تابعنا على

جور نار

لماذا نضطرّ إلى تغيير القناة … مع كل خطاب لمولانا؟

نشرت

في

أطلّ علينا مولانا للمرّة الثانية جالسا على كرسي رئاسة مجلس الوزراء…لا شيء تغيّر عن المرّة الأولى ولا عن كل مرّة يخرج فيها علينا مولانا ليشبعنا دروسا في كشف عورة الفساد ومقاومته، وكيف نقتل العقرب بأسفل الحذاء…هكذا هو مولانا لم يتغيّر فهو لم يتخلّص إلى يومنا هذا من هاجس التدريس وإلقاء المحاضرات…وكأن الشعب…لا يزال في سنته الأولى من التعليم الأساسي…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

مولانا يريد شيئا، لكنه يطالب بأشياء أخرى…يريد أن نكون معه ووراء كل ما يعلنه…ويشتمنا…ويتهم بعضنا…ويصرخ في وجوهنا جميعا…مهدّدا… متوعدا بالويل والثبور والكثير من عظائم الأمور…هكذا هو مولانا لم يتغيّر ولم يدرك أنه اليوم رئيس الجميع من بنزرت إلى آخر نقطة في جنوب البلاد… وعليه أن يدرك أن من يشتمهم اليوم ويتهمهم بأبشع التهم لن يكونوا أبدا معه غدا…يوم يعرف الجميع أنهم أبرياء مما قال ويقولون…وعليه أن يترك ما للقضاء للقضاء فهو الأقدر والأدرى بما يفعله…فما يفعله وما يأتيه مع كل إطلالة هو تدخّل ضمني لا غبار عليه في القضاء…

مولانا لم يع إلى حدّ اللحظة أن إصلاح الخراب الذي عشناه منذ 14 جانفي لا يكون بالصراخ …ولا باتهام الجميع…ولا بسرد القصص التي لا نجد لها مقدّمة ولا خاتمة ولا معنى…إصلاح البلاد والخراب الذي عشناه ونعيشه إلى يوم الناس هذا يكون أحببنا أم كرهنا بشراكة حقيقية بين جميع المكونات السياسية والاجتماعية، في ظلّ حكم تعددي نحترم فيه الاختلاف…والرأي الآخر…فالتعايش بين الجميع لا يكون أبدا بتبادل التهم والتهديد والوعيد وفرض نمط سياسي واجتماعي بقوّة السلطة والجاه، وبتأويل نصوص الدستور كما ولما نريد…وعليه أن يعلم أن الجسد المريض لا يمكن أن يستجيب للعلاج بسرعة إذا لم يقع عرضه على طبيب ماهر يدرك حقيقة أوجاعه وما يعانيه…ويعرف كيف يعالجه ويخرجه مما هو فيه…دون أن يؤلمه ويؤذيه…وتونس اليوم جسد مريض وموجوع…

مولانا لم يخرج من دائرة خطابه المشحون …والغاضب…والمتشنّج منذ جلس على كرسي قرطاج وعرف حقيقة حجم صلاحياته…ولم يسلم أحد من خصومه من تهديده ووعيده واتهاماته التي لا تنتهي…وكأني ببعض من هم حوله حوّلوا وجهته نحو وجهة تُلهيه عن الهدف المنشود والموعود…مولانا لم يدرك إلى حدّ الساعة أن منهجه وطريقة تعامله مع بقيّة مكونات المشهد ومع متطلبات المرحلة لن تُفيد البلاد في شيء ولن تخرجها مما هي فيه…وقد تدخل البلاد في عزلة تامة، وتوسّع الهوّة بينها وبين كل حلفاء وشركاء الأمس…ولم يدرك أن من ينصحونه بتوخّي هذا المسلك المتشنج في تعامله مع المرحلة ومع بقيّة الأطراف المكونة للمشهد السياسي والاجتماعي، يريدونه أن يفشل في إيجاد وتقديم رؤية واضحة لاحتواء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد، من خلال توحيد جهود كل الأطراف، من أجل بلوغ هدف واحد يتفق حوله الجميع في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد، علما بأنه لن يكون قادرا على ذلك بمفرده أبدا…حتى وإن وقفت إلى جانبه كل دول الخليج …

كما يريدونه أن يفشل في توفير أبسط ضروريات الحياة لأفراد هذا الشعب من صحة وتعليم وخدمات معيشية يومية والضغط على الأسعار والحفاظ على المقدرة الشرائية لجميع المواطنين من شمال البلاد إلى جنوبها…

ويريدونه أن يفشل في الوصول إلى مصالحة شاملة يجلس خلالها الجميع حول طاولة الوطن باستثناء من أجرم في حق البلاد والعباد ومن ساهم في خرابها وايصالها إلى ما هي عليه وفيه اليوم…

ويريدونه أن يفشل في مواصلة الحفاظ على أمن ونظام البلاد وايجاد التدابير الكفيلة للحدّ من خطورة الإرهاب والقضاء على ما تبقى من فلوله …

ويريدونه أن يفشل في القضاء على البطالة والبحث عن الطرق الكفيلة ومضاعفة الجهود من أجل خلق وجلب الاستثمار، لتوفير مواطن شغل للعاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا وبقية فئات المجتمع…

ويريدونه أن يفشل في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس سليمة لا تقصي أحدا وعلى أساس الخبرة والكفاءة …

ولأن الخطاب هو الوسيلة الأكثر تأثيراً وتفاعلاً في نفس المتلقي، فإن بعض من هم حول الرئيس أو من ينصحونه من هنا وهناك لم يدركوا إلى يومنا هذا خطورة الخطاب الذي يتوخاه ساكن قرطاج منذ جلوسه على كرسي قصر قرطاج…فهذا الخطاب هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من تحرّش سياسي من عديد الأطراف الخارجية التي لم تتعوّد منّا سابقا هذا الخطاب. فتونس عُرفت منذ استقلالها، بخطاب متوازن وعقلاني غير متشنّج، جلب لنا احترام الجميع شرقا وغربا…والخطر الأكبر هو أن يسيء البعض فهم خطاب ساكن قرطاج  فيرى فيه وسيلة للشحن الانفعالي المهيج للعواطف والكراهية …فنحن اليوم في حاجة أكيدة وملحّة إلى خطاب عقلاني مدروس وهادئ فخطاب الانفعال والتوتر لن يجلب لنا أبدا نتائج طيبة ومقبولة، و الصراخ والانفعال لن يصل أبدا بأصحابه إلى غاياتهم وأهدافهم، والخوف كل الخوف أن تكون نتائجه العكسية أكبر وأخطر على من يتبناه….

قد أتفهّم أحيانا تشنّج خطاب ساكن قرطاج فوضع البلاد موجع إلى حدّ الصراخ…لكن هل وجب أن يكون خطابنا على نفس الوتيرة وعلى نفس المقام دون أن نأتي يوما بأمر يسعد الشعب منذ جلوسنا على كرسي الحكم؟ والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل خطاب لمولانا ساكن قرطاج هل ثمّة عوامل أخرى وراء هذا التشنّج الذي نعيشه مع كل خطاب لساكن القصر؟ هل يمكن أن يكون لغياب مشروع سياسي واضح واستراتيجي لمولانا دور في كل هذا التشنّج؟ وهل يكون هذا الشحن الانفعالي والتشنّج الخطابي المتواصل مجرّد وسيلة للتغطية على ضعف المشروع والبرنامج السياسي لمولانا؟ وهل يمكن أن يكون نقص التجربة السياسية لمولانا وراء كل هذا التشنّج الخطابي؟ وكأني بساكن قرطاج يستخدم سيكولوجية الجماهير بخطابه الشاحن لتحقيق غايات لم يكشفها إلى حدّ الساعة، وقد تكون غايات انتخابية سريعة المفعول في قادم الأشهر، لكن هل قرأ حسابا للخسائر التي قد تتكبدها البلاد، فكل الأنظمة التي توخّت خطاب التهديد والوعيد انزلقت إلى الدكتاتورية إذ الخطاب العنيف يحمل دائما في طيّاته طبيعة ارتدادية تؤسس للعنف والعنف المضاد وقد تقود البلاد إلى تفكّك كامل للنسيج المجتمعي…

فهل يدرك مولانا ساكن قرطاج أن خطابه المتشنّج لن يذهب بنا بعيدا ولن يخرجنا مما نحن فيه، وهل يُقدم على تغيير خطابه من خطاب سلبي شاحن ومهيّج إلى خطاب إيجابي وعقلاني جامع ومدروس يوحّد الجميع حول هدف واحد… فالانفعالات كما يقول أفلاطون تقتل السياسة، وتحطم أسس المدينة والدولة… وقد كان أفلاطون حريصا على أن يقوم بنيان الجمهورية على أساس النفس العاقلة، ووضع النفس العاقلة فوق النفس الغاضبة والنفس الشهوانية…وهو بذلك يستبعد سلطة الانفعالات دينية كانت أو غير دينية عن القرار السياسي… فالخطر الأكبر على القرارات السياسية حسب افلاطون هي العواطف الإنسانية…فهل نسعد يا ترى بخطاب يختمه مولانا بطرفة تضحك الجميع…أم نواصل البحث عن قناة أخرى قبل نهاية كل خطاب لمولانا…؟؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار