مِنْظ ... نار

مولدي الهمامي: أساتذة الإعلام في تونس،الجيل الأوّل … مليون تحيّة

نشرت

في

غادرنا منذ اسبوع تقريبا الأستاذ الجامعي المرموق د. منصف الشنّوفي أحد أعلام تونس، و أهمّ مدير لمعهد الصحافة و علوم الإخبار، و هو الذي جعل من مهنة الصحافة علما يدرّس ، متخصّص في مجال الإعلام ، اشتهر بمحاضراته حول تاريخ الصحافة في تونس، و برامجه الإذاعيّة حول ذات الموضوع ، صاحب وقار و شخصيّة قويّة، أدار المعهد باقتدار يشهد له به الجميع، و أحاط نفسه بمجموعة من خيرة أبناء هذا البلد في المجال، شباب تعمّقوا في هذا الاختصاص في كبريات معاهد و جامعات فرنسا و عادوا إلى أرض الوطن و كلّهم اندفاع لجعل الصحافة في مختلف اختصاصاتها سمعية بصرية و مكتوبة مسألة أكاديميّة بحتة.

مولدي الهمامي

 إنّهم الجيل الأول من أساتذة الإعلام في تونس، نذكرهم فنسعد لذكراهم، و نتوق إلى عودة تلك الأيّام و لو لبرهة قصيرة في زنقة البشروش بمونفلوري . و من منّا من طلبة المعهد من جيلي، جيل فترة  نهاية السبعينات لا يحنّ إلى تلك الأيّام في حديقة المعهد بين أشجار النخيل و في المشرب الصغير و العم علي، و في مختلف الفصول و المدارج و في المكتبة. هناك تلقيّنا المبادئ الأساسية للصحافة كمهنة و كعلم، و تدرّبنا على مجابهة متاعبها و صعابها على أيدي أكاديميين متمّرّسين كلّ في اختصاصه، لم يبخلوا بعلمهم و معارفهم على طلبتهم فكانوا عناوين في الصفحة الأولى و بالبنط العريض للسخاء و البذل. لم يكونوا أساتذة فقط علينا واجب احترامهم و تقديرهم بل كانوا إخوة و أصدقاء، رفعوا من أمامنا كلّ الحواجز فكوّنوا أسرة أفرادها بالمئات و بعثوا إلى الساحة فيالق من الإعلاميين متسلّحين بالقلم و العلم، شقّوا طريقهم بنجاح يذكر سواء في ميدان مهنة المتاعب أو في قطاع التعليم فكانوا دائما من بين الأبرز و الأنجح.  

إذا ما سلكنا ثنايا التلفزيون بما فيه من خلق و إبداع و قدرة على الكتابة و تقنيات التركيب و الصوت و الصورة، فإنّنا نذكر الأستاذ رضا النجّار.. أمّا الإذاعة و تقنياتها و برامجها وإنتاجاتها وتغطياتها الميدانية فالفضل في كشف أسرارها يعود إلى الاستاذ محمّد حمدان ثم إلى الأستاذ المولدي بشير فكلاهما لم يبخل على طلبته بالنصح و التوجيه و التأطير. ومن بين الأساتذة الذين كان لهم حضور قوي نذكر الأستاذ عبد القادر بالشيخ و صرامة مناهج البحث، كما تعلّمنا مبادئ تحرير الأخبار على يدي الأستاذ محمد علي الكمبي، و عندما نذكر الترجمة فلا يسعنا إلاّ أن نستحضر اسمين تخصّصا في المجال و هما الأستاذ مصطفى حسن و الأستاذ محمّد بن حليمة …  

د. مصطفى الشنوفي

د. مصطفى حسن
د. محمد حمدان

و في الريبورتاج بجميع أنواعه و أصوله و تقنيات كتابته و كيفيّة إعداده يبرز اسم الأستاذ رشاد سكيك … أمّا قرينته السيّدة علياء سكيك فإنّها لم تبخل على أحد بعلمها في مجال الآنيّة  l’actualité وكيفيّة إعداد الملفّات الصحفية في المجال … و عرفنا المقال الصحفي L’article de fond  Ùˆ كيفية إعداد الملفات الخاصّة به مع الأستاذ فتحي الهويدي الذي درّس أيضا مع الأستاذ محمد بن صالح أمانة التحرير. و لا ننسى المحاضرات القيّمة في علم الإجتماع بشتّى فروعة ومدارسه و أبرز أعلامه مع الأستاذ يوسف بن رمضان، و عندما نقول الدراسات القانونيّة فإنّنا نستحضر اسم الأستاذ عبد الوهاب عبد الله و لا يغيب عن الذاكرة الأستاذ فرج الشايب و قضايا التنمية في العالم الثالث .

أ / رشاد سكيك
د. عبد القادر بالشيخ
أ / فتحي الهويدي

و الذين تخصّصوا في المجال الثقافي و أنا واحد منهم تجوّلوا في ثنايا الفكر العربي المعاصر وأبرز الدراسات المؤثّرة في المجال مع الأستاذ عبد المجيد البدوي و فهمنا الفن السابع تاريخا و نقدا وأعلاما و مدارس و نظريات مع كل من المخرج  ÙØ±ÙŠØ¯ بوغدير ثم الناقدة صوفي القلي. أمّا تعليم اللغات فكان جزءا أساسيا من التكوين في المعهد من ذلك اللغة الأنكليزية مع الأستاذتين نفيسة بن رجب ودليلة عصمان و الأستاذ الهادي صيود، و كذلك اللغة الألمانية، و لغة الصحافة الفرنسية، و الرقن على الآلة الكاتبة وقتها.    

 Ùˆ لا يجب أن أغفل عن واحد من أشهر أساتذة معهد الصحافة و علوم الأخبار “أندريه بواييه”  و دروس صيد الأخبار ثم ورشة تقنيات الطباعة و معه عرفنا كيف نأتي بالأخبار من مسرح الأحداث أي الشارع و كيف نتحدّث إلى النّاس و طبيعة الأسئلة حتى يكون الخبر المتحصّل عليه متكاملا في محتواه.   و في منهجية التعليم كان البرنامج الأكاديمي يتضمّن تكوينا شاملا فجلب المعهد خبرات من الجامعة التونسية و كفاءات في اختصاصات مختلفة دعما للزاد المعرفي لصحفي الغد مثل الأساتذة منجي بوسنينة  (جغرافيا السكان) و محمد فنطر (تاريخ تونس القديم) و مصطفى الزغل  (اقتصاد سياسي) و خليل الزميطي  Ùˆ عبد الله بن يحمد (تصوير فوتوغرافي) و الناصر بالشيخ (تاريخ الفنون) وعبد الجليل دمق…وغيرهم .

قاعة دروس الكتابة على الآلة الكاتبة

 Ù…Ù† خلال هذه الكلمات أقول لكل أساتذتنا الذين غادروا هذه الدنيا الله يرحمكم، و للذين هم على قيد الحياة و مازالوا إلى اليوم في حيويتهم يواصلون رسالة نشر المعرفة، أطال الله في عمركم.  لقد أحببناكم بصدق و بادلتمونا ذات الشعور، إنّكم في أعماق القلب و أسماؤكم تجري في عروقنا، لقد غيّرتم مجرى حياتنا، و بفضل علمكم و تأطيركم، دخلنا معترك الحياة و معنا أدوات مجابهتها…كنّا من بين الأجيال الأولى التي اقتحمت ميدان الإعلام بمختلف فروعه، و رهانكم علينا كان صادقا فيه شهامة الأخ و عطف الأب، و غيرة الأستاذ و المربّي و صلابة الأكاديمي الخبير… لذلك نجحنا و تفوّقتم أنتم بامتياز، بكم نفخر، فأنتم التاج الذي علا على الرؤوس و أقول فيكم ما قاله الشاعر:    

 ØªØ­ÙŠØ§ بـكُـم كـل أرض تـنـزلونَ بـهـا

كـــأنَّكـــُم في بـــقـــاع الأرض أمـــطـــار

و نــورُكُــم يـهـتـدي السـاري لرؤيـتـهِ

كــأنّــكُــم فــي ظـلام الليـل أقـمـارُ

لا أوحـشَ اللَه ربـعـا مـن زيـارتـكُم

يا من لهم في الحشا و القلب تذكارُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحوظة: الصور من أرشيف صفحة “ذاكرة معهد الصحافة” للأستاذ الدكتور محمد حمدان

انقر للتعليق

صن نار

Exit mobile version