تابعنا على

جور نار

للتونسيين والتونسيات… قصة طويلة مع “الكَرْنيات”

نشرت

في

تعيش أغلب العائلات التونسية هذه الأيام على وقع تسلّم “الكرنيات” وبطاقات الأعداد (قريبا) والتعرّف على مستوى المحاصيل بعد ثلاثية مدرسية هادئة وبعد سنة خلَتْ أربكتها إجراءات الحجب من الجانبين : حجب الأعداد من جهة وحجب الأجور من جهة أخرى.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

وتقديري أن حُمّى الأعداد والرّتب المتحصّل عليها تعكس – على الأقل في الجانب النقيّ منها- إيمانا صادقا بمصعد المدرسة ونُبل المعرفة وحرصا على ضمان المناعة لبناتنا وأبنائنا واستثمارا مُكلفا جدا في ما “ينفع الناس ويمكُثُ في الأرض”.

ويبدو أن قصة “الكرني” تقليد تونسي صرف يكاد لا يخلو منه بيت تونسي واحد، لكن تتنوّع أشكاله وأحجامه ومآربه حسب مجال الاهتمام الذي يختصّ به.

فهو “كرني” للكريدي (أو السّوالات) يحتفظ به عطّار الحومة أو حوانتي الدوّار لتدوين المشتريات غير المُسدّدة في انتظار جرايات آخر الشهر أو حلول فترة ما بعد “الكَشْطة”، أي انتهاء المزارعين من جمع محاصيلهم من الحبوب أو الزيتون وغيرهما.

وهو “كرْني” للعلاج يتلوّن بالأبيض أو الأصفر حسب مستوى احتياج الفئات الاجتماعية الهشّة والتعريفة الواجب تسديدها من دونها في المؤسسات الاستشفائية العمومية، وتشقى في سبيله الأرامل والفقيرات الحوامل ويستعمله بعض أصحاب القرار في فرض الهيمنة وتأبيد الولاء. كما يمكن أن نُدرج ضمن هذا الصنف “كرني” التلاقيح الذي أنقذ حياة آلاف الأطفال التونسين خلال فترة قاتمة في تاريخ الشعوب.

أو هو كذلك “كرني” للعناوين وأرقام الهاتف قبل مجيء الأجندات الإلكترونية. كان جيل الستّينات والسّبعينات – في غياب القواميس ومحركات البحث المعاصرة –  يخصص “كرنيات” يُحتفظ في طيّاتها بتفسير الكلمات الصعبة والتواريخ المهمة وأبيات الشعر الجديرة بالحفظ وبعض قواعد اللغة صعبة المِراس مثل العدد والمعدود ولام الجحود ولام التعليل في العربية، أو الجذور الاغريقية واللاتينية للكلمات في اللغة الفرنسية الخ… ويُذكر في هذا الخصوص أن “كرنيات” شهيرة في التاريخ اقترنت بمجد أصحابها مثل الكرني الأحمر لداروين أو كرني المولسكين لهيمينغواي أو كرني المحقّق لكولمبو.

ومن ضمن هذه “الكرنيات” كلها، هنالك واحدٌ يُمكن أن نُطلق عليه لقب “الكرني المقدّس” لأن الجميع ينتظره ويخشاه والأمهات خاصة تُثمّنه وترعاه ولا يهمّهنّ كثيرا ما يُدوّنه المعلمون والمعلمات من ملاحظات وتقييمات. تتجه الأنظار يوم تسلّمه والأيادي ترتعش إلى الطابق السّفلي فيه حيثُ تسجّل المعدلات والرّتب. تتوقّف في هذه اللحظة المصيرية عقارب الساعة عن الدوران حتى تفسح المجال لدوران الرؤوس وتعكّر النفوس، فإما أن ينهالوا على صاحبه أو صاحبته بالتقبيل والعناق مُرتّلين أجود لوائح المديح والثناء من قبيل “يعطيك الصحة وتبارك الله على بنتي وان شاء الله في الباكالوريا والدكتوراه” أو يتمّ الانقضاض عليه (خاصة إذا كان ولدا كثير اللعب جزيل الصخب) ليُكيلوه ما لذّ وطاب من العتاب والتشهير كأن يقال له “خلّيت كان الحيط وراك في قسمك يا ضايع يا رخيص أندادك… والله لا عاد تشوف فرنك مصروف من عندي…”.

كتبَتْ منذ يومين إحدى الأمهات التدوينة التالية :

“والله اليوم بنيّة تقرى مع بنتي جابت 17.65 وجات الثانية في القسم، أمها عطاتها طريحة نبّاشة القبور قدّام المدرسة وقدّام التلامذة الكل خاطر ماجاتش الأولى ولوّحت الكرني قدام المدرسة وبدات تعيّط وتدعي على المعلمين…”.

موقف طريف وحزين في نفس الوقت : طريف لأنه أشبه ما يكون بالكاريكاتور واللقطات المُضخّمة والمرحة في السينما الساخرة، وحزين كذلك لأنه يعكس عقلية كتيبة واسعة من الأمهات التونسيات اللواتي تسكنهنّ نزعات التّفاخر الأجوف و”التفوّقيّة” والغلبة والأسبقيّة والاعتقاد المُجانب لحقيقة التميز بأن الرتبة الأولى هي الرتبة الوحيدة الناجية من شبح الفشل … في تماه عجيب مع المثل العامّي المكرس لقيمة الاستئثار وحب الذات “خوذ بايك مالأول حتى من ضرب الدبّوس”.

يقول الرسام السريالي سلفادور دالي “ما أتألّم له عندما تحيد القطارات عن سكّتها، هو ضحايا الدرجة الأولى”. والمدرسة هي قطار الجميع بصرف النظر عن الرّفاه (اللوجستي أو البيداغوجي) الموزّع في غير عدل بين العربات والدّرجات، وهو محمول على المضيّ بسلامة وثبات نحو منتهاه المعلوم سلفا مع الالتزام بإيصال كل راكب إلى المحطّة التي اختارها لنفسه والتي له فيها مآرب جالبة للسعادة بنفس مستوى الوهج كما في باقي المحطات الأعلى … أو أكثر.

أصبح من المتعارف عليه أن أساليب التقييم الحديثة تجاوزت عُقدة “أوّل أوائل القسم” لأن العدد والرتبة لا يعكسان لوحدهما مستوى التميّز لدى الطفل بل لا بدّ أن يتضافر ذلك مع جملة من المؤشرات الدالّة الأخرى مثل الدافعية والاهتمام والقدرة على ما يسمى بـ “فهم المفاهيم” والمهارات الاجتماعية مثل التعاون والتواصل وفض النزاعات والتفكير الخلاّق والاستقلالية والمواظبة واكتساب “مهجة المعرفة” والمسؤولية والتوازن بين الحياة المدرسية والحياة الخاصة، إلخ. هذه الجداول الفرعية والموازية (وغير المُقيّمة بتاتا كذلك) هي التي تصنع في النهاية صرح شاب الغد الذي لن يُشهر رتبته المدرسية الأولى أو الثانية في وجه تعرّجات الطريق التي ستعترضه، بل ذكاءه الذي صقله عبر السنوات وحِنكته التي راكمها عبر الأزمات وكذلك قدرته على تحييد المعطّلات المختلفة ومراوغة فِخاخ “متصيّدي الرؤوس الذكية” في كبرى شركات العالم.

إن أغلب المعدّلات والرّتب تُصنع في قسم واحد وضمن مجموعة صغيرة واحدة بما يجعل أن ترتيبا جيدا في مربع ضيق تحكمه اعتبارات تربوية وغير تربوية أحيانا، لا يمكن أن يكون ضمانة حقيقية لجودة مستوى التكوين… وإلا سقطنا في قول الشاعر دي موسّيه “أُفضّل مثل قيصر أن أكون الأول في قريتي من أكون الثاني في روما” !

أيّ ثناءٍ على المتفوّقين ؟

من المؤكد أن الرّتبة داخل الفصل الدراسية لا تتوفّر على أية قيمة بيداغوجية في حدّ ذاتها إلا إذا حتّم التناظر اصطفاء عدد معيّن من المترشّحين في مجال ما، لذلك تمّ تعويض الدّرجات في عديد الأنظمة التربوية بملاحظات تقييمة عامة تكون الغاية منها إبراز مواطن التميّز والقُصور عند كل تلميذ من أجل الترصيد في الحالة الأولى أو الدّعم والعلاج في الحالة الثانية.

اعتقادي أنه قد حان الوقت في مدرستنا التونسية للإقلاع عن الرؤى البهيميّة التي تعتمد على مقاربة “العصا والجزرة” والتخلي عن الثناء المبالغ فيه المُرفق بإدانة غير مقبولة لأصحاب المراتب الأدنى.  

كما لا يمكنني وضع نقطة نهاية لهذه الورقة دون التعرّض إلى نوعية الملاحظات التي يخطّها المعلمون والأساتذة على “كرنيات” وبطاقات أعداد التلاميذ التي لا يجب أن تكون حسب نظري “ملاحظات كسولة” (حسن ومتوسط وكسول لا يعمل) ولا يجب في نفس الوقت أن تغرق في الابتذال الشعبوي الأقرب إلى التنمية البشرية درجة عاشرة من طراز “أحسنت يا بائع الكلمات” أو”كم أحبك يا بطل القراءة” أو كذلك “أحسنت يا أميرتي الجميلة”، إلخ…(هذه ملاحظات حقيقية من الواقع) مع قلوب حمراء متناثرة وأخطاء لغوية متكاثرة، بل يتعيّن أن تكون ملاحظات هادفة ترصد مكامن النّبوغ فتُذكيها وترقُب مواطن الخلل فتُقوّمها وتنبّه إليها في حرفيّة وموضوعية واعتدال.

أكمل القراءة
2 تعليقان

تعليق واحد

  1. نجاح

    18 ديسمبر 2023 في 17:16

    مادام نظامنا التربوي يصرفّ على ترتيب الاوائل وتوشيح وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بصورهم دون انتباه إلى القدرات المختلفة والمواهب المتعددة فلن نرتقي

    • راضية

      21 ديسمبر 2023 في 07:40

      منظومة التقييم فط تونس في أشد الحاجة للمراجعة

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار