تابعنا على

جلـ ... منار

قراءة في رواية “جراح عزيزة” لمحمد الزمزاري

نشرت

في

:رواية “جراح عزيزة ” هي الرواية الثانية للكاتب والسينارست والمخرج محمدالزمزاري بعد روايته الأولى “الأوميرتا”. جاءت في 119 ص من الحجم المتوسط وصدرت عن الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع بالمنستير سنة 2022.

عمر السعيدي*

هذه الرواية ترتبط في موضوعها بحدث الثورة وسنواتها العشر العجاف . وتصور الوجه السلبي لهذه العشرية على حياة الناس وخاصة الطبقة الفقيرة والمهمشة .أو هي رواية ترصد بعين لاقطة وناقدة عملية إخفاق الثورة في تحقيق المأمول منها إثر تأزم الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية والبيئية في المجتمع . وضعف مؤسسات الدولة وتمرد المواطن البسيط بل قل كل أفراد المجتمع على السلطة. وعيش حالات الفوضى في جميع نواحي الحياة

.( لم يشهد الحيّ البائس تغييرا يذكر على مرّ السنين العجاف التي تلت ثورة “البرويطة ” غير المزيد من انخرام الأمن وانتشار المخدرات والفقر المدقع والبطالة المتفشية… حتى أنك ترى من حين لآخر كتابات معبرة على الحيطان ” حي الفقر ، حومة الشقف ، بيع جميع أنواع المخدرات عند Al Capone .ممنوع على الزناطير بيع الخمر خلسة داخل الحومة . الزلاقة لاقا تعلم تعوم . وغير ذلك من التعبيرات الحانقة أو الإفرازات المتعددة ) ص 287.

وقد عاينت الرواية مرحلتيْن هامتيْن خلال هذه الفترة . وهما أولا حدث الثورة متمثلا في طرد الحاكم وبناء شعارات و أفكار جديدة أو بديلة ونشأة أحزاب عديدة مختلفة متضاربة وعملها على بناء نظام حكم جديد يُِؤمن بالحريات ويدعو إلى التداول على السلطة . ويسعى لتطوير الاقتصاد أي مرحلة الحلم الأولى . تلتها مرحلة ثانية كانت مرحلة إخفاق هذا المشروع وانعكاسه سلبيا على حياة المهمّشين والأمنيين والجيش والمعارضة . هي رواية تسجيلية نقدية أقرب إلى كتابة صفحات أو يوميات عن حياة الناس وخاصة الفقراء والمعطلين عن العمل منهم .

فضاء الأحداث :

تدور الأحداث أساسا في أحزمة المدن أو الأحياء المهمشة التي بُنيت على عجل دون تهيئة عمرانية بعد الاستقلال . حيّ ينفتح على البحر كما يقول الكاتب ويتصل بهضبة’ (لم يغب عن هذا الحي القابع بين الهضبة الموصلة إلى العاصمة والسبخة الممتدة أميالا . أي صنف من المآسي لعل أكثرها وقعا واشمئزازا ما عهده سكان حي نترة من أكاذيب السياسويين والوصوليين الناكثين لعهودهم التي يقطعونها كل مرة تجاه هذا الحيّ) ص 27 . سكنها نازحون وموظفون ومتقاعدون وحرفيون وعمال بسطاء .وتكدس فيها الفقراء والعاطلون عن العمل وبائعو المخدرات والباحثون عن اللذة والنتارة والمهربون والممارسون للعنف والمنقطعون عن التعليم والباحثون عن شغل .

ولعل في تركيز الكاتب على هذه الفئات نجد إشارة خفية إلى تلك الفئات التي فرحت بالثورة وحلمت بالعيش الكريم وتحقيق العمل والسكن والكرامة و تحسن الأوضاع الاقتصادية . وهي المتضررة عموما من الأنظمة السابقة والحالمة بحياة أفضل في ظل حدوث الثورة . لكنها تجد نفسها خارجة من الحلم ومنغرسة في وحْل سلبيات هذه الثورة .

النماذج البشرية في هذه الرواية :

وقع اختيار مجموعة هامة من الشخصيات الشعبية التي تنتمي إلى القاع ثم حصرها أساسا في فضاء جغرافي واحد أي حي شعبي بُني على عجل في أطراف المدينة الكبيرة دون تهيئة عمرانية سليمة ، لرصد حياة هذه الفئة من الناس ومعاينة معاناتهم اليومية وتصوير يوميات من هذه الحياة في صراعهم مع الحاجة والفقر والمرض والعنف والرذيلة . يتنقلون في أنهج وممرات آسنة ضيقة تُصدر روائح كريهة ، وسط مياه الصرف. أو يتكدسون في الأسواق الشعبية والساحات العامّة .أو يتزاحمون على محلات بيع الخضار والفريب .أو يجمعون النفايات البلاستيكية ويتحدثون عن غلاء المعيشة وعجز الناس عن تلبية حاجياتهم اليومية من مأكل ومشرب ودواء خاصة .

هذه النماذج هي الشخصيات التالية:

عزيزة وهي طالبة انقطعت عن التعليم العالي في سنتها الرابعة حقوق لعجزها عن دفع مصاريف التنقل والدراسة .حلمت بالحرية والوظيفة ولكنها خابت تمتلك جسما جميلا ورشاقة جعلاها محبوبة من محسن أحد زملائها الذي مكنته من نفسها في دار للضيافة لما خرجت في رحلة مع أصدقائها وزملائها الطلبة، مما جعلها تحن إلى الحبّ وربط علاقات مع الشباب الذي يملك المال والسيارة . فتجد نفسها وقد تجملت تصادق فاروق شابا متزوجا صار يغدق عليها المال مقابل الاستمتاع بجسدها عشيقة حتى حملت منه . فتركها وهاجر إلى بوركينا فاسو •

نترة أخو عزيزة : شاب لم يتجاوز مستواه التعليم الإعدادي .انقطع عن الدراسة ولم يجد شغلا . فكون شِلَّة لنتر الهواتف والحواسيب والاعتداء على المحلات والاتجار في المخدرات وتعاطي الزطلة .والاستفادة من أموال المسروقات مقابل قضاء ساعات في ملهى لشرب الخمر ومراقصة الفتيات .

باولو، أخو عزيزة: شاب مثلي عاش بإيطاليا مدة سبع سنوات قضاها في السجن و رُحِّل إلى تونس ووجد عملا بمقهى وسط العاصمة . فمثل فشل حلم الهجرة •

مسعود وزوجته مبروكة: هما والدا عزيزة وباولو ونترة . شيخ متصاب متقاعد وامرأة ناشز . يشكو الحاجة لضعف منحة التقاعد وغلاء الأدوية والمعيشة . هو دائم الشجار مع زوجته . يجد رغبة في معاكسة النساء في الشارع رغم ما يتعرض إليه من ردّ فعل عنيف .•

الشيخ حامد، إمام المسجد: كوّن جمعية لجمع الأموال قصد القيام بإصلاحات لفائدة المسجد ولكنه استفاد منها شخصيا . يمثل دور التقي والواعظ وهو يخرج من منزله .•

سيف الدين، ابن الشيخ: يبيع المخدرات في دكانه وأمام المعاهد . يتوسط في تسفير بعض الشباب إلى بؤر التوتر مقابل المال . أطرده والده الشيخ حامد من المنزل لسوء سلوكه .•

الميزوني : شيخ مترهّل حاد الطبع بذيء اللسان يهدد زوجته ببيع منزله والدخول إلى مركز إيواء المسنين بمنوبة نقمة فيها لأنها لا تهتم به .•

سالمة زوجة الميزوني : امرأة بدينة بذيئة اللسان تعمل حارزة حمام مطلعة على أخبار الناس .•

ابنها : شاب وسيم مغرم بالراب غيتارست . أمام عراقيل تكوين فرقة نجح في الالتحاق بمركز موسيقي لتطوير ثقافته الموسيقية .•

عمار صدوقة : بين فحام : وجامع بلاستيك .•

المنجي كرشة : صديق نترة يشاركه السرقة ويتكفل ببيع المسروق ويقاسمه الأموال .•

ولد منير بوقديدة : فتى ذو مال من عائلة لها جاه يقضي يومه في المراقص والملاهي وشرب الخمر ومصادقة الفتيات : يلتقيه نترة في نزل بالحمامات ويراه يعنف صديقته ريم ويفتك منها هاتفها فيهرع لنجدتها ويعنف المعتدي فينال إعجابها ويصير من ذلك اليوم صديقها . فتقربه من العائلة وتمكنه من المال والسيارة ومن شراء شقة بحي راق بل وتدفعه إلى عالم السياسة فيكوّن حزبا ويتقدّم للانتخابات .•

محسن ابن الجارة خديجة: عائد من إيطاليا ويتقرب من نترة ومكانته ويرغب في مصاهرته.

وهكذا تنشأ سلطة جديدة بعد الثورة هي سلطة المال والسياسة وبناء الجاه والمكانة بعيدا عن الثقافة التقليدية.• صراع السلطة الدينية مع السلطة الزمنية المتجاوزة للقيم :ويمثل السلطة الدينية الإمام الشيخ حامد المعروف بسيرته في هذا الحي الشعبي بين السكان بل وبين المنحرفين . فقد جوبه بالشاب نترة لما اعترض على سلوكه وشكاه إلى والده ثم السلطة الأمنية . لما قام إثر جلسة خمرية ليلية مع صديقه كرشه وبائعه الهوى خميسة باقتحام مئذنة المسجد في وقت غير وقت صلاة الفجر بثلاث ساعات وأذن للصلاة . ثم غنى لحبيبته ريم ودندن بألحان وأغان ماجنة لا تحترم ثقافة ولا دينا .مما أزعج الإمام .

وحين واجهه الشيخ واعترض على سلوكه هذا ودعاه إلى إصلاح نفسه والإقبال على الصلاة وتجنب الكفر والزندقة ما كان منه إلا أن واجهه بجملة أخطائه أو تجاوزاته .وهي كما يلي : جمع أموال لفائدة المسجد قصد شراء مكيفات والقيام بإصلاحات و أخذها لنفسه . دفع رشاو والتدخل لفائدة ابنه شارب الخمرة والمتعاطي للمخدرات ومحرض الشباب على الهجرة إلى بؤر التوتر مقابل أموال والساعي إلى تدمير عقلية الشباب المدرسي. وذلك بترويج المخدرات. وأخيرا دعوته إلى الفضيلة والنهي عن المنكر وربط علاقات جنسية مع خميسة بائعة الهوى عند غياب زوجته . مما يدل على سلبية السلطة الدينية وعدم التزامها بالقيم الدينية المثلى التي تنادي بها . وذلك بانجذابها إلى الرذيلة والفساد من أجل الدفاع عن مصالح خاصة .

كما نلاحظ أيضا تحلل المجتمع وانفلات الناس من الالتزام بكل القيم الجميلة .والتطاول على المقدس في إطار نوع من التحرر التام من كل القيود والقيم التي لازمت سنوات الثورة مما يهدد باضمحلال منظومة القيم والقوانين التي تؤطر المجتمع .

البطولة والكتابة المشهدية لهذه الرواية علاقة بكتابة السيناريو . بل هي سيناريو جيد . تستطيع أن تقرأه قراءة مشهدية أو قراءة صورة : إذ فيه تركيز على الوصف والمظهر الخارجي والفضاءات والأماكن وهيئة الأجسام وحركتها والأصوات والألوان والخطابات .وتظهر هذه المشهدية في كامل النص حتى أن الكاتب وهو يكتب كأنه يبني ديكورا .(غرفة معتمة تقبع آخر بهو لا يتعدى الأمتار المربعة .تؤوي العجوزين الشيخ مسعود وزوجته مبروكة بينما تنام سوداء اللون من الندى والرطوبة راسمة صورة مشابهة لخارطة إفريقيا ) ص 8ولعل ذلك من أجل تبيان الحالة والصورة وتصوير الواقع الخارجي البئيس لمآلات الثورة . وكأنه يستعين بالكتابة على الرسم والتصوير والتسجيل حتى تبقى مشاهد المجتمع والأمكنة عالقة بالذهن واضحة للعيان شاهدة على الأيام .غياب البطولة :

رغم أن عزيزة وردت في أول الرواية وآخرها إلأّ أن جميع شخصيات هذه الرواية تمثل البطولة الجماعية أو صورا مختلفة لأبطال لا تتصارع أو تتفاضل ولكنها تتشارك في تقديم صورة عن التهميش والبؤس في المكان والزمان والشخصيات .

خاتمة :

لهذه الرواية مرجعية واقعية بل قل تاريخية أيضا وقد مرّت عشر سنوات على الثورة . وقد شكلت صورا ومشاهد ولوحات ومناظر من مسرحية ” جراح الثورة “. واكتفت الرواية بالمعاينة والمشاهدة والوصف وكان على الكاتب ان يتجاوز ما هو موجود ومدرك في اللحظة والفضاء إلى ما قد يحدث مستقبلا . ذلك أن كل كتابة جادة ذكية تبحث أيضا في أفق انتظار المتلقي في مستقبل الظاهرة أو الفكرة المعالجة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أديب وناقد تونسي، رئيس نادي “مؤانسات”

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار