تابعنا على

جلـ ... منار

من فيتنام إلى غزة.. الانتفاضات الطلابية مجددا

نشرت

في

مظاهرة أمام جامعة كولومبيا في نيويورك تضامنًا مع الطلاب المعتصمين داخلها للمطالبة بوقف حرب غزة

بعد (56) عاما عادت جامعة كولومبيا العريقة في مدينة نيويورك إلى مركز اهتمامات الرأي العام بإلهام الاحتجاج السياسي وتأثيره على مجريات الحوادث. فى عام (1968) ولد جيل أمريكي جديد يعترض ويحتج على جرائم الحرب في فيتنام، ويرفض التجنيد في الجيش الذي يرتكبها على بعد آلاف الأميال.

عبد الله السنّاوي
<strong>عبد الله السنّاوي<strong>

كان ذلك داعيا إلى وقف تلك الحرب بعدما افتقدت ظهيرها الشعبي داخل الولايات المتحدة.

نفس الأجواء الغاضبة بنفس المكان تتكرر الآن تحت عناوين جديدة تستنكر التورط في حرب الإبادة الجماعية والتجويع المنهجي بغزة المحاصرة، تطلب وقفا مستداما لإطلاق النار ووقفا آخر لأية استثمارات في شركات تدعم إسرائيل بالتكنولوجيا العسكرية.

كان ذلك المطلب الأخير تطورا غير مسبوق في السياسة الداخلية الأمريكية يضع مستقبل العلاقات مع إسرائيل بين قوسين كبيرين.

“ليس من السهل تجاهل جثة طفل بين ذراعي أمه، ليس من السهل تجاهل الجياع وهم يتدافعون بحثا عن رغيف خبز والرصاص يطلق عليهم، وليس من السهل إزالة الحطام بعد تعرض شاحنات المساعدات لإطلاق النار ومقتل عمال إغاثة إنسانية”.

كان ذلك تلخيصا إنسانيا أوردته صحيفة “نيويورك تايمز” لدواعي الغضب السياسي، الذي اجتاح الأجيال الجديدة.

في المرتين على اختلاف الأزمان والعناوين، نصبت خيام في الحرم الجامعي، جرت صدامات واقتحامات واعتقالات دون أن توقف زخم الغضب. وفي المرتين امتدت التظاهرات والاحتجاجات من كولومبيا إلى كافة جامعات النخبة الأمريكية.

نحن أمام جيل جديد يصطدم مدفوعا بمثله العليا مع مؤسسات الحكم، البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس والمدعين العامين وحكام الولايات مستندين إلى رؤساء الجامعات، الذين أخذوا يلوحون بالقبضة الأمنية. حسب قراءة “تشارلز بلو” في الـنيويورك تايمز، فإن الجيل الغاضب على حرب فيتنام أنضجته حركة الحقوق المدنية.. والجيل الغاضب على حرب غزة اكتسب وعيه من الحركات الاحتجاجية ك”احتلوا وول ستريت” و”حياة السود مهمة”. بأثر ذلك الصدام تبدو أمريكا عند مفترق طرق في إدارة صراعاتها بالشرق الأوسط.

سوف يأخذ الصدام مداه قمعا واعتقالا وإغلاقا إداريا وعقابا للأساتذة الذين يدافعون عن حق الطلاب في التعبير عن آرائهم بحرية.

أي صدام مع المستقبل خاسر مقدما. هذه حقيقة مؤكدة. لا يوجد غضب خارج سياق مجتمعه. وهذه حقيقة أخرى. وفق استطلاع أخير في صفوف الحزب الديمقراطي فإن (53%) يعارضون إرسال المزيد من المساعدات العسكرية لإسرائيل. التطور لافت بذاته رغم ما أبدته المؤسسة التشريعية بجناحيها الجمهورى والديمقراطى من استعداد للمضي بعيدا في دعم إسرائيل وغض البصر عما يحيق بأهالي غزة من عذاب فوق طاقة بشر على التحمل.

كان دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” على خط المساجلات الأمريكية الداخلية باتهام الطلاب بـ”معاداة السامية” صبا للزيت على النيران المشتعلة في الصدور، فهو بشخصه وتصرفاته وجرائمه يلخص كل ما يكرهه الجيل الجديد، خاصة بأوساط اليهود الأمريكيين. بالتزامن نشأت حركة احتجاج في جامعة السوربون الفرنسية ضد تورط الرئيس “ايمانويل ماكرون” في الحرب على غزة وتعرضت للقمع.

القمع هو المحرك الأول للتصعيد. كلما أمعنت السلطات في القمع تزايدت مشاعر الغضب. الذين لا يقرأون التاريخ يرتكبون الخطأ نفسه مرة بعد أخرى. تلوح في الأفق مقدمات موجة جديدة من الحركات الطلابية بأنحاء مختلفة من العالم تكاد تقارب مستويات غضب شباب أواخر ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي. في عام (1968) نشأت حركات وانتفاضات طلابية، أهمها وأكثرها دويا الفرنسية والأمريكية والمصرية. اكتسبت انتفاضة مايو في فرنسا تأثيرها الواسع من الأفكار التي صاحبتها والرموز الثقافية والفكرية التي شاركت فيها، ومن الأثار الاجتماعية التي ترتبت عنها.

لكل حركة طبيعة وأسباب تختلف عن الأخرى، لكن يجمع بينها الغضب على ما هو حولها وأمامها وخلفها. انتشرت في تلك الأيام مسرحية الكاتب البريطاني جون أوسبورن:”انظر وراءك في غضب” رغم أنها كتبت في الخمسينات – كأنها بدلالات عنوانها ثورة جامحة على الماضي بكل إرثه. شاعت كتابات الفيلسوف الألماني “هربرت ماركوز” عن دور الطلاب في صناعة التاريخ، واحتلت صور الثائر الأممي “أرنستو تشي غيفارا” جدران المدن الجامعية رمزا للتمرد على سطوة النظم. بدأت تظهر مجلات الحائط على جدران الكليات الجامعية بأقلام “فلوماستر” وروح متمردة. وقد استوحيت من الثورة الثقافية في الصين.

كانت مجلات الحائط في وقتها وظروفها ثورة في حرية التعبير عما تختلج به النفوس دون رقابة، أو مصادرة. ثورة أتاحت أوسع فرص ممكنة للحوارات المفتوحة. في فبراير من ذلك العام الغاضب تبدت في مصر صدمة واسعة على خلفية أحكام مخففة بحق المتسببين في نكسة يونيو (1967) من سلاح الطيران. خرجت تظاهرات في جامعة الإسكندرية تحتج على الأحكام. تطورت مطالبها إلى تعبئة موارد البلاد لخوض حرب تحرير سيناء المحتلة وتوسيع المشاركة السياسية في صناعة القرار. وكانت التظاهرات الطلابية عام (1972)، التي انطلقت من جامعة القاهرة، بحجمها وأثرها، إعلانا مدويا عن ميلاد جيل جديد.

ارتبطت لحظة الميلاد مع نداء استعادة الأراضي المحتلة بقوة السلاح ورفض المماطلة في اتخاذ قرار الحرب. كما ارتبطت بصورة “الفدائي الفلسطينى”، الذي وجد هويته في بندقيته ـ على ما أنشدت أم كلثوم من كلمات نزار قباني. بدت الانتفاضة قوية ومباغتة كأن غضبا مكتوما قد انفجر.

بدأت الشرارة في كلية الهندسة وانتقلت بشرعية غضبها إلى كليات أخرى ومن جامعة القاهرة إلى جامعة الأزهر، ثم إلى جامعات ثالثة ورابعة وخامسة. السيناريو نفسه يكاد يتكرر الآن بحذافيره في جامعة كولومبيا، إنها الروح الجامعية الشابة في كل مكان.

في العام التالى (1973) تحركت في جامعة القاهرة انتفاضة طلابية جديدة، كما لو أنها استئناف لانتفاضة (1972). انتقلت الانتفاضة الجديدة بأجوائها إلى الجامعات المصرية الأخرى تحت نفس المطالب: تهيئة الجبهة الداخلية للحرب وتوسيع المشاركة في صنع القرار. جرت تظاهرات واعتصامات وتكرر سيناريو اقتحام قاعة الاحتفالات الكبرى بقوة الأمن المركزي واعتقال أعداد كبيرة من القيادات الطلابية، سرعان ما كان يجري الإفراج عنهم- كما جرت العادة في تلك الأيام.

أطلقت اتهامات عشوائية تصف جماعات الشباب بـ”القلة المندسة” كتلك التي تتهم الاحتجاجات الأمريكية الجديدة بأنها معادية للسامية، أو أن “حماس” تقف وراءها!! كان ذلك ادعاء لا دليل عليه، إذ تشارك جماعات يهودية عديدة فى الاحتجاجات.

بأثر التضامن الجيلي وقوة الضمير الإنساني تمددت التظاهرات واتسع نطاقها واضطر البيت الأبيض إلى استبعاد اقتراح رئيس مجلس النواب باستدعاء الحرس الوطني لقمعها. لا يمكن مصادرة المستقبل ولا الحجر على الغضب ولا الاستمرار في حرب إبادة غزة دون ردات فعل غاضبة وعواقب وخيمة.

ـ عن “الشروق” المصرية ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

حياتك والآخرون

نشرت

في

وفاء سلطان:

أجلس كي أحتسي فنجان قهوتي الصباحي…

أبحث عن شيء أسجله…

وتبدأ كاميرتي بالتقاط أحداث اللحظة تلو اللحظة…

وفاء سلطان

رغم روتينية تلك الأحداث ورتابتها، علمني الغوص في أعماق الفلسفلة الزينيّة Zen التي تؤكد أنه لا قديم تحت الشمس،

علمني أن أبتهج وكأنني أرى كل شيء للمرة الاولى،

كما يبتهج طفل في ربيعه الرابع

عندما يقع بصره على لعبة جديدة لم يرها من قبل!

……..

ما أجمل هذا الصباح وما أعذب طعم القهوة!

شعوري بجماله وبعذوبة قهوتي يفتح حواسي لأرى كل شيء جميلا وعذبا…

……..

لا أريد من قارئي أن يظن أنني كفراشة تلاحق الأزهار كي ترتشف رحيقها بلا هم وغم،.. فأنا كأي انسان آخر، تحاصرني ضغوط الحياة دائما، وأشعر أحيانا بأنني أحمل عشر بطيخات في يد واحدة، لو سقطت أي منها لانهار العالم فوق رأسي! لكنني بطبعي وبتطبعي، وكلما شعرت بثقل الحمل فوق منكبيّ، أمد يدي لأمسح قطرة ندى من على برعم صغير، كي أستمد منها ومن البرعم طاقة تكفي لحمل الجبال… نعم أنا موصولة بالكون من خلال قطرة ندى، ذلك الكون الذي يضخ في عروقي طاقته، كما يضخ قلب الأم الدماء عبر الحبل السري في عروق جنينها. قطرة ندى كانت، ودائما ستكون، حبلي السري الذي يصلني بمنبع كوني لا ينضب، ولذلك أنا سعيدة… ولذلك أنا متفائلة… ولذلك أرى الوجود جميلا..

……..

يدخل المقهى شاب بعربته المجهزة كهربائيا والمبرمجة لتكون جهازه الحركي، بعد أن شاءت أقداره أن يولد بعجز جسدي. يلتقط فنجان قهوته ويجلس كي يحتسيه كأي شخص آخر… لا أحد من رواد المقهى المواظبين ـ بمن فيهم أنا، لا يعرف جيسين … لا أحد فينا لم يستمتع ولو مرّة بالحديث معه… يتعثر ويتأتئ ، لكنك في النهاية تفهمه ويفهمك… يتمنى لك ـ قبل أن تتمنى له ـ يوما سعيدا وأمنية أن يراك في الغد.

لم يولد جيسين بعجز جسدي وحسب، بل ولِد أيضا بقدرات عقلية محدودة. لكن، وفي سنوات عمره المبكرة ـ عومل كأي طفل آخر، ولاقى من العناية مالا يلاقيه أي طفل طبيعي آخر، لذلك خرج إلى الحياة مزودا بمهارات تكفيه ليعيش حياة مستقلة وكريمة!

شاءت أقداره أن يولد في بلد يقدر الحياة ويعتبرها قيمة، بل أقدس القيم… ولأنهم يقدسونها كقيمة كانوا قادرين على أن يحسنوا نوعيتها، ويضمنوا نوعية جيدة حتى لمن يولد عاجزا منها… لطالما راقبت جيسين وهو يقطع الطرقات بعربته الكهربائية،.. ثم ذرفت دمعة على ذلك الوطن البعيد…

……..

يدخل رجل آخر…رجل أسود بهيّ الطلعة حسن المظهر، لكنه صبغ مثلثا من شعره وفي مؤخرة رأسه باللون الأشقر … تتبعه فتاة بيضاء تلمع كالضوء بكامل أناقتها، ولكنها حافية القدمين!!

تعرف من مظهرها أنها موظفة، وبأنها أتت لتلقتط قهوتها في طريقها إلى العمل، ولسبب ما، تركت حذاءها في السيارة ودخلت المقهى حافية…

……..

يشدني منظر عاشقين يتسامران في زاوية أخرى من المقهى رجل أسود وحسناء بيضاء… ثم أنتقل ببصري إلى شاب آخر يجلس مقابلي بانتظار أن يحصل على طلبه كوجبة فطور، وقد زركش جسده بوشم تظنه لوحة من أحد جدران قصر الحمراء. بينما تجلس على قرب منه شابة في مقتبل العمر تتدفق من محيطها أرطال اللحم وكأنك تنظر لخصر بقرة هولندية…

……..

لا أحد يراقب الناس في هذا المقهى إلا أنا، ولا أحد يدقق في ملامحهم إلا أنا… لقد ولدت وتبرمجت في ثقافة تقيّم الناس من مظاهرهم، وقبل أن تعرف شيئا عن معادنهم… كنا نراقب الناس ونخاف من مراقبتهم… أما اليوم، فأنا امارس تلك العادة لأتعلم منها وأعلم،،. وليس لنفس الغاية التي جبرتني على اكتسابها في البداية!

……..

هذا هو المجتمع الأمريكي… عش حياتك كما تريد وبكامل حريتك، بشرط أن لا تقوّض من حرية الآخرين!

مَن مِن زبائن ذلك المقهى أساء إلى حرية غيره؟؟؟ لا أحد!

كل يعيش حياته حسب ذوقه ومشيئته. ولو دخل أيّ من زبائن اليوم محلا في أي بلد من بلاد القمع والقهر لكان محط استهزاء واهانة من قبل الجميع، بما فيهم عاجز شاءت أقداره أن يولد بقدرات جسدية أو عقلية محدودة!!!

……..

يقول المؤرخ والقاص الأمريكي Wallace Stegner

Chaos is the law of the nature. Order is the dream of man

(الفوضى هي أحد قوانين الطبيعة والنظام هو حلم البشر)

ولأن الروح قد ولدت في تلك الفوضى الطبيعة تبقى تواقة لتجاوز الحدود وكسر القيود

……..

لذلك، وربما لايمانه بتلك القناعة قال أحد الرؤساء الأمريكان يوما:

(للحرية سلبياتها، لكننا لا نستطيع أن نعالج مشاكل الحرية إلا بمزيد من الحرية)

……..

الإبداع هو لحظة انفلات الروح من معقل المألوف، والعبقرية هي لحظة فرار العقل خارج حدود البرمجة، والحرية الشخصيّة هي الشرط الأساسي لأن يعيش كل انسان بكرامة، ولأن يسمح للعملاق الكامن في داخله أن ينطلق إلى رحاب العبقرية والأبداع

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أهل القمة.. وأهل غزة!

نشرت

في

عبد الله السنّاوي:

بين مشهدين سياسيين تابعهما العالم فى اللحظة نفسها تبدت تساؤلات ومفارقات.

في المنامة عقدت قمة عربية اعتيادية بظروف استثنائية خيمت عليها أشباح الإبادة والتجويع بقطاع غزة ومخاوف ارتكاب مجازر أبشع بحق مليون ونصف المليون نازح إذا ما جرى اجتياح رفح الفلسطينية.

وفي لاهاي التأمت جلسة أخرى لمحكمة العدل الدولية تنظر بطلب من جنوب إفريقيا في اتخاذ تدابير احترازية طارئة لوقف حرب الإبادة على غزة ومنع اجتياح رفح.

عبد الله السنّاوي

أفضل ما ينسب إلى القمة العربية ارتفاع منسوب لغة الخطاب فوق ما هو معتاد، لكن لم تصحبه مواقف وسياسات قابلة للتنفيذ والتأثير في حسابات وموازين مسارح القتال والدبلوماسية.

افتقدت دعوات القمة إلى مؤتمر سلام دولي، أو إرسال قوات دولية للأراضي المحتلة حتى إعلان “حل الدولتين” لأية آليات تفضي إليها.

بدت معلقة في فراغ الإنشاء السياسي دون أية أوراق ضغط.

في نفس اللحظة بدا الكلام القانوني أمام محكمة العدل الدولية محددا ومنضبطا، أهدافه واضحة وحججه ماثلة.

إذا ما صدر قرار من العدل الدولية بوقف الحرب فهو إنجاز له تداعياته الكبيرة على المقاربات الدولية من الحرب على غزة.

بدت جنوب إفريقيا مستعدة للمضي قدما في معركتها ضد نظام الفصل العنصري بفلسطين المحتلة جولة بعد أخرى رهانا على دعم شعبي عالمي غير مسبوق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة بمنع اجتياح رفح.

بالمفارقة بدا العالم العربي مستنفدا، أوصاله السياسية شبه مقطعة، وقدرته على إسناد قضاياه المصيرية شبه محدود رغم ما يلهمه الصمود الفلسطيني من موجات احتجاج وتضامن يساعد على بناء مواقف وسياسات فاعلة ومؤثرة.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لم يحدث ذلك بين يوم وليلة.

لم يكن هناك تنبه حقيقي في العالم العربي إلى حجم الخطر ومواطنه حتى داهمته نكبة (1948) وهزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين.

تحت صدمة النكبة جرت مراجعات واسعة لأسبابها، تطرقت لأوجه الخلل في بنية المجتمعات العربية بالفحص والتشريح، وانتقدت الفكر العربي على نحو غير مسبوق، نشأت حركات سياسية من فوق أنقاضها، وجرت تغييرات جوهرية بنظم الحكم.
لم يعد هناك شيء على حاله والتغير شمل كل ما كان يتحرك في العالم العربي.

أية مراجعة على شىء من الجدية تكتشف بيسر أن القضية الفلسطينية كانت نقطة المركز التي تجري حولها التفاعلات الصاخبة وتصطدم الإرادات المتنافسة، أو محور كل حركة وفكرة وحوار ينظر إلى المستقبل.

كانت ثورة (23) يوليو (1952) أحد تجليات ما بعد النكبة.

بخط يده كتب الضابط الشاب “جمال عبدالناصر” فى مذكراته الشخصية تحت وهج النيران في فلسطين: “لم تكن حربا، فلا قوات تحتشد، ولا استعدادات في الأسلحة والذخائر، لا خطط قتال، ولا استكشافات، ولا معلومات!”.

تبدت المفارقة التراجيدية في القصة كلها أن بعض ما انتقده عام (1948) تكرر معه عام (1967).

كان ذلك جرحا لم يفارقه حتى رحيله رغم حرب الاستنزاف وتضحياتها وإعادة بناء الجيش من تحت الصفر ليحرر سيناء بالقوة.

ما بين النكبة والنكسة بدا التناقض فادحا بين ضيق النظام واتساع المشروع.

في ضيق النظام نشأت ظواهر بالغة السلبية نحرت بنيته ومهدت للإجهاز عليه مثل تغول بعض المؤسسات الأمنية كأنها “دولة داخل الدولة” بتعبير “عبدالناصر” نفسه.

بعد النكسة دعا إلى “المجتمع المفتوح” و”دولة المؤسسات” و”الحوار مع الأجيال الجديدة” التي ترفض أسبابها وتطلب توسيع المشاركة السياسية، لا قمعها والزج بها خلف قضبان السجون، غير أن العمر لم يطل به لوضع برنامجه الجديد تحت التنفيذ.

على النقيض تماما كان مشروع “يوليو” رحبا في أفكاره وسياساته، اتسع لقضايا عصره التي تبناها وخاض معاركها في محيطه العربي وقارته الإفريقية وعالمه الثالث.

بعد حرب السويس (1956) خرجت مصر، المستعمرة السابقة، كقوة توضع في كل حساب وباتت عاصمتها القاهرة أحد المراكز الدولية التي لا يمكن تجاهل رأيها.
للأدوار تكاليفها، فلا يوجد دور مجاني فى التاريخ.

من السويس حيث تأميم قناتها وخوض حرب غير متكافئة مع الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية بالإضافة لإسرائيل، إلى دمشق حيث أول وآخر مشروع وحدوي عربي لم تغب القضية الفلسطينية عن حركة الأحداث الكبرى.

قاتلت مصر حتى تمكنت من عبور الهزيمة العسكرية في السادس من أكتوبر (1973) غير أن نتائجها السياسية تناقضت مع بطولاتها العسكرية، وأن الذين عبروا على الجسور لم يكونوا هم الذين جنوا جوائزها.

كان أخطر ما تمخضت عنه اتفاقية “كامب ديفيد” عزلة مصر عن عالمها العربي، وتآكل أوزانها في إقليمها وقارتها وعالمها، وسيادة لغة تستهجن الانتماء العربي، أو أي دفاع عن القضية الفلسطينية.

بدت تلك نكبة سياسية كاملة أسست لغياب أية مناعة في العالم العربي.

كانت الحرب الأهلية اللبنانية عام (1974) إحدى تبعات الخروج المصري من الصراع العربي الإسرائيلي.

احتلت بيروت من القوات الإسرائيلية عام (1982)، لكنها نهضت لتقاوم بسلاح أبنائها في حروب تتالت حتى الآن.

وكان الاجتياح العراقي للكويت مطلع تسعينات القرن الماضي مصيدة أخرى أذنت بانهيار النظام الإقليمي العربي وعجزه شبه الكلي عن مواجهة تحدياته.

أفسح المجال تاليا لاحتلال بغداد عام (2003).

بانهيار مشرق العالم العربي دخل الأمن القومي كله في انكشاف تاريخي توارت خلفه القضية الفلسطينية وبات مطلوبا التخلص من صداعها.

بدا الحديث يتصاعد عن شرق أوسط جديد وتعاون إقليمي دون ربطه بتسوية القضية الفلسطينية، قضية قضايا المنطقة.

ثم جاءت اتفاقية “أوسلو” لتعلن نكبة أفدح بآثارها السلبية على وحدة الشعب والقضية.

في كل أزمة مصيدة وعند كل منحنى نكبة.

بتداعى الانهيار في النظام العربي أمكن الحديث عن توسيع “كامب ديفيد” ودمج إسرائيل في معادلات المنطقة دون أدنى التزام بأية تسوية للقضية الفلسطينية.

كل شيء مقابل لا شيء.

اختلت المعادلات والحسابات حتى وصلنا إلى احتلال الجانب الفلسطيني من معبر رفح بالدبابات وطرح سيناريوهات متعددة لإدارته تحت الحماية الإسرائيلية في خرق صريح لاتفاقية “كامب ديفيد”.

كان الرفض المصري حاسما والدعم العربي حاضرا في هذه القضية، غير أن ذلك لا يكفي لردع التغول الإسرائيلي.

لا بد أن تلوح مصر بتجميد “كامب ديفيد”، وأن نكف عن التأكيد بمناسبة وبدون مناسبة أنها خيار استراتيجي!

كأى اتفاقية بين طرفين، الالتزام لا بد أن يكون متبادلا.

التهاون فى لغة الخطاب يغرى بخرق كل القواعد والاستهانة بكل الاعتبارات.

إذا ما كانت هناك قيمة تاريخية للسابع من أكتوبر (2023) فهو إحياء القضية الفلسطينية من تحت رماد النسيان المخيم والتراجع الفادح.

لو أن العالم العربي على شيء من التماسك والمنعة لأمكن دعم وإسناد أهل غزة بأكثر من بيانات الشجب والإدانة، ودعوة الآخرين في العالم أن يفعلوا شيئا دون أن نقدم نحن على أي شيء تستحقه التضحيات الهائلة، التىي تبذل حتى ترفع فلسطين رأسها وتؤكد أحقيتها بتقرير مصيرها بنفسها.

ـ عن “الشروق” المصرية ـ

أكمل القراءة

جلـ ... منار

سلمان رشدي في غزّة

نشرت

في

الأرجح أنّ الصدفة العمياء لم تكن وراء قرار الروائي الهندي ــ البريطاني سلمان رشدي اختيار موقع ألماني، واللغة الألمانية استطراداً، لإطلاق التوصيفات الأقذع ضدّ فكرة الدولة الفلسطينية، من جانب أوّل؛ والاستدارة من جانب ثانٍ وبمعدّل 180 درجة عن مواقف سابقة له ذهبت إلى النقيض من حيث اعتناق الفكرة والتضامن مع قضية الشعب الفلسطيني على النحو الأوضح.

صبحي حديدي

ذلك لأنّ ألمانيا اليوم، ليس الحكومة وحدها بل معظم هيئات ومؤسسات المجتمع المدني على تنوّع ميادين اشتغالها، تنافس الولايات المتحدة (حكومة وغالبية اجتماع، هنا أيضاً) في الولاء الأعمى لجرائم حرب الإبادة الإسرائيلية الراهنة في قطاع غزّة.

والحال أنّ الحوار في ذاته هزيل وسطحي واستعراضي، أسهمت الصحافية المحاورة نادين كروزاهلر في تفضيح سطحيته من خلال انبهارها بشخص رشدي أوّلاً؛ ثمّ تحويل المقابلة، ثانياً، إلى ما يشبه تحقيقاً بوليسياً حول واقعة طعن رشدي، وآخر المعلومات عن أوضاعه الصحية (حيث أبلغها أنه يشعر بـ”عافية تثير الدهشة”)، والأسف على “عالم يزداد عنفاً” ويشهد “انحسار الحضارة”. وإذْ تباكى على صعود التيارات اليمينية في أوروبا، فإنّ رشدي لم يلفظ كلمة واحدة يتيمة عن الأسباب الجوهرية، الاجتماعية ــ السياسية والاقتصادية والثقافية، التي تفسّر معظم ذلك الصعود، فضلاً عن الإغفال التامّ لمظاهرها العنصرية والانعزالية والشعبوية الأبشع.

الفقرة التي تخصّ ما تسأله عنه المحاورة، أي “المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين والمعادية لإسرائيل جزئياً، خاصة في الجامعات، وإلغاء الدعوات والأحداث الثقافية ذات الإشكالية”؛ يبدؤها رشدي من إدانة الحراك الطلابي في الولايات المتحدة (حيث يزعم أنه على اطلاع كافٍ، لأنه يدرّس في جامعة نيويورك!)، فيعيب على الطلاب أنهم لا ينتقدون حركة “حماس”، ولا يسهرون على عدم انجراف الاعتصامات إلى العداء للسامية… ولا يكفيه هذا إشباعاً للرغبة الدفينة، الملحّة الملحاحة كما يلوح، في دغدغة الخطاب اليميني السائد هنا وهناك في الولايات المتحدة والغرب، وفي دولة الاحتلال خصيصاً، بصدد القضية الفلسطينية؛ لأنه يتطوّع تلقائياً بالذهاب إلى الفقرة الأشدّ انتهازية وخسّة وانحطاطاً في الحوار: فكرة دولة فلسطينية مستقلة.

يقول رشدي: “كنتُ خلال الجزء الأكبر من حياتي مؤيداً لدولة فلسطينية مستقلة، ومنذ الثمانينات. لكن إذا وُجدت اليوم دولة فلسطينية، فإنها ستكون بقيادة حماس وستكون لدينا دولة شبيهة بالطالبان، دولة جُرُم تابع لإيران. هل هذا ما يريد إنشاءه التقدميون في اليسار الغربي؟”. ثمّ يجب، استطراداً، أن يبدي رشدي الأسف “لأنه لا تتوفر تأمّلات عميقة حول هذا الموضوع، مقابل ردّ الفعل العاطفي إزاء الموت في غزّة. لا بأس، ولكن حين ينزلق هذا نحو العداء للسامية، وأحياناً إلى مناصرة حماس، فالأمر عندئذ يصبح إشكالياً”.

وهذه سطور لا تتحسّر على رشدي “أيام زمان”، ما قبل الفتوى الظلامية الحمقاء السفيهة أو ما بعدها؛ ولا تسجيل الدهشة إزاء هذا الموقف الانتهازي الرخيص الركيك، من صاحب روايات لامعة فارقة مثل “العار” و”أطفال منتصف الليل”؛ ولا حتى استذكار زمن شهد الحوار الفريد الذي أداره رشدي مع إدوارد سعيد على مسرح معهد لندن للفنون المعاصرة (ICA) في أيلول/سبتمبر 1986، حين أسهب الأوّل في الإعراب عن مساندته التامة للشعب الذي يمثّله الثاني، وتضامنه المطلق مع فلسطين بوصفها التجسيد الأعلى لـ”الاقتلاع، والتجريد من الأرض، والمنفى، والهوية”.

ليست غايتها أيضاً تذكير هذا المنافق المخاتل المداهن، بمقدار تضامن مثقفين عرب وفلسطينيين كبار، من عيار إدوارد سعيد وعبد الرحمن منيف ومحمود درويش وأنطون مقدسي وهشام جعيط وإميل حبيبي والطيب صالح والياس خوري وأنطون شماس والياس صنبر وفواز طرابلسي، وعشرات سواهم؛ مع رشدي، ضدّ الفتوى الخمينية. كان ذلك التضامن صائباً وصحيحاً ومطلوباً، ليس دفاعاً عن رشدي ضدّ تحريض مفتوح عنوانه التصفية الجسدية فحسب؛ بل، أوّلاً وفي الجوهر، على سبيل الدفاع عن الحقّ في التعبير، ذاك الذي يُنكر على فلسطينيين أمثال درويش وحبيبي وصنبر، من جانب الغرب ذاته الذي ادعى مساندة رشدي.

هي سطور تنذكّر، في المقابل، وإزاء أحدث هبوط من جانب رشدي نحو حضيض أقبح، أنه -في ساحات النفاق للغرب والزلفى لليمين والتعرّي الأخلاقي والفكري- ظلّ يسابق أعتى النماذج ضمن ما أطلقت عليه الدراسات ما بعد الاستعمارية صفة “المخبر المحل”» Native Informant؛ سواء ضمن معانيه الأبسط، التي تتضمن خيانة الذات لصالح السلطة على اختلاف أنماطها؛ أو كما ناقشته غاياتري شاكرافورتي سبيفاك على نحو مستفيض في كتابها الرائد “نقد العلّة ما بعد الاستعمارية: نحو تاريخ لحاضر يتلاشى”، 1999. وإذا كان الأصل في هذه “الوظيفة” يعود إلى الأنثروبولوجيا، حين كان المترجم المحلّي يتطوّع بإشباع رغائب الباحث الأوروبي حتى على حساب تشويه الثقافة الوطنية وتزييف جوهرها؛ فإنّ رشدي في ممارسة هذا الدور حول فكرة الدولة الفلسطينية تحديداً لا يتبارى مع الغربيّ فقط، بل يسابقه ويزاود عليه ويلهث لتجاوزه.

وفي انتظار تصريحات لاحقة أحطّ سويّة وأدنى منطقاً وأسفل لفظاً، ليس رشدي أوّل المتعرّين في ساحات التزلّف للقوّة، ولمجموعات الضغط الإسرائيلية والصهيونية واليمينية والفاشية؛ والغالب أنه لن يكون الأخير، للمرء أن يراهن مغمض العينين!

ـ عن “القدس العربي” ـ

أكمل القراءة

صن نار