تابعنا على

جلـ ... منار

معضلة المياه والطاقة: البحث عن حلول (ج 3)

نشرت

في

منذ النصف الثاني من القرن العشرين اكتشف الإنسان مصادر جبارة للحصول على الطاقة غير تلك المستمدة من عملية التمثيل الضوئي النباتي. بداية كان شطر الذرات الثقيلة كاليورانيوم ثم ادماج الذرات الخفيفة كالهيدروجين (والد كافة العناصر الكيميائية) في محاكاة لنشأة المادة المتنوعة في هذا الكون اللامتناهي مصحوبة بإطلاق طاقة هائلة.

أ. د . طالب أبو شرار *

في مرحلة مراجعة المعرفة والتكنولوجيا، اكتشف الإنسان إمكانيات الحصول على الطاقة بوسائل أقل خطورة على سلامة الحياة بمجملها على كوكبنا. أهم تلك الوسائل كان في محاكاة الحياة النباتية في تحويل طاقة الإشعاع الشمسي الى طاقة كهربائية تسمى  Photovoltaic أو طاقة كهروضوئية أو بالأدق طاقة كهروفوتونية. ها نحن ذا نقف على أعتاب مرحلة جديدة لأن تطوير مثل هذا المصدر سيفتح أمامنا أبواب آفاق لا حصر لها من مصادر للطاقة النظيفة الآمنة بل سيمكن من تغيير بيئة الحياة بمجملها في كوكبنا فكيف يكون ذلك؟ هنالك نظام شائع هذه الأيام هو النظام الشمسي الكهروفوتوني Solar) Photovoltaic) الذي يوفر كفاءة لاقتناص الطاقة الشمسية تتراوح بين 20-40% كما أن هناك تقنية أكثر تطورا وأكثر كفاءة من التقنية السابقة وتعرف بنظام الطاقة الشمسية المركزة (Concentrated Solar Power) وفوق هذه وتلك هناك تقنية واعدة تحاكي أسلوب اليخضور النباتي في اقتناص الطاقة الضوئية.

ولكي أوضح أهمية الطاقة الشمسية في مستقبل حياتنا، لنفترض أننا سنعمد الى أسلوب النظام الشمسي الحراري الأقل كفاءة في اقتناص الطاقة (20% فقط من الطاقة الضوئية) فإن تغطية نحو كيلومتر مربع واحد من سطح الأرض في معظم الأقطار العربية سيولد طاقة كهربائية لا تقل عن 50 ميجا واط ساعة أو بتعبير أدق 438 جيغا واط ساعة في السنة. الجميل في هذه التقنية أن العنصر المستخدم في الحصول على الكهرباء من الطاقة الشمسية هو السيليكون أي العنصر الأكثر شيوعا في تركيبات الصخور النارية وبالتالي الآمن بيئيا بشكل مطلق. والآن لنتخيل المنظومة التالية: ساحة كبيرة من مرايا الخلايا الكهروضوئية تغطي صحارينا المشمسة والشاسعة. ستحول تلك السطوح دون ارتفاع حرارة التربة الرملية لأن جزءا لا يستهان به من طاقة الإشعاع الشمسي سيتحول الى طاقة كهربائية أي أننا بزيادة المساحات المغطاة بالمرايا الشمسية سنغير حتما طقس المنطقة وربما مناخها.

سيكون من الممكن أيضا نقل تلك الطاقة الكهربائية الى أماكن بعيدة حيث تستثمر في شتى النشاطات الإنسانية كالاستهلاك المنزلي والعمليات الصناعية والتخزين في بطاريات السيارات والطائرات والسفن وما الى ذلك. المهم هنا أن جزءا من تلك الطاقة الكهربائية المستدامة يمكن استخدامه في تحلية مياه البحر بأسلوب التناضح العكسي المشار اليه. سيكون ممكنا استهلاك تلك المياه بشكل مباشر أو غير مباشر في كافة النشاطات الإنسانية بدءا من مياه الشرب وانتهاء بالتدوير لغايات الري الزراعي خاصة ري المناطق الصحراوية القاحلة. ستصبح التربة أسفل المرايا الشمسية أقل عدوانية تجاه الحياة النباتية، ومن ثم، يمكننا استزراعها بأشكال وأنماط تتواءم مع البيئة المستجدة.

في هذا الصدد، ستوفر تقنيات المرايا الشمسية استهلاك المياه الجوفية المستخرجة من المناطق الصحراوية. هذا الإجراء هو تحول أكثر أمانا بيئيا واقتصاديا إذ أن نقل المياه الجوفية من المناطق الصحراوية الى مناطق الاستهلاك الحضري هو أيضا عملية نقل غير واعية لبعض الملوثات البيئية الخطيرة كالملوحة والتلوث الإشعاعي الموثق في العديد من مصادر المياه الجوفية خاصة الملحية منها. ختام ترحال تلك الملوثات هو التربة الزراعية التي ستتأثر وستؤثر سلبا على المحاصيل المروية بتلك المياه. هذه الرؤيا ليست نتاج حلم بل هي استنطاق لمسيرة التطور الإنساني. ذات يوم ستصبح الصحاري المشمسة ذات فائدة حيوية للإنسانية تبز فوائد أجود الأراضي الزراعية.

وبعد، لا بد من الإشارة الى أن مساهماتنا العلمية والتكنولوجية نحن العرب هي في أدنى المستويات الإنسانية. نحن نستورد كافة مخرجات التكنولوجيا حتى من دول كانت الى وقت قريب مصدر عمالة رخيصة في بعض بلادنا العربية ثم انقلبت الموازين لتصبح بلادنا مصدرا للعمالة الرخيصة في بعض من تلك الدول. أتذكر في صباي كيف كانت هناك جالية يونانية كبيرة في الإسكندرية لم تكن من موروث استعماري كالجالية الفرنسية في الجزائر عقب الاستقلال. أتذكر أيضا كيف كان بعض الأسبان يعملون تجارا جوالين يحملون بضاعتهم على ظهور البغال ويجوبون قرى المغرب أو كيف تعاقدت شركة كورية لإنجاز مشروع بناء سلسلة من التجمعات السكنية في وادي الأردن في سبعينات القرن الماضي.

كان عاملوها مجرد متقاعدين عسكريين من الجيش الكوري الجنوبي يصطفون صبيحة كل يوم عمل في طابور منتظم كما لو كانوا على رأس عملهم السابق. هل يفكر أحد منا في استئجار مثل تلك العمالة بعد مرور أقل من خمسين عاما؟  ربما التمس عذرا لأبناء جلدتي الذين تقاعسوا عن اكتشاف طريق الأمم للنهوض الحضاري لكني لا أستطيع التفكير بأعذار تجيز لنا انتظار الفرج من الخارج عندما يدق الخطر الماحق أبوابنا في موضوع مصيري كندرة المياه. الماء شرط حيوي لكافة الأمور المصيرية بدءا من نوعية الحياة الإنسانية وانتهاء بمستلزمات الإنتاج الزراعي والصناعي والسياحي والحضاري.

ما العمل إذن؟ التخطيط العلمي المتأني من أجل تطوير مساهمة عربية إنسانية في المجالات السابقة يستدعي إنشاء مؤسسة عربية متينة والمتانة هنا تتمثل بالابتعاد عن كل الأمراض التي واكبت مشاريع العمل العربي المشترك من اقتسام الوظائف القومية قبليا (أي قطريا) لأي اعتبار واهِ يخرج عن منطق الأهلية العلمية الموثقة بمساهمات بحثية ابداعية منشورة في مجلات علمية عالمية مرموقة. لا بد أيضا من اعتماد خطة مسبقة ومحددة المراحل زمنيا لتحقيق منجزات ملموسة على كافة الصعد المتفق عليها عند اعتماد استراتيجية تلك المؤسسة. هو منطق المساءلة الدورية التي لا بد منها لمكافأة أو لمعاقبة العاملين والتي لا بد من اعتمادهما بادئ ذي بدء إن أردنا الوصول الى غاياتنا. وصفة نجاح العمل المؤسسي ليست وصفة سحرية. هي موجودة لدى كافة المؤسسات الناجحة عالميا من أقصى الشرق الى أقصى الغرب. المطلوب فقط هو الصدق مع أنفسنا والولاء لمصيرنا المشترك فلعلنا نرى بعض الضوء في نهاية هذا النفق الطويل… الطويل…

رحم الله أبا الطيب المتنبي، حكيم هذه الأمة إذ يقول:

   كَدَعواكِ كُلٌّ يَدَّعي صِحَّةَ العَقلِ                 وَمَن ذا الَّذي يَدري بِما فيهِ مِن جَهلِ

(“عن “رأي اليوم)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ الأراضي والمياه ـ الجامعة الأردنية

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار