بدأ الظهور المثير لعبير موسي خلال الفترة الاولى التي تلت انتفاضة 2011..في مقرات المحكمة حين اجتمع المحامون من مختلف الاتجاهات السياسية يسارا خاصة و يمينا إسلاميا أيضا يصيحون بصوت واحد “ديقاح”في وجه عبير الصامدة بصلابة بالجانب الأيمن من القاعة.. زملاء عبير من المحامين كانوا يعتبرونها تجسم رمزا من رموز النظام السابق بما أنها كانت تتحمل مسؤولية أمينة عامة مساعدة للتجمع الدستوري الديمقراطي الذي تم حله لاحقا… فكيف قفزت عبير موسي من حزب منحل إلى حزب قديم جديد حقق رقما قياسيا على مستوى حشد شعبية كبيرة تحت مسمى الحزب الدستوري الحر، و هو رقم لم يحققه أي حزب اخر ؟ …
<strong>محمد الزمزاري<strong>
هذا التحول الاستراتيجي و التنظيمي المهم جدا فرض مكانه بالساحة الوطنية منذ 13.اوت 2016 و هو يعد امتدادا للـ “حركة الدستورية” التي أسسها الوزير الأول الأسبق حامد القروي في 23.سبتمبر 2013. . …. نجح الحزب الدستوري الحر، في جمع شتات الدساترة و التجمعيين و العديد من الفئات الشعبية الأخرى و شارك لأول مرة في الانتخابات التشريعية سنة 2019 ليحصد 16 مقعدا بمجلس نواب الشعب من جملة 217..غير أن عبير موسي القوية المشاكسة -بغض النظر عما يرى في تلك المشاكسة الجانب الإيجابي أو السلبي – فرضت نفسها أيضا على المشهد بالوضوح و وضع الإصبع على موضع الداء الذي ينخر الوطن، و ذلك دون تردد أو مراوغة كما عهدناها…..
و قد طفحت على جل مداخلاتها بالمجلس و خارجه مواجهة واضحة المعالم للفكر الاخواني التي تجسمه حركة النهضة بحزبها ذي المرجعية الإسلامية و الذي تكوّن وفقا لأحكام المرسوم 87لسنة 2011 بتاريخ 24 سبتمبر 2011″ .. مما خول لها خطف الأضواء داخل البرلمان و الوطن و الخارج أيضا و فرض مكان محترم لدى وسائل الإعلام بمختلف أنواعها : طرح واضح و خطاب قوي مقنع يرى فيه البعض استفزازا أدى إلى بروز إفرازات و فقاقيع مناوئة مناصبة العداء لعبير موسي و حزبها داخل مجلس نواب الشعب من عنف و بلطجة و تكفير و تهديد و قذف لم يزد إلا من شعبيتها لتفضي إحصائيات الأسبوع المنقضي حول نية التصويت إلى حلولها في المرتبة الاولى التي تصل الى 34في المائة في مواجهة نهضة لم تحصد إلا 19بالمائة … فهل ستزيح عبير و حزبها القديم الجديد كل من ساهم في حله إثر ثورة البرويطة؟ و هل ستقلب السحر على الساحر و تعيد للأذهان المقولة الشهيرة ” الثورة يدبرها الدهاة و ينفذها الشجعان و يكسبها الجبناء”؟. أم هو سيناريو ” رومانيا شاوسيسكو ” القادم غلى عجل؟.
إن أي تحليل مرتكز على منطلقات موضوعية دون خلفيات سياسية مسبقة، يمكنه الخروج بالاستنتاجات التالية حول أسباب القفزة النوعية لحزب الدستوري الحر الذي تخطى كل الحواجز و الخصوم :
-الوضع المتردي الذي وصلت إليه البلاد
-الفشل الذريع لكل الحكومات المتعاقبة بعد الانتفاضة.
-الفراغ السياسي الذي طفح على الساحة الوطنية تبعا لتفتت حزب “نداء تونس” و ضعف المد اليساري الذي أنهكته عديد العوامل الموضوعية مثل حملات التكفير المحمومة بالمساجد و الخيام الدعوية و المنظمات “الخيرية” في عهد الترويكا خاصة و التي تذكر بـ”لجان يقظة ” النظام الأسبق. ..
– التطور المطرد للوعي الشعبي الذي بدأ يبحث عن بديل.
– بفضل خطاب مقنع وقوي وشجاع تطرحه عبير الحاصل بفضل مخزون ثقافي و سياسي و اقتصادي و قانوني يمكنها من الإحاطة بجل الميادين المذكورة.
– ربما أيضا بفضل تركيبة عبير موسي الشخصية فهي ابنة مدرسة فاضلة ألهمتها تربية بيداغوجية صلبة و والد أمني ألهمها و غرس فيها قوة التصميم و الروح المعنوية العالية و غريزة الانتصار.
-أخيرا بفضل تبنيها أطروحات اليسار خاصة منها المتعلقة منها بحتمية و ضرورة مواجهة الخصم التاريخي الإخواني الذي تجسمه النهضة اليوم . و راجعه اليسار في أطروحاته (حمة الهمامي: “الحزب الدستوري الحرّ أشد خطرا من النهضة”)
لماذا الخوف من عبير و حزبها؟
لم يكتف الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسي باستنهاض شرائح الدساترة و التجمعيين المصدومين جدا من انتفاضة 2011.التي هزت كيان حزبهم الأقوى، بل تمدد حزبها ليشمل جل الشرائح الشعبية و ينفذ سريعا إلى عمق الوطن تبعا للأسباب المذكورة و أيضا بفضل قيادات و إطارات حول عبير .. و مثلما كان متوقعا و حتميا، فإنه مقابل هذا التوسع السياسي الهام و اكتساح متواصل للفوز بثقة الطبقات المسحوقة بسبب فشل الحكومات المتعاقبة التي تركت إرثا ثقيلا جدا كتفشي البطالة و تغول التهريب و الفساد و انتشار العنف و الجريمة المنظمة و ازدهار تجارة المخدرات لهلوسة شبابنا … تقابل كل هذه المصائب سلطة ضعيفة عاجزة عن كبح جماح هذه الأوبئة فشلا أو إراديا ضمن أجندة سياسية لا تؤمن بالوطنية و أيضا و خاصة في ظل معاناة شعب كم نادى أثناء “ثورته” بـ”الشغل و الحرية و الكرامة الوطنية” فلم ينل من الشاة إلا جلدها … إلى حد أصبح هذا الشعب يجاهر بتمجيد العهد السابق الذي وفر له الأمان و الأمن و سبل العيش..
من هي عبير موسي؟ – ولدت في 15 مارس 1975 بجمال من عائلة أصيلة باجة. – ابنة لام مدرّسة و والد ضابط أمن. ـ حاصلة على الماجستير في القانون. ـ حاصلة على شهادة الدراسات المعمقة في القانون الاقتصادي و قانون الأعمال . – محامية بمحكمة التعقيب. سياسية تقود الحزب الدستوري الحر منذ تأسيسه بتاريخ 13 اوت 2016
…مثلما نجح الحزب الدستوري الحر باطراد مستمر في حشد شعبية كبيرة و افتكاك رئيسته زعامة المعارضة و تقديم مبادرات عملية، تفاعل معها طيف هام من و الحداثيين و أنصار الدولة المدنية (مثلما حصل مؤخرا في الاعتصام أمام مقر اتحاد القرضاوي بتونس) … فقد كان مستهدفا من طرف خصومه ابتداء من التقزيم وصولا إلى التكفير و التهديد بالاغتيال مرورا بالاستفزازات و الاعتداءات التي أفرزت عديد الصور المجسمة بوضوح للبلطجة و العنف حتى بأروقة مجلس نواب الشعب و أيضا الاجتماعات السياسية العامة (سيدي بمزيد و رمي اجتماع عبير بحجارة من سجيل). هذا بالإضافة إلى الحملات المتواصلة بوسائل الإعلام الافتراضية التي يشنّها مسمى “الذباب الازرق”…
لكن أهم سلاح يعتقد خصوم هذا الحزب بأنه أشد فتكا أو يصيبه في مقتل هو التذكير دوما و التخويف المستمر من عودة النظام القديم “الدكتاتوري” و برجوع الإبن الضال لخنق الشعب مجددا … لكن بالمقابل، فاتهم أن الشعب أصبح اليوم “براغماتيا” و حاذقا للسياسة أكثر من سياسويي هذه الأيام الذين يباعون و يشترون بالمزاد.. كما يدرك جيدا بأن الحزب الدستوري. عبير موسي أو غيرها..لن يكون بالغباء و السذاجة كي يعيد إنتاج سياسة الحزب الواحد و برلمان التصفيق، في وطن جديدشهد متغيرات كثيرة و عايش تخمة من الأحزاب بينها الغث و المريض و معارضة و مجتمع مدني و وسائل إعلام حرة و لو بصورة نسبية و أنه لا مجال للرجوع إلى الوراء!! ..
الشعب التونسي اليوم له متطلبات استشهد من أجلها مئات من شباب الثورة و المتمثلة أساسا في :
-الأمن
-الغذاء و الكرامة
-.الشغل
– الحريات العامة و الخاصة
العدالة الاجتماعية و الجهوية ـ
و هي أحلام و مطامح عجزت حكومات ما بعد انتفاضة 2011. عن تحقيق أي نزر منها إذا ما استثنينا حرية رأي و صحافة مستهدفة دوما فهل يهم الغارق بالبحر لون حبل نجاته؟ ثم هل آن الأوان لعبير موسي و لحزب الدستوري الحر إرسال إشارات أكثر وضوحا حول تحولاته الاستراتيجية العميقة باتجاه الديمقراطية و الحريات و العدالة الاجتماعية و الجهوية و كنس كل “الكورونات “التي تفشت بالبلاد و خنقت فعلا شعبا لا يستحق كل هذا العذاب؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.