تعال نعرف حقيقة ما نحن عليه ومن أوصلنا إلى ما نحن فيه…ألست أنت من أعلن الحرب على الجميع منذ جلوسك على العرش؟ ألست انت من لم يكتب خطابا واحدا يوحّد الأمة حوله، وحول مصير واحد يجمعها…
محمد الأطرش
فمن غيرك اوصلنا إلى ما نحن فيه؟ الست ساكن القصر الأكبر من قصور الحكم؟ الست انت كما يقال ويقول ويزعم أتباعك وكل من يفقهون معنى الدولة، الست أنت رمز الدولة؟ اي نعم رمزها وقائدها… ألا يجب ان يكون رمز الدولة قائدا… موحّدا… جامعا… محتضنا للجميع تحت خيمته، فلماذا نبحث عن خيمة أخرى نجتمع تحتها لتحمينا من التشتّت والانقسام والفتنة وأنت خيمتنا التي نستظلّ بظلها من شمس أزمة حارقة؟ الست انت خيمتنا التي كنّا نظنّ أنها ستجعلنا جسدا واحدا نحارب الأزمة ونصلح حال البلاد ونسعد العباد؟
مولاي،
لنعترف أولا أنك أخطأت في كل ما أتيت وفي كل حساباتك، قد يكون من هم حولك سببا في هذه البليّة، وقد يكون جهلك بحقيقة وضع البلاد وواقع الحكم هما أيضا سبب سلوكك العدائي المجانب للصواب، وقد يكون حلمك غير المنطقي لدولة على مقاس احلامك وأحلام أفلاطون، سبب استعدائك لجميع من شاركوك الحكم ومن حكموا الدولة قبلك، ولا غرابة أن تكون غيرتك من تاريخ بورقيبة وسجله، ونجاح بن علي ومسيرته رغم أخطائهما في الجانب السياسي سببا في ما أخطأت فيه، قد يكون… وقد يكون، لكن في الأخير أنت من سيتحمّل لوحده تبعات أخطائه وما سيكون، ووحدك من سيكتب التاريخ انه فشل في قيادة الامة إلى شاطئ الأمان…ووحدك من سيكتب التاريخ أنه لم ينجح في أي أمر أتاه من أجل بلاده وشعبه…
مولاي،
لنعترف ثانيا أنك كنت تبحث عن الاستحواذ على كل مفاصل الحكم منذ جلوسك على العرش…ولنعترف أيضا أنك فعلت كل ما يجب لتصل إلى ما نحن فيه اليوم…الست أنت من أتى بالفخفاخ فخسرنا قرابة السنة نحاول الإفلات من الفِخاخ، وعشنا في خصام وعراك وتخبّط بلا موجب…ألست أنت من أتى بالمشيشي بعده ثم زرعت في طريقه كل الألغام فلم يتقدّم خطوة واحدة إلى مرفأ النجاة والسلام…ألست انت من رفض له تعيين بعض كفاءات دولة بن علي خوفا من أن ينجح في ما أخفق فيه الفخفاخ قبله ويقطع الطريق أمام تفعيلك للفصل الذي يسمح لك بالحكم منفردا مستبدا بالرأي والقرار، ألم نكن جميعنا نبحث عن الخروج من الأزمة فكيف نقطع امام من يعمل من اجل ذلك الهدف الطريق ولأية غاية نفعل ذلك؟؟ ألست انت من رفض للمشيشي كل تحوير وزاري فتركته يعمل بحكومة عرجاء مبتورة الذيل وبعض الأرجل…قد يقول بعض رجالك واتباعك وزبانيتك “أأصبحت اليوم يا هذا تدافع عن حكومة المشيشي؟” وسأجيب وبكل غرور أنا أكثر من عارض حكومة المشيشي ورفاقه الأغبياء…بشهادة المشيشي والبعض من رفاقه الحمقى…
مولاي،
تعال نحاسب بعضنا البعض عمّا اتيناه وفعلناه من أجل هذه البلاد وهذا الشعب وأنت أولى بالحساب والعتاب من الشعب…ألم تبحث عن ذرائع لتفعيل الفصل 80 من الدستور؟ ألم تترك المشيشي وحكومته يحاربون وباء “الكوفيد” مجردين من كل اسلحتهم، ثم وبعد أن استحوذت على الحكم منفردا جاء كل الدعم من الاشقاء والاحباب…وتحركت “ماكينة” الدعم الخارجي من الأصدقاء والاصحاب، ألم يكن من الأجدر أن تتحرك “ماكينة” الدعم الخارجية منذ يوم غزو الوباء، وانت الذي يشرف عليها وعلى من فيها؟
مولاي،
تعال لنعترف ثالثا أنك اصطنعت حروبا واهية لا موجب لها فحاربت الاحتكار ولم نر شيئا مما أوهموك كما كنّا نظنّ…حاربت مجلس النواب بمن فيه وعرفنا غايتك يوم الخامس والعشرين من شهر جويلية الحزين…أعلنت الحرب على الفساد ولم تجد فاسدا واحدا تدخله السجن…أعلنت الحرب على خصومك فملأت الإقامات الجبرية بهم فخرجوا وكأن شيئا لم يكن، أبرياء من كل ما كنت وكنّا نظنّ…خسرت كل حروبك ولم تنجح في إصلاح حالنا وحال البلاد…ألم يحن الوقت لنقول “أين نحن سائرون؟”…ألم يحن الوقت لنقول لك نحن الشعب ” إلى اين تأخذنا مولانا؟؟”
مولاي،
تعال نتحدث عن مشروعك السياسي الذي تريد فرضه على البلاد والعباد…ألم تفشل استشارتك؟ ألم يقاطع شعب الأحزاب استشارتك؟ ألم تعارض الأحزاب استشارتك؟ فعن أي شعب تتحدث حين تصرخ في كل خطبك “الشعب يريد” ألا يجب أن نعترف اليوم أن الشعب لا يريد ما تريد ولن يقبل ابدا بما تريد حتى وإن حكمته غدا بيد من حديد…
مولاي،
ألم تعلن الحرب على الأحزاب فكيف ستضمن مبايعة شعب الأحزاب وأنت تهددهم كل لحظة بالخراب…فمن أوصلك اين انت ومن اجلسك على عرش البلاد أليس شعب الأحزاب الذي أعلنت الحرب عليها ورفعت في وجوهها معاول ومراسيم الهدم والخراب؟ مولاي هل حقّا قادر أنت على إلغاء الأحزاب…وهي التي فتحت أمامك كل الأبواب…؟ لنعترف مولاي أنك خسرت كل معاركك وتسببت في جزء من كل هذا الخراب…كما وجب أن نعترف أنت أنك لم تجد جنّة موصدة الأبواب… ولنعترف نحن وأنت مولاي أنك أضفت خرابا على الخراب…
مولاي،
ألست أنت من اختار طالبتك ودللتها وبجّلتها وأكرمتها، وأغلقت في وجه غيرها من كفاءات البلاد كل الأبواب؟ فلِمَ تشتكي اليوم من غدرها وغدر جميع الأصدقاء والأحباب؟ مولاي ألم تتخلّص من كل من أوصلوك وفتحوا لك الأبواب؟ ألم تتنكر لجميل الحركات والمنظمات والأحزاب؟ فكيف اليوم تستغرب كل هذا الخراب وغدر الاحباب؟
مولاي،
يحاول اليوم اتباعك ايهامك بأن خصومك سيحرقون البلاد…ويجوّعون العباد…وأنت تعلم مولاي من يفعل كل ذلك ومن يصنع ويضمر للغد الأسباب…ألم يفعلوها يوم الخامس والعشرين من جويلية الحزين وفتحوا لك كل الأبواب…بما أحدثوه من خراب…ألم يصنعوا لك الأسباب…والذرائع وموجبات ما نحن فيه اليوم من خراب…؟ فلا تتبع أهواءهم مولاي…فهم زبانية الخراب…وافتح خيمتك لكل المنظمات والحركات والأحزاب…فدون ذلك لن يجني هذا الشعب غير الخراب…ولن ترث أجيالنا القادمة غير الأحقاد والخراب والعذاب…
مولاي،
اقرأ هذه القصّة وأعد قراءتها…مرّة وأخرى بعد الأخرى…فأنا أريد أن يحفظ أبناء فقراء هذا الوطن وجميعنا من الفقراء …أقول كم أتمنى أن يحفظ أبناء فقراء هذه الأرض ملامح وجهك ليشكروك يوم نلتقي جميعنا …يوم الحساب أمام صاحب الحساب…فاقرأ مولاي…اقرأ ولا تقل ما أنا بقارئ…
“سأل صحفي الملياردير النيجيري فيمي أوتيدولا في مقابلة هاتفية، “سيدي، ما الذي تتذكره والذي جعلك أسعد رجل في الحياة؟”
قال فيمي:
“مررت بأربع مراحل من السعادة في الحياة وفهمت أخيرًا معنى السعادة الحقيقية.”
كانت الخطوة الأولى هي تجميع الثروة والوسائل، لكن في تلك المرحلة، لم أحصل على السعادة التي أردتها وتمنيتها…ثم جاءت المرحلة الثانية من جمع الأشياء الثمينة، لكنني أدركت أن تأثير هذا الشيء مؤقت أيضًا، وأن وهج الأشياء الثمينة لا يدوم طويلاً…
ثم جاءت الخطوة الثالثة للحصول على خطط كبيرة، كان هذا عندما كنت أمتلك 95٪ من إمدادات “المازوت” في نيجيريا وإفريقيا، كنت أيضًا أكبر مالك سفن في إفريقيا وآسيا، لكن حتى هنا، لم أكن سعيدا كما كنت أعتقد وأتمنى…
كانت الخطوة الرابعة عندما طلب مني أحد أصدقائي شراء كرسي متحرك للأطفال المعوقين، وكان عددهم حوالي 200 طفلا…وبناءً على طلب الصديق، اشتريت الكراسي المتحركة على الفور…لكن الصديق أصرّ على أن أرافقه لأسلم الكراسي المتحركة للأطفال، فذهبت معه وهناك، سلّمت هذه الكراسي المتحركة لهؤلاء الأطفال بيدي، رأيت وهج السعادة الغريب على وجوه هؤلاء الأطفال، رأيتهم جميعًا جالسين على كراسي متحركة، يتجولون ويستمتعون…كانوا سعداء …كان الأمر كما لو أنهم وصلوا إلى مكان نزهة حيث تقاسموا الفوز بالجائزة الكبرى…حينها شعرت بفرح حقيقي بداخلي، شعرت بسعادة لم أعرفها من قبل ابدا… وعندما قررت المغادرة، أمسك أحد الأطفال بساقي…حاولت إفلات رجلي بلطف لكن الطفل نظر إلى وجهي وشد ساقي…انحنيت وسألت الطفل: هل تحتاج أي شيء آخر بُنيْ؟ الجواب الذي أعطاني إياه هذا الطفل لم يجعلني سعيدًا فحسب، بل غيّر أيضًا تمامًا موقفي تجاه الحياة، أتدري ما قاله لي هذا الطفل قال:”أريد أن أتذكر وجهك حتى أتعرف عليك عندما ألتقيك في الجنة وأشكرك مرة أخرى…أمام الله”
مولاي،
ألا تحفّزك هذه القصّة الواقعية لتكون مثل رجل الأعمال هذا؟ ألا يمكن أن تجعل أطفال فقراء هذا البلد يحفظون ملامحك ليشكروك يوم الحساب…؟ ألا يمكن أن تعيد كل حساباتك الخاطئة، وأنا أجزم أنها خاطئة، وتفتح خيمتك لكل أطياف هذا البلد؟ حفاظا على وحدة هذا البلد…درءا للفتنة بين أبناء هذا البلد؟ هل كان من الضروري ان تكون قاسيا مع شركائك مستعديا خصومك ومن أوصلوك إلى حيث أنت الى تلك الدرجة؟ هل كان يجب أن نضحي بتاريخ ومكتسبات البلاد لأنك لم تكن فيه ولم تكن من بُناته، لكي تبني تونس أخري موجودة في مخيلتك ومخيّلة زبانية تفسير مشروعك فقط؟ هل كان من الأسلم ان تبحث عن إقامة نظام على مقاسك، قاعدي الشكل، شمولي المحتوى، يعد على الناس أنفاسهم؟
مولاي،
الحكم الفردي التسلطي أو الدكتاتورية لا تبني وطنا ابدا… وإن كنت حقّا تريد ان تبني وطنا قويا عادلا ديمقراطيا فكيف تطالبنا في كل خطبك بالولاء الأعمى…كيف تطالبنا بأن نكون رهن استشارتك ورهن استفتائك ورهن انتخاباتك لنبايعك ملكا على البلاد والعباد…كيف تحارب خصومك وشعبك…كل شعبك، وتهدده بالويل والثبور إن فشلت استشارتك العرجاء وسقط استفتاؤك الغريب العجيب…المريب…؟؟
مولاي،
لا تفعل فغدا ينفضّون من حولك ويتركونك وحيدا… وقد نبكي، وتبكي غدا دماً على تونس التي أضعناها كما لم نُضِع وطنا…فتعال نحتفل غدا بوطن انقذناه معا…من أجل مستقبل احفادنا…غدا وبعد غد…معا…تعال نمسك يدك…وتمسك يدنا…من أجل أجمل غدنا…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
نجاح
7 مايو 2022 في 08:38
ليته يطّلع على هذا الخطاب، ليته يعي أنّه حقّا يسيء إلينا جميعا.
لِم هذا التّعنّت؟ لِم هذا الإصرار على الإساءة إلى توتس والتّونسيّين؟