واحترام القانون، مشددًا على أن القضاء يظل أحد الأعمدة الراسخة للدولة المصرية.
حضور أكاديمي وشبابي
وشارك في الحلقة النقاشية الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، والدكتور هيثم الحاج علي، أستاذ اللغة العربية والرئيس الأسبق للهيئة المصرية العامة للكتاب ومقرر لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب عدد من أعضاء هيئات التدريس والطلاب بالجامعات. وأضفى الحضور الشبابي والأكاديمي على اللقاء بُعدًا حواريًا، وأكد أهمية استمرار النقاش بين الأجيال حول مفاهيم العدالة والقانون ودور المؤسسات القضائية في المجتمع.
توصيات لتعزيز الثقافة القانونية
واختُتمت الحلقة النقاشية بإعلان عشر توصيات إجرائية وموضوعية، ركزت على أهمية إشراك الشباب في الحوار حول القضاء والثقافة القانونية، باعتبارهم أحد الأطراف الرئيسية في بناء مستقبل المجتمع وترسيخ احترام القانون وصون الحقوق والحريات.
وأكد المشاركون أن نشر الثقافة القانونية لا ينبغي أن يظل حبيس الكتب المتخصصة وقاعات الجامعات والمحاكم، بل يجب أن يصل إلى المواطن في حياته اليومية، من خلال لغة واضحة ومبسطة تساعده على معرفة حقوقه وواجباته وفهم طبيعة مؤسسات الدولة وأدوارها.
وفي ختام اللقاء، برزت رسالة أساسية مفادها أن الوعي بالقانون لا ينفصل عن بناء مجتمع يحترم الحقوق والواجبات، وأن نشر الثقافة القانونية يمثل جسرًا مهمًا بين مؤسسات العدالة والمواطن.