منذ مساء 25 جويلية، تاريخ انقلاب جزء من المنظومة الحالية، على بقيّة مكوناتها ونحن ننتظر ما أعلن عنه وما وعد به ساكن قرطاج…وكأني بهذا الأخير لا يعي فعلا خطورة ما نحن فيه من فراغ…ومنذ ذلك اليوم ونحن ننتظر كشف حقيقة كل من كان ساكن قرطاج يهددهم ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور...
محمد الأطرش
جميعنا يسأل أين الغرف المظلمة التي سمعنا عنها أكثر من مائة مرّة في سنة واحدة؟ اين الخونة؟ وما هي الخيانة التي كثيرا ما ذكرها ساكن قرطاج في خطبه النارية؟ وأين من توعدهم بسحب الحصانة واحالتهم على القضاء…فجميع من تمّ ايقافهم أو ذكرهم في ما تمّ الكشف عنه لا علاقة لهم بمن كان ساكن قرطاج يحدثنا ويحدث به كل من يزورهم وكل من يزوروه في مكتبه…لم نر شيئا مما كنّا ننتظره وما كان يذكره في خطبه … فساكن قرطاج لا يزال يتعامل مع كرسي قرطاج وكأنه المساعد الذي يقف أمام طلبته ليركلهم بالكلمات تلو الكلمات ولا أحد منهم يفتح فمه ليردّ أو يعقّب عن كلام المساعد … فهل انتهى مخزون الرئيس من كلام وأحلام ووعود…ووعيد…أم أنه اصطدم بواقع مغاير عمّا كان ينتظره…فهو لم يعرف ما تعنيه كلمة الحاكم بأمره قبل أن ينقلب على رفاقه في المنظومة فهم من كانوا يسيّرون دواليب الدولة، وعلى بينة من كل أوجاعها وما تعانيه…
هل انزلق ساكن قرطاج دون أن يدري إلى نفس الحفرة التي انزلقت إليها النهضة وكل أحزاب الإسلام السياسي .. فالنهضة “تطاوست” على الدولة، واعتبرت الحكم لعبة بسيطة في متناول الجميع ودخلت معركة الحكم والسلطة دون برنامج أو فكر أو أجندا واضحة غير ما تعلموه عن أسلافهم من حسن البنا وصولا إلى يوسف القرضاوي، فخرجوا من الحكم والسلطة خالي الوفاض، وليس ذلك فحسب بل بجسد متآكل يعاني من الكدمات والأوجاع…وشلل نصفي قد يأتي على ما تبقى من الحركة في قادم الأشهر إن لم يسرعوا خطاهم نحو الربوة لتضميد جراحهم…واللطم والولولة…
وكأني بساكن قرطاج لم يتعلّم مما حصل للنهضة… فالمبعوث الأمريكي لم يأت ليجامل أو ليسعد بدرس من دروس ساكن قرطاج، أو حتى ليستمع إليه، بل جاء لأن الإدارة الأمريكية أعطت كثيرا من الوقت لساكن قرطاج وهاتفته عديد المرّات لينفّذ ما وعد به، وللعودة إلى المسارات الديمقراطية التي وعد بعدم المساس بها…وما خفي كان أعظم …وقد ينفد صبر بقية الفاعلين السياسيين في العالم، وقد يتحركون نحو قصر قرطاج لمعرفة نوايا وخفايا إطالة الحالة الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ انقلاب بعض المنظومة على بعضها الآخر…
وقد يستهزئ ساكن قرطاج بكل من يأتيه من الغرب أو من بلاد العمّ سام طالبا توضيح ما يجري …لتدخل البلاد مرحلة من الشكّ خاصة وتونس مقدمة على قانون مالية تكميلي لا أحد يعلم اين وصل…ومقدمة على دفع قسط آخر من ديون البلاد…ومقدمة على عودة مدرسية وجامعية قد تزيد الطين بلّة…فهل تعامل ساكن قرطاج مع جميع الدعوات بلامبالاة أم ماذا؟ وهل أغراه حجم الدعم الشعبي الذي وجده منذ عشية الانقلاب؟ وهل أسكرته خمرة التأييد وصراخ الشعوب المصفقة…المهللة…والمزغردة…والمطالبة بسحق الخصوم والأعداء وكأن الفارس قيس سعيد جاء على حصان خالد بن الوليد معلنا الحرب على الجميع…
هل قرأ ساكن قرطاج حسابا للوقت وعامل الوقت؟ هل قرأ حسابا لصبر أتباعه وأنصاره ومن هللوا بما أتاه؟ أظنّ أن ساكن قرطاج نسي وضع البلاد وما تعانيه، فالرجل قال أن المرافق تعمل وكل دواليب الدولة بخير…إذن لماذا انقلبت على من معك يا ساكن قرطاج إن كانت الأمور كما ذكرت أم هل تغيّر حال البلاد والدولة في نصف شهر…يا سلام… وكأني بساكن قرطاج يستمع كثيرا إلى جوقته المصفّقة… والمهللة… والمزغردة و الحالمة ليلا نهارا بالمدينة الفاضلة أو بعدل عمر الفاروق وبإنجازات العهد السعيد لدولة سعيد…أنَسِيَ أن أنصاره وأتباعه قد يخذلونه كما فعل أنصار وأتباع بقية الأحزاب مع أحزابهم وزعاماتهم…وقد يطالبونه بالرحيل إن أدركوا أنه لن يغيّر شيئا من حالهم…ولن يخفف من آلامهم …ولن يضمّد جراحهم…أنسي أنه عادَى كل الأحزاب والمكوّنات السياسية، ولن يمنعها، بل ولن يقدر على منعها من أن تكون رافعة ودافعة لغضب الشارع وغضب من أضناهم الفقر والظلم والتهميش و”الحقرة”…هل يأمل في أن يصمت الناس وأن يقبلوا بالعيش منكسرين متخاذلين وهم يرون القهر والاستهتار بمصالحهم وبمستقبل أبنائهم…
على ساكن قرطاج أن يدرك جيدا أن بعد كل “انقلاب” نحتاج الى “انقلاب” آخر يقوم به صاحب الانقلاب يفرض به النظام من جديد ويعيد به الهيبة للدولة، ويخفّض خلاله من حماسة من هم حوله ومن قد يجرونه إلى مهالك هو في غنى عنها، كما يعيد بها عديد الأمور العالقة إلى نصابها…ففي كل الانقلابات يكثر الانتهازيون والمتزلفون والوصوليون والطامحون إلى تحقيق مآربهم…والأكيد أن كل تنسيقيات “الريس” تنتظر نصيبها من الغنيمة كيف لا وهو الذي جعل من وصوله إلى كرسي قرطاج غنيمة بتعيينه لكل من ساندوه في مناصب حوله في القصر وخارجه…أليس هذا تعاملا “غنائميا” أم هي الصدفة يا ترى؟ جميعنا يدرك أن هذا التعامل “الغنائمي” هو تعامل مشروع ولا أحد ينكره على ساكن قرطاج، شرط اختيار من هم أكفأ، ومراعاة عامل التجربة فالبلاد تمرّ بأزمة خانقة ولا أظنّ أن عاطلا عن العمل عاش المأساة بجميع تفاصيلها سيكون الرجل المناسب في المكان المناسب…
هل من صالح ساكن قرطاج ان يتزايد عدد خصومه؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يكتفي في كل خطبه بالشعارات والوعود التي لا ترى النور؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن تضطرب علاقاتنا في هذا الوقت بالذات مع الدول المانحة والمؤثرة اقتصاديا؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن تطول هذه الفترة لتدخل البلاد مرحلة شكّ قد تنقلب في كل لحظة إلى فوضى يستغلها البعض في مآرب أخرى؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يستحوذ على كل السلط وهو الذي لم يجرّب أية سلطة سابقا فهل هو قادر على النجاح فيها؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يظهر العداء إلى كل المكونات الحزبية وكل المؤسسات والمنظمات الرافضة لمشروعه؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يكون حوله من ساندوه في حملته الانتخابية فقط، والحال أنهم يفتقرون إلى تجربة الحكم وتسيير مؤسسات الدولة؟ وهل من صالح ساكن قرطاج معاداة المؤسسة القضائية في هذا الوقت بالذات؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يغرق أنصاره والشعب التونسي بالوعود التي هو أعلم بأنه لن يحقّق منها وعدا واحدا؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يواصل طريقته في إعطاء الدروس إلى كل ضيف يزوره في قصر الرئاسة أو في أي مكان آخر، ألم يحن الوقت ليتخلى عن إعطاء الدروس؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن تتضمن كل خطبه ومداخلاته تهديدا ووعيدا وحديثا لا أحد يفقه ما يعنيه؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يتم التفاوض على الاصلاح ومراحله وبرنامجه الداخلي مع الخارج وليس مع مكونات المشهد السياسي في البلاد؟
الأخطر في كل ما يجري اليوم بالبلاد هو تعامل أتباع “الريس” مع من يعارضهم ويعارض سياسات مولاهم وسيدهم…هؤلاء هم من سيفسدون الأمر على “سيدهم”…هؤلاء وضعوا كل من لم يعلنوا عشقهم لسيدهم في السجن افتراضيا…وأصدروا بطاقات إيداع في كل من يخالف تعليمات مولاهم…ونكّلوا وهتكوا عرض كل من قال لمولاهم “أنا لا أحبك سيدي الرئيس”…لذلك على ساكن قرطاج أن يعمّق وجود من سيعارضه من الشعب في مخيّلة أتباعه ومن أعلنوا له البيعة، عليه أن يعمّق وجود معارضيه على أنهم من هذا الشعب أيضا وليسوا مجرّد قطعان تساق لصالح مولاها وسيدها ساكن القصر…فالقبول بمعارضة واضحة وواسعة لساكن قرطاج هو الحلّ الأمثل للخروج من صراعات واهية قد تكبّل كل محاولات الإصلاح…
على ساكن قرطاج أن يعيد النظر في الكثير من الأشياء في خطابه السياسي، فتونس ومنذ أكثر من عشر سنوات تمتاز بكل ما تمتاز به الدول التي عانت من ويلات “الربيع العربي” المزعوم …تعاني تخبطات تساهم يوميا في تردّي الأوضاع وقد تتردى أكثر في ظلّ الخطاب الذي يتعاظم هذه الأيام خطاب “أهمية ووجوب الالتفاف” حول الزعيم الأوحد الذي يفكّر للشعب ونيابة عنه …فأتباع “الريس” جعلوا من مولاهم “معبودهم”، فهو فوق النقد وفوق المحاسبة…وهو المعصوم من الخطأ…ومن يخرج عن هذا الخطاب هو خائن مدفوع الأجر يسكن قاعات انتظار السفارات الأجنبية…
على ساكن قرطاج أن يبتعد أكثر ما يمكن عن لعب دور الضحية نيابة عن هذا الشعب…فالنهضة فعلت ذلك وخسرت بيدها كل شيء…لأن قياداتها افتقدت للفكر الواقعي وسجنوا أنفسهم وعقلهم في ظلمات السجون التي عاشوا بعض سنوات عمرهم فيها…فالغنوشي ومن معه تباهوا كثيرا بعدد سنوات سجنهم…وبكم مرّة حوكموا وعذبوا…فهم يولولون كل يوم ويسردون قصصا عما عانوه ويجيدون جيدا لعب دور الضحية…ولم يفكّروا أبدا أن الدول لا تدار بعدد سنوات السجن أو بعدد حصص التعذيب …فصدمهم الواقع الذي كثيرا ما شيطنوه واعترفوا أنه ليس من السهل حكم دولة من دول العالم الثالث بعقلية سجينة تاريخ وجب فكّ الارتباط به لصنع حاضر أجمل وأفضل…
ليعلم ساكن قرطاج أن هذا الشعب كان يمنّي النفس دائما بالديمقراطية التي يقرأ عنها في صحف الغرب…وكان يمنّي النفس بحرية الرأي والاختلاف التي كان يسمعها من أصدقائه في دول الغرب… كان حلم المعارضة…وحلم الفقراء… وحلم بعض النخب…وحلم الشباب …وحلم من همشوا ومن فقروا، ومن عاشوا الخصاصة أن يعيشوا ديموقراطية لم يعيشوها… لكنهم اليوم يلعنونها صباحا مساء وكل أحد…لأنها لم تأت بمفردها بل جاءت ومعها الفوضى والخراب…أتدري يا مولاهم أن حكام العشر العجاف التي مرّت نزعوا من على أفواهنا الكمامة اللاصقة التي كانت تمنعنا من التعبير عن رأينا وعن معارضتنا لهم….وألصقوه على اذانهم …ولسان حالهم يقول…”تكلموا ما شئتم وقولوا ما شئتم فنحن لن نسمع ما ستقولون”….فهل ستفعل ذلك أيضا …ألم تقل كثيرا في خطبك العنقودية أنك ديموقراطي…وأنك لن تسجن أحدا بتهمة كتب عنها في محضر البحث “هذا المواطن لا يحب الرئيس…” …هل علينا أن نحبك و”نموت في دباديب حبك سيدي الرئيس” حتى يبتسم لنا الرئيس الذي لا أحد إلى يومنا هذا رآه ضاحكا…فهل ستكون فعلا ديموقراطيا …
اعترضني شاب لم يتجاوز العشرين من عمره وسألني سؤالا لم أجد إلى ساعتنا هذه إجابة عنه، فهل لي بإجابة منك لهذا الشاب يقول هذا الشاب حرفيا: ” شبيه سيدنا ديما مغشّش؟”…فهل ستفعلها يا ساكن قرطاج …بالله عليك افعلها واضحك في خطابك القادم…أم تريدني أن أقول لك ما قاله عادل إمام في احدى أروع مسرحياته: “هشتكنا وبشتكنا ياريّس..ده انت رئيس والنعمة كويّس”….
لن نعود لمناقشة الوضع الذي انقلب إلى مواجهة حامية بين سلطة تمر بصعوبات متولدة أو موروثة وبين عصابات تغوّلت سابقا واكتسحت البلاد وإذا بها اليوم تجد نفسها أمام سياسات تهدد مصالحها بجدية.
في هذا الخضمّ تعيش بلادنا تعسّرا ماليا واضحا، حيث أن الحكومة إلى حدود شهر جويلية الماضي ظلت تقوم بخلاص ديون حكومات سابقة قبل سنة 2016 طبقا لمبدأ استمرارية الدولة، إذ مهما خضعت لمتغيرات فإن على الدولة التي تحترم نفسها خلاص ديون كافة حكوماتها صالحة كانت أم طالحة، وإن كان هذا الخلاص على حساب الميزانية العامة. اي كان بالإمكان توجيه الأموال نحو التنمية أو تأهيل قطاعات حساسة،
وقد أشرنا بجريدة جلنار خلال الأسبوع الماضي إلى الصراع بين المافيا المالية والسياسية من جهة وبين الشعب الذي يدفع الثمن من جهة أخرى، من خلال التنكيل به عن طريق حرق الغابات أو المزارع حتى تهديد المساكن وأيضا وخاصة عبر قطع ماء الحنفيات والماء المعدني لأيام لعل أقلها يومين أو ثلاثة وقد تستمر إلى حدود كتابة هذه السطور وهو عار في وجه تونس وابتزاز واستنزاف للسلطة عبر الانتقام من الشعب المسكين واختياراته.
نقول هذا ولم نجد أي شرح مقنع لجر الشعب تحت طائلة هذه المعاناة في أشد أيام الصيف حرارة و قيظا وشواظا كما يقال والآن إذ نرجو أن يقع الحد من المأساة وإنهاء هذه الازمة الخطيرة بكل ذرائعها وخلفياتها وتحاليل أسبابها وربطها مع زمر العملاء بالداخل والخارج، فإن الواجب الصحفي يدفعنا إلى عدد من الاستنتاجات والدعوات لعدم إعادة هذه المأساة التي مرّ ـ ويمر ّـ بها شعبنا وكأننا في حالة حرب ولم ينقص “موسوعتهم الحربية” إلا الاختباء في الخنادق والكهوف.
إن المشاكل برمتها من قطع اماء والكهرباء تعود إلى مسؤولية المتصرفين في سير هذه المرافق من وزراء إلى مدراء عامين إلى مصالح الصيانة وحتى إلى السلطة العلياـ إذ كان بالإمكان تغليب الوطنية والقواعد المهنية وحتى الإنسانية قبل دخول فصل الصيف كل سنة وابتداء من شهر افريل للقيام بكل المتطلبات والخدمات والتحضيرات والاحتياطات لضمان الكهرباء والماء حتى لا نجد أنفسنا في مطب التاويلات والتحقيقات والاستنتاجات صحيحة كانت أو قريبة من الصحةـ فالمسؤولية مناطة أساسا بقادة المؤسسات الحساسة.
هذا أولا دون أي إهمال او ارتخاء أو عدم تقييم او استشراف للحاجيات وطاقة توفيرها وكذلك لارتفاع الاستهلاك خلال فصل الصيف خاصة، أما المسؤولية الثانية فتقع حتما على الدولة التي لم توفق في ضمان مخزون مياه معدنية لتلبية حاجيات المواطنين وترك هؤلاء المسؤلين يرتكابون اغلاطا استراتيجية خطيرة تمس أمن البلاد دون عقاب على فشلهم الفادح وعدم قدرتهم على تسيير أهم القطاعات حساسية بعد الأمن والجيش.
ثم إن هذه الانقطاعات قد عادت بعد الضغوط السياسية سنة 2023 و2024 عندما تم إفراغ كل المحلات التجارية من المواد الغذائية وكان من الضروري مراجعة مواقع هذه البؤر و الخلايا المتحركة ضد الشعب المسكين و أول هذه التحقيقات والتدقيقات تكون عن قائمة “الكوادر” التي تمت صناعتها خلال العشرية الماضية وأصبحت تتحرك من مراتب عالية رغم عقليتها السفلى.
ان مراجعة كاملة للإدارة والمؤسسات الوطنية وتنقينها من هذه البؤر أصبح أولوية إذا كنا نرغب فعلا في تأهيل إدارة أصابها الوهن والفساد وزادتها السنوات العجاف المعروفة فسادا ووهنا أكثر واستقالة وخلوّا فاحشا من الروح الوطنية عند إسداء الخدمات لعموم المواطنين… وتحيا تونس على كل حال.
لا شك أن المافيات المالية التي تواجهها سلطة قائمة انتخبها الشعب بأغلبية ساحقة طبقا لاختياراته، ستشحذ كل جهودها وإمكانياتها لضرب هذا الشعب في قوته ورفاهه وحتى مائه.
تلك هي الإمكانيات التي تلتجئ إليها المافيا المالية المتركبة عادة من البورجوازية الصغيرة والمتوسطة التي تتحكم فيها بعض الأطراف السياسية التي تعترضها مصاعب جمة في كسب قواعد شعبية أو توسيع قواعدها، ومن الطبيعي أن تضاعف جهودها ضمن الأطر الوطنية الطبيعية القانونية غير أن الأمر لم يكن طبقا لذلك بل تجاوز الاخلاقيات السياسية وقواعد الصراعات إلى مستويات ضحلة شكلا ومضمونا.
أما على مستوى الشكل فقد كان الخطاب بل العناوين التي رفعت خلال المسيرات والمظاهرات لا تحمل بين صيغها وكلماتها ومعارضتها للنظام إلا صورا عما آلت اليه المعارضة أو على الأقل شريحة منها، ونخص بالذكر بعض تابعي الجهة الإخوانية التي اندمجت معها بعض زمر الدستوريين الذين تربوا وساهموا في فترة الحزب الواحد والإعلام الواحد والرئيس مدى الحياة و باركوا العصي البوليسية التي ترتفع إلى الأعلى لتنزل على رؤوس المتظاهرين حينها أو القنابل وسجون برج الرومي والنفي لرجيم معتوق في قلب الصحراء.
أما عن مرحلة مابعد انتفاضة 2011 فلا لزوم لتذكيرهم بالرش والتهديدات بالسحل ضد المتظاهرين واعتداءات بؤر “حماية الثورة”. ويبدو أن هذه المرحلة قد كشفت عن تحركات ممنهجة من المافيا المالية ومليشياتها. وحربها في واقع الأمر لا اسم لها سوى إرهاق شعب مرهق أصلا واستعمال أسباب معيشته للضغط كآليات حرب ضد السلطة، وقد عادوا في هذه الفترة إلى موجة 2023 حين قطعوا المواد الغذائية الأساسية والزيت والقهوة والسكر وبقية المواد التي تمس المواطن في حياته اليومية، بهدف دفعه إلى الشارع ضد النظام. ففشلت تلك المحاولة رغم تأثيرها الحاد وتم كشف مخازن لم يتم إدماجها عنوة للهدف المذكور
يبدو خلال هذه المرحلة التي اتسمت بمزيد محاولات التطاول على السلطة و الاحتماء بـ”الغرف المظلمة” وبجهات أجنبية لم تر منها تونس إلا التفرقة والإرهاب والتدخل السافر وقد تبين أن بعض بؤر البورجوازية والمافيات المالية المتوجسة من المحاسبة قد لعبت هذه المرة دورا خسيسا ضد الشعب الذي تمسك بخياراته، فمن الإضراب العشوائي لشل الحركة الاقتصادية الوطنية إلى تقليص أو قطع تزويد السوق بمياه الشرب وقطع ترويج بعض المواد الأخرى مثل السكر أو غيره في حين كانت عشرات الشركات المتمعشة من مياه الشعب تحاول ضخ كميات يومية، هل هي صدفة موازية للتحركات المعارضة للسلطة؟؟ ولماذا تقع خلال هذا الصيف بالذات؟ فالذرائع تختلف بين من يؤكد نقص القوارير البلاستيكية وآخر يشير إلى عجز معمل أغطية القوارير هكذا وفجأة..
ولكن عوض أن تضرب السلطة على بعض هذه الأيدي الوسخة التي تتلاعب بضروريات الشعب الأساسية الحياتية نرى زيادة أسعار الماء المعدني، وكان المنتظر و المطلوب تأميم هذا القطاع الحيوي أو غلق أي شركة مياه معدنية تتلاعب بمصلحة الشعب، أو على الاقل الترفيع في الأداء الرمزي على اللتر من الماء ضد هذه الشركات و النظر بجدية لكسر الـ monopole المتمثل في صناعة القوارير و الأغطية.
ن الصراع مع المافيا المالية التي تتاجر بقوت الشعب انتقاما من اختيارته وبعض شرائح المعارضة التي انزلقت إلى مستنقع التطاول والخطاب المنحط لن يزيد السلطة القائمة إلا شعبية وتمسكا بها مادامت تلك المعارضة قد نجحت فقط في الكشف عن وجهها البائس.
سنحاول تحليل معضلات الوضع الحالي والسيناريوهات الممكنة، كما سنقدم بعض المقترحات حول المشاغل التي تتصدر حاليا أولويات البلاد، ورجاؤنا في تقبل وجهة نظرنا من جميع الأطراف، وهمنا الوحيد أننا نتابع بنظارات بيضاء صافية مفعمة بروح الوطنية وحب الشعب التونسي الذي يستحق دوما الأفضل ويأمل في دوام الأمن والازدهار وتحسين وضعه المعيشي.
لم تعرف البلاد عددا من التحركات السياسية خلال هذه الفترة فقط بل انطلقت منذ سنوات عبر سلسلة من التوسع او الانكماش كما صحبت هذه التحركات المعارضة للسلطة القائمة منذ المتغيرات التي عرفتها 25 جويلية وهذا منتظر الوقوع لعدة اسباب بعد ضرب سلطة الإاخوان و طرح المحاسبة بالمحاكم أيضا بعد ضرب المافيات المالية في مقتل وتبني خطاب مقاومة الفساد وعدالة القضاء التي فرضت وجودها على الساحة لأول مرة في تاريخ البلاد وهي عملية موجعة للأطراف السياسية والمالية التي تمت محاسبتها على مخالفات قانونية تتراوح أهميتها بين التهرب الجبائي وقضايا الإرهاب والاغتيال والتسفير.
من الطبيعي ان يدرك الجميع أن هذه الأحكام ستمس الاطراف البورجوازية والمافيا المالية وستثير نقمة هذه الأطراف ومعها قواعد المنظومة الإخوانية التي حكمت العشرية السابقة، لكن إحقاقا للحق الذي قد لا يعترف به البعض فإن ردود الفعل ضد السلطة القائمة من وقفات منتظمة وسلمية لم ترتفع فيها لأول مرة في تاريخ تونس لا عصا البوليس ولا التهديدات بالسحل ولا ضرب المتظاهرين بالرش أو القنابل المسيلة للدحوع، رغم تعدد هذه الوقفات او المظاهرات التي رفعت أحيانا شعارات استفزازية تجاه النظام وهذا يحسب أحببنا ام كرهنا للنظام الحالي الذي فرض هذا التعامل لأول مرة أيضا في تاريخ تونس.
لكن وجب التذكير أيضا ان بعضا من هذه التحركات الاحتجاجية قد شهدت محاولات توجيه نحو ما سمته بعض القيادات السابقة “ثورة” ورغم ما نشطت عبره من تحركات مشبوهة للخلايا النائمة ولبعض بقايا القواعد المتطرفة (مظاهرات قابس المطالبة بـ”بيئة نظيفة”) كما شهدت الساحة الوطنية ترويج إشاعات كاذبة من بعض الاطراف المشبوهة ذات الانتماءات المختلفة، و ركوبا على عدد من الأحداث لتوظيفها لا بحثا عن حلول أو نشر معلومة صحيحة بل لاستنزاف السلطة ورمي المسؤولية عليها بشيء من الخروج من مصداقية الخطاب والاخلاقيات السياسية لتسقط في بؤر الوصولية التي جمعت أعداء الأمس التاريخيين من بعض قيادات اليسار والإخوان وحتى بعض الأطراف النقابية.
وخلال المرحلة الحالية شهدت تحركات المعارضة متغيرات هامة تميزت جلها بالسلبية الى محاولة نشر الفتنة. والركوب حتى على واقع المهاجرين وكما طفحت بعض الأكاذيب المنسوبة للأطراف المعارضة (حريق سجن المساعدين الذي فندته تجمعات أهالي المساجين الذين وقفوا على الكذبة )، تم جاءت الكذبة التي طافت الداخل والخارج عن مرض الرئيس والعملية الجراحية، مدعومة بالدعوة للحديث عن انتقال السلطة!
و إن اقتنعوا فرضيا ان بعض الأكاذيب منطلقها مصادر بالفيسبوك أو غيره فإن قسما منها لا شك في صدوره عن بعض قيادات جهة إخوانية معلومة وأيضا من رئيس سابق (معيّن دون انتخاب) لا يكلّ من بث الفتنة و الإشارة إلى” غرف سوداء ” بأوروبا، متناسيا أنه منخرط في هذه الغرف التي تحاك ضد تونس واختيارات شعبها ضاربا عرض الحائط بالقيم الوطنية والديمقراطية التي كم نعق بها،
وعموما فكل ما ذكر يفضح جوهر فئة من المعارضة تستمد قوتها لا من اختيارات شعبية والانتخابات بل من دعم القوى الأجنبية وأعداء البلاد وصولا إلى الصهيونية. ويكفي التذكير لمن نسي أن المرزوقي كانت له سوابق غير مشرّفة كرئيس استقبل قيادات ارهابية بقصر قرطاج كما زكى دخول شيوخ العفن وإقامة مؤتمر أصدقاء سوريا المدار بخطط تدمير سوريا ودعم الفصائل الارهابية ضد السلطة القائمة المقاومة للتوسع الصهيوني والتطبيع.
هذه لمحة عن وجه من وجوه بعض فصائل المعارضة التي لا يمكن أن تمر دون أن تشير إلى أنه حتى في هذا الشهر (جويلية) فإن الدولة اضطرت لخلاص ديون سلطة 2015 / 2016.
نمر الان إلى الأوضاع الاجتماعية التي تآكلت و شهدت الطاقة الشرائية للمواطنين انهيارا كبيرا كما تواصلت الطبقة الوسطى (دينامو الاقتصاد والإدارة والتنمية ) في النزول بعد هزالة الزيادات الأخيرة التي نزلت عن الزيادات السابقة لها بحوالي الثلث أي باالمختصر فإن زيادة جراية أو أجر أعلى صنف بالإدارة لم يعد يصل إلى اقتناء كيلو لحم أحمر، كما شهدت بعض القطاعات ارتفاعا مهولا مثل بيع الشقق والكراء .واسعار الخضر والغلال والبناء واليد العاملة في شتى الميادين.
كما شهدت الفترة الماضية انقطاعات غير مبررة للكهرباء والماء وأقل ما يمكن الإشارة اليه أنه كان المطلوب بل واجب شركتي الستاغ و السوناد استشراف متطلبات كل صيف ودرء هذه المعضلة التي اتخذت أبعادا قياسية مقارنة بالفترات الصيفية السابقة وكان هناك شعور حاد أيضا ان بعض البؤر المتزامنة مع حملات المعارضة بالداخل والخارج قد انخرطت في أعمال خطرة ضد مصالح المواطنين.
(في الحلقة القادمة: مقترحات لدرء بعض المخاطر عن تونس)