جور نار

نخبة براقش (4)

نشرت

في

كل تونس كانت ستغادر البلاد لا سليانة فقط

عبد القادر المقري:

السلطة تهرّئ صاحبها” وصاحب القولة والسلطة والتهرئة هو رئيس فرنسا المطوّل فرانسوا ميتيران … رجل لا تعرف من تاريخه هل هو حقا من اليسار أو من اليمين، ولكنه ارتقى إلى السلطة بعد أن أعلن نفسه زعيما موحدا للطيف الاشتراكي بكافة تفريعاته، وتخلص من حلفاء جانبه الأيسر واحدا واحدا، وانتهى في الأخير حليفا لأمريكا في احتلالها لمنطقة الخليج… وكان من رافضي احتكار ديغول، ولكنه حين خلفه بعد عقد من الزمن، تشبث بالحكم 14 سنة متصلة، ولولا الدستور والمرض والوفاة، لطمع في سباعية حكم أخرى…

اعتراف “تونتون” بأن السلطة مثل مبرد الخشب أو مبشرة الجبن، أنار شيئا من معارفنا في ما يخص الساسة وتبدّلهم بين وضع المتفرج على اهل القمة ووضع الجالس على تلك القمة… المتفرج فارس، كما قال كثيرون، إنما هناك حد أدنى … زعماء عدة يصابون بداء حب البقاء في الحكم حتى آخر العمر، ولكن يقف الأمر تقريبا هناك… نحكي عن النظم الديمقراطية طبعا … فالدستور والقوانين ومواثيق حقوق الإنسان، بل قل قواعد التحضر وأخلاق الفرسان وقشرة الشهامة، تبقى دائما في صدارة الصورة التي يحافظ عليها السياسي ويرتفع بها فوق مستوى الرعاع العاديين …

لهذا كان جيسكار ديستان من أول السائرين في جنازة أهم الساخرين منه والمشنّعين عليه، المقلد الموهوب “تييري لولوران” … ولهذا أيضا رفض الجنرال ديغول أن يتم إيقاف شاتمه الدائم “جان بول سارتر” في أحداث 68 … ولهذا كذلك، محا نيلسون مانديلا جميع خطايا النظام الأبيض في حقه وحق شعبه طوال قرنين كاملين، عندما وصل بدوره إلى مقود الحكم … لهذا خاصة، لم تشهد دول أمريكا اللاتينية حملات تطهير عرقي في حق العسكريين السابقين ومختلف فلول الطغم التي سقطت تباعا في الأربعين سنة الأخيرة، تاركة زمام الدولة في أيدي معارضيها القدامى، ومعظمهم من اليسار …

ليس الأمر ببساطة العفو عند المقدرة … فهذه منة قد تجلب لصاحبها المدائح والأذكار، ولكنها لا تليق بمن يريد أن يؤسس لدولة تحترم نفسها … وأهم من هذا، دولة بعيدة النظر شاملة الرؤية، يعرف أصحابها أنك كما تدين تدان، وأنه لكي تأمن على نفسك غدا، لا بد أن يأمن لك معاصروك الضعاف وأنت في سنام القوة والحل والعقد… لهذا ابتكر العقلاء عددا من الأشكال السلسة المستحبة الجامعة لا المفرقة، مثل الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية وطي الصفحة وتصفية القلوب ووحدة الوطن ومنطق الأولويات الوطنية إلخ … وقد استفادت دول من هذا، وها أن جنوب إفريقيا تعود إلى صدارة القارة وتقفز حتى إلى صدارة جزء مؤثر من العالم … وها أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وغيرها تستعيد بريقها وتكتسب عافية جديدة، بعدما ضمدت بنجاح جراح الماضي وعرفت كيف تستثمر في رأسمال لا يمكن أن ينضب أو يفلس … الثقة …

نأتي إلى ما عندنا… فبعد 2011، هل أسس حكامنا الجدد وقتها لمدونة أخلاقية يحترمونها مع الآخرين، ويحترمها الآخرون معهم حين تدول دولتهم وتدور عليهم الدوائر؟… نبدأ بالخطاب الرسمي وسحنات من تولوا ذلك… رئيس جمهورية دكتور في أصله ومحترف حقوق إنسان وكاتب كتب تملأ خزانة من هذا الحائط إلى هذا الحائط … قرأ ما قرأناه وزاد عليه أضعافا مما ذكرنا أعلاه وما لم نذكر … تعلم في الدول المتحضرة وأتقن لغاتها وعاش هناك ردحا من الزمن ورأى بعينيه كيف تكون الحضارة والأخلاق والسماحة وكبر الكبار فبماذا وفد علينا؟ … لم نعاصر “روبسبيير” ولا تلميذه “سان جوست” بدعاواهما الملتهبة وآلة الفرم التي في ايديهما، ولكننا رأينا المرزوقي وسمعناه بعد وصوله إلى قصر قرطاج… عينان من نار وفم كشوش مزبد ونبرة أبي سفيان في فيلم الرسالة … لا تسمع منه سوى الخونة والعملاء والأزلام والموت والمقاصل والمشانق … ولا تلمس فيه سوى السخرية الجارحة والاحتقار والتعالي والاستعداد الدائم لأقذع ما في الكون … البشر عنده انشطروا إلى فئتين: الذين معه وهم “شعب المواطنين” وطلائع الثورة المباركة، والذين ليسوا معه (بل هو الذي ليس معهم) وهم أوسخ وأحط وأسفل من في الوجود ولا حق لهم حتى في الموت الرحيم …

أما شريكه، أو حليفه، أو أبوه الروحي، أو بدر الثورة الذي طلع فقط من مطار الشرقية 2 … أما شيخ مونبليزير فهو وإن امتاز بخطاب المراوغة وقال مرارا إننا (أي هو وجماعته) نعرف أعداء الأمس بالواحد ولكننا لن نسيء إليهم … وإن قال وقال في العلن، فإنه ووفاء لازدواجه المشهور، أطلق معاونيه في البلاد إطلاق الرخ في رقعة شطرنج… حصدوا ودرسوا وهددوا وأرعدوا وأزبدوا كما لم يحصد ولم يدرس ولم يهدد ولم يرعد ولم يزبد أحد… عبثوا وشتموا وشمتوا وأمعنوا وأوغلوا إلى درجة لا يصدقها عقل …

صدم حقا عيوننا وحواسنا كافة، ركام الحقد (كما يقول محمد الأطرش) الذي كان يقود أقوالهم وأفعالهم، وقسوتهم مع من سبقهم، ومن خالفهم، وتبريرهم لما أوقعوه من انتهاكات أو تكذيبها …مثل أحداث الرش، وضرب المتظاهرين في 9 أفريل، وهجومهم على اتحاد الشغل، وتنكيلهم باتحاد المرأة بحجب منحته وافتكاك مقراته في عهد سهام بادي، واعتداءاتهم بالجملة على نساء نائبات (عبير موسي، سامية عبو…) تحت أعين الكاميرا… وظروف وفاة جيلاني الدبوسي وطريقة كلامهم عنه وهو ميت… وتكريمهم لمن أدينوا بالإرهاب قبل 2011 وعادوا إلى صنيعهم بعدها … ووضع يدهم على الإعلام سواء بالتسلط أو الابتزاز… واختراقهم العلني لكافة المؤسسات… وإفراطهم في استغلال حصانة البرلمان وحرمة القضاء… والصلف والتباهي بأنهم سادة أنفسهم… إلخ، إلخ، إلخ … وما على البقية سوى أن يشربوا من ماء البحر أو يموتوا بغيظهم …

كل هذا وصل للناس واختزنته الذاكرات والعقول والضمائر … فهل نتجرأ على ذاكرة التونسيين وذكائهم ونناشد فيهم صحوة الضمير، حين نسقط أخيرا… بعد أن كنا عاملناهم بلا ضمير، ولا شروى نقير؟.

ـ يتبع ـ

.

انقر للتعليق

صن نار

Exit mobile version