تابعنا على

جمر نار

“هشتكنا وبشتكنا ياريّس … ده انت رئيس والنعمة كويّس” !

نشرت

في

منذ مساء 25 جويلية، تاريخ انقلاب جزء من المنظومة الحالية، على بقيّة مكوناتها ونحن ننتظر ما أعلن عنه وما وعد به ساكن قرطاج…وكأني بهذا الأخير لا يعي فعلا خطورة ما نحن فيه من فراغ…ومنذ ذلك اليوم ونحن ننتظر كشف حقيقة كل من كان ساكن قرطاج يهددهم ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور...

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
<strong>محمد الأطرش<strong>

جميعنا يسأل أين الغرف المظلمة التي سمعنا عنها أكثر من مائة مرّة في سنة واحدة؟ اين الخونة؟ وما هي الخيانة التي كثيرا ما ذكرها ساكن قرطاج في خطبه النارية؟ وأين من توعدهم بسحب الحصانة واحالتهم على القضاء…فجميع من تمّ ايقافهم أو ذكرهم في ما تمّ الكشف عنه لا علاقة لهم بمن كان ساكن قرطاج يحدثنا ويحدث به كل من يزورهم وكل من يزوروه  في مكتبه…لم نر شيئا مما كنّا ننتظره وما كان يذكره في خطبه … فساكن قرطاج لا يزال يتعامل مع كرسي قرطاج وكأنه المساعد الذي يقف أمام طلبته ليركلهم بالكلمات تلو الكلمات ولا أحد منهم يفتح فمه ليردّ أو يعقّب عن كلام المساعد … فهل انتهى مخزون الرئيس من كلام وأحلام ووعود…ووعيد…أم أنه اصطدم بواقع مغاير عمّا كان ينتظره…فهو لم يعرف ما تعنيه كلمة الحاكم بأمره قبل أن ينقلب على رفاقه في المنظومة فهم من كانوا يسيّرون دواليب الدولة، وعلى بينة من كل أوجاعها وما تعانيه…

هل انزلق ساكن قرطاج دون أن يدري إلى نفس الحفرة التي انزلقت إليها النهضة وكل أحزاب الإسلام السياسي .. فالنهضة “تطاوست” على الدولة، واعتبرت الحكم لعبة بسيطة في متناول الجميع ودخلت معركة الحكم والسلطة دون برنامج أو فكر أو أجندا واضحة غير ما تعلموه عن أسلافهم من حسن البنا وصولا إلى يوسف القرضاوي، فخرجوا من الحكم والسلطة خالي الوفاض، وليس ذلك فحسب بل بجسد متآكل يعاني من الكدمات والأوجاع…وشلل نصفي قد يأتي على ما تبقى من الحركة في قادم الأشهر إن لم يسرعوا خطاهم نحو الربوة لتضميد جراحهم…واللطم والولولة…

وكأني بساكن قرطاج لم يتعلّم مما حصل للنهضة… فالمبعوث الأمريكي لم يأت ليجامل أو ليسعد بدرس من دروس ساكن قرطاج، أو حتى ليستمع إليه، بل جاء لأن الإدارة الأمريكية أعطت كثيرا من الوقت لساكن قرطاج وهاتفته عديد المرّات لينفّذ ما وعد به، وللعودة إلى المسارات الديمقراطية التي وعد بعدم المساس بها…وما خفي كان أعظم …وقد ينفد صبر بقية الفاعلين السياسيين في العالم، وقد يتحركون نحو قصر قرطاج لمعرفة نوايا وخفايا إطالة الحالة الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ انقلاب بعض المنظومة على بعضها الآخر…

وقد يستهزئ ساكن قرطاج بكل من يأتيه من الغرب أو من بلاد العمّ سام طالبا توضيح ما يجري …لتدخل البلاد مرحلة من الشكّ خاصة وتونس مقدمة على قانون مالية تكميلي لا أحد يعلم اين وصل…ومقدمة على دفع قسط آخر من ديون البلاد…ومقدمة على عودة مدرسية وجامعية قد تزيد الطين بلّة…فهل تعامل ساكن قرطاج مع جميع الدعوات بلامبالاة أم ماذا؟ وهل أغراه حجم الدعم الشعبي الذي وجده منذ عشية الانقلاب؟ وهل أسكرته خمرة التأييد وصراخ الشعوب المصفقة…المهللة…والمزغردة…والمطالبة بسحق الخصوم والأعداء وكأن الفارس قيس سعيد جاء على حصان خالد بن الوليد معلنا الحرب على الجميع…

هل قرأ ساكن قرطاج حسابا للوقت وعامل الوقت؟ هل قرأ حسابا لصبر أتباعه وأنصاره ومن هللوا بما أتاه؟ أظنّ أن ساكن قرطاج نسي وضع البلاد وما تعانيه، فالرجل قال أن المرافق تعمل وكل دواليب الدولة بخير…إذن لماذا انقلبت على من معك يا ساكن قرطاج إن كانت الأمور كما ذكرت أم هل تغيّر حال البلاد والدولة في نصف شهر…يا سلام… وكأني بساكن قرطاج يستمع كثيرا إلى جوقته المصفّقة… والمهللة… والمزغردة  و الحالمة ليلا نهارا بالمدينة الفاضلة أو بعدل عمر الفاروق وبإنجازات العهد السعيد لدولة سعيد…أنَسِيَ أن أنصاره وأتباعه قد يخذلونه كما فعل أنصار وأتباع بقية الأحزاب مع أحزابهم وزعاماتهم…وقد يطالبونه بالرحيل إن أدركوا أنه لن يغيّر شيئا من حالهم…ولن يخفف من آلامهم …ولن يضمّد جراحهم…أنسي أنه عادَى كل الأحزاب والمكوّنات السياسية، ولن يمنعها، بل ولن يقدر على منعها من أن تكون رافعة ودافعة لغضب الشارع وغضب من أضناهم الفقر والظلم والتهميش و”الحقرة”…هل يأمل في أن يصمت الناس وأن يقبلوا بالعيش منكسرين متخاذلين وهم يرون القهر والاستهتار بمصالحهم وبمستقبل أبنائهم…

على ساكن قرطاج أن يدرك جيدا أن بعد كل “انقلاب” نحتاج الى “انقلاب” آخر يقوم به صاحب الانقلاب يفرض به النظام من جديد ويعيد به الهيبة للدولة، ويخفّض خلاله من حماسة من هم حوله ومن قد يجرونه إلى مهالك هو في غنى عنها، كما يعيد بها عديد الأمور العالقة إلى نصابها…ففي كل الانقلابات يكثر الانتهازيون والمتزلفون والوصوليون والطامحون إلى تحقيق مآربهم…والأكيد أن كل تنسيقيات “الريس” تنتظر نصيبها من الغنيمة كيف لا وهو الذي جعل من وصوله إلى كرسي قرطاج غنيمة بتعيينه لكل من ساندوه في مناصب حوله في القصر وخارجه…أليس هذا تعاملا “غنائميا” أم هي الصدفة يا ترى؟ جميعنا يدرك أن هذا التعامل “الغنائمي” هو تعامل مشروع ولا أحد ينكره على ساكن قرطاج، شرط اختيار من هم أكفأ، ومراعاة عامل التجربة فالبلاد تمرّ بأزمة خانقة ولا أظنّ أن عاطلا عن العمل عاش المأساة بجميع تفاصيلها سيكون الرجل المناسب في المكان المناسب…

هل من صالح ساكن قرطاج ان يتزايد عدد خصومه؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يكتفي في كل خطبه بالشعارات والوعود التي لا ترى النور؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن تضطرب علاقاتنا في هذا الوقت بالذات مع الدول المانحة والمؤثرة اقتصاديا؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن تطول هذه الفترة لتدخل البلاد مرحلة شكّ قد تنقلب في كل لحظة إلى فوضى يستغلها البعض في مآرب أخرى؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يستحوذ على كل السلط وهو الذي لم يجرّب أية سلطة سابقا فهل هو قادر على النجاح فيها؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يظهر العداء إلى كل المكونات الحزبية وكل المؤسسات والمنظمات الرافضة لمشروعه؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يكون حوله من ساندوه في حملته الانتخابية فقط، والحال أنهم يفتقرون إلى تجربة الحكم وتسيير مؤسسات الدولة؟ وهل من صالح ساكن قرطاج معاداة المؤسسة القضائية في هذا الوقت بالذات؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يغرق أنصاره والشعب التونسي بالوعود التي هو أعلم بأنه لن يحقّق منها وعدا واحدا؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن يواصل طريقته في إعطاء الدروس إلى كل ضيف يزوره في قصر الرئاسة أو في أي مكان آخر، ألم يحن الوقت ليتخلى عن إعطاء الدروس؟ وهل من صالح ساكن قرطاج أن تتضمن كل خطبه ومداخلاته تهديدا ووعيدا وحديثا لا أحد يفقه ما يعنيه؟  وهل من صالح ساكن قرطاج أن يتم التفاوض على الاصلاح ومراحله وبرنامجه الداخلي مع الخارج وليس مع مكونات المشهد السياسي في البلاد؟

الأخطر في كل ما يجري اليوم بالبلاد هو تعامل أتباع “الريس” مع من يعارضهم ويعارض سياسات مولاهم وسيدهم…هؤلاء هم من سيفسدون الأمر على “سيدهم”…هؤلاء وضعوا كل من لم يعلنوا عشقهم لسيدهم في السجن افتراضيا…وأصدروا بطاقات إيداع في كل من يخالف تعليمات مولاهم…ونكّلوا وهتكوا عرض كل من قال لمولاهم “أنا لا أحبك سيدي الرئيس”…لذلك على ساكن قرطاج أن يعمّق وجود من سيعارضه من الشعب في مخيّلة أتباعه ومن أعلنوا له البيعة، عليه أن يعمّق وجود معارضيه على أنهم من هذا الشعب أيضا وليسوا مجرّد قطعان تساق لصالح مولاها وسيدها ساكن القصر…فالقبول بمعارضة واضحة وواسعة لساكن قرطاج هو الحلّ الأمثل للخروج من صراعات واهية قد تكبّل كل محاولات الإصلاح…

على ساكن قرطاج أن يعيد النظر في الكثير من الأشياء في خطابه السياسي، فتونس ومنذ أكثر من عشر سنوات تمتاز بكل ما تمتاز به الدول التي عانت من ويلات “الربيع العربي” المزعوم …تعاني تخبطات تساهم يوميا في تردّي الأوضاع وقد تتردى أكثر في ظلّ الخطاب الذي يتعاظم هذه الأيام خطاب “أهمية ووجوب الالتفاف” حول الزعيم الأوحد الذي يفكّر للشعب ونيابة عنه …فأتباع “الريس” جعلوا من مولاهم “معبودهم”، فهو فوق النقد وفوق المحاسبة…وهو المعصوم من الخطأ…ومن يخرج عن هذا الخطاب هو خائن مدفوع الأجر يسكن قاعات انتظار السفارات الأجنبية…

على ساكن قرطاج أن يبتعد أكثر ما يمكن عن لعب دور الضحية نيابة عن هذا الشعب…فالنهضة فعلت ذلك وخسرت بيدها كل شيء…لأن قياداتها افتقدت للفكر الواقعي وسجنوا أنفسهم وعقلهم في ظلمات السجون التي عاشوا بعض سنوات عمرهم فيها…فالغنوشي ومن معه تباهوا كثيرا بعدد سنوات سجنهم…وبكم مرّة حوكموا وعذبوا…فهم يولولون كل يوم ويسردون قصصا عما عانوه ويجيدون جيدا لعب دور الضحية…ولم يفكّروا أبدا أن الدول لا تدار بعدد سنوات السجن أو بعدد حصص التعذيب …فصدمهم الواقع الذي كثيرا ما شيطنوه واعترفوا أنه ليس من السهل حكم دولة من دول العالم الثالث بعقلية سجينة تاريخ وجب فكّ الارتباط به لصنع حاضر أجمل وأفضل…

ليعلم ساكن قرطاج أن هذا الشعب كان يمنّي النفس دائما بالديمقراطية التي يقرأ عنها في صحف الغرب…وكان يمنّي النفس بحرية الرأي والاختلاف التي كان يسمعها من أصدقائه في دول الغرب… كان حلم المعارضة…وحلم الفقراء… وحلم بعض النخب…وحلم الشباب …وحلم من همشوا ومن فقروا، ومن عاشوا الخصاصة أن يعيشوا ديموقراطية لم يعيشوها… لكنهم اليوم يلعنونها صباحا مساء وكل أحد…لأنها لم تأت بمفردها بل جاءت ومعها الفوضى والخراب…أتدري يا مولاهم أن حكام العشر العجاف التي مرّت نزعوا من على أفواهنا الكمامة اللاصقة التي كانت تمنعنا من التعبير عن رأينا وعن معارضتنا لهم….وألصقوه على اذانهم …ولسان حالهم يقول…”تكلموا ما شئتم وقولوا ما شئتم فنحن لن نسمع ما ستقولون”….فهل ستفعل ذلك أيضا …ألم تقل كثيرا في خطبك العنقودية أنك ديموقراطي…وأنك لن تسجن أحدا بتهمة كتب عنها في محضر البحث “هذا المواطن لا يحب الرئيس…” …هل علينا أن نحبك و”نموت في دباديب حبك سيدي الرئيس” حتى يبتسم لنا الرئيس الذي لا أحد إلى يومنا هذا رآه ضاحكا…فهل ستكون فعلا ديموقراطيا …

اعترضني شاب لم يتجاوز العشرين من عمره وسألني سؤالا لم أجد إلى ساعتنا هذه إجابة عنه، فهل لي بإجابة منك لهذا الشاب يقول هذا الشاب حرفيا: ” شبيه سيدنا ديما مغشّش؟”…فهل ستفعلها يا ساكن قرطاج …بالله عليك افعلها واضحك في خطابك القادم…أم تريدني أن أقول لك ما قاله عادل إمام في احدى أروع مسرحياته: “هشتكنا وبشتكنا ياريّس..ده انت رئيس والنعمة كويّس”….

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جمر نار

إثيوبيا: هل أصبحت عصا التنفيذ… لأجندات معادية للعرب؟

نشرت

في

محمد الزمزاري:

لم تكن إثيوبيا خلال تاريخها معادية بشكل لافت للمنطقة العربية خاصة مع بدء العهد الإسلامي، ولكن في القرن الماضي وحكم (الامبراطور) “هيلا سيلاسي” تغيرت المعطيات جراء تمرد القبائل داخليا ومعركة استقلال إريتريا عن أديس أبابا.

لقد بدأت علاقات إثيوبيا مع الكيان الصهيوني منذ حكم “هيلاسي لاسي” الذي لقي مساعدات عسكرية ولوجستية للسيطرة على الانتفاضات الداخلية أو في حربه على أريتريا. لكن الصورة انقلبت في ما بعد لتستولي طغمة فاسدة على حكم أريتريا وتحوّلها بدورها من الحاضنة التحررية العربية إلى أحضان الكيان الإسرائيلي الغاصب. هذا التعاون بين الكيان وأريتريا تدعم خلال العشر سنوات الأخيرة بامتداد التأثير الصهيوني إلى أكثر بلدان شرقي إفريقيا وربط علاقات اقتصادية وعسكرية معها.

ولعل أهم خطة عدوانية توفق الكيان في إقناع سلطة إثيوبيا بها لضرب السودان و مصر تتجسم في إنجاز سد “النهضة” قرب الحدود مع السودان، رغم أن النيل الأزرق الذي بُني عليه يجتاز كامل إثيوبيا على مسافة 800 كيلومترا، ومع هذه النوايا غير السليمة من الجانب الإثيوبي، فقد اتسم الرد المصري بالهدوء ومحاولة التفاوض فيما انشغل السودان بسلسلة من الحروب الأهلية الطاحنة أفقدته جزأه الجنوبي وما تزال مستمرة إلى اليوم. في هذه الظروف واصل النظام الإثيوبي بناء سد ضخم يمثل خطرا على بلديْ المصب (السودان ومصر) من حيث تقليص مياه النيل إلى حدود منذرة وخاصة بالنسبة إلى مصر التي تعتمد عليه بصفة شبه كلية في توفير مياه الشرب لسكانها والري لزراعتها.

لقد بدأت الخطة الصهيونية الجديدة مع بناء سد “النهضة” و هاهي ذا تحاول استكمالها عبر خطوتين خطيرتين على مستقبل المنطقة الإفريقية والعربية، منها تأجيج أطماع إثيوبيا في جارها الصومالي المنهك بحروب داخلية مستمرة وانفصال ما يسمى بـ”أرض الصومال” عنه، مما جعل منه فريسة مناسبة للكيان حتى يركز قواعد وموطىء قدم اقتصادي وعسكري بافريقيا وممرات البحر الاستراتيجية. كما يبدو أن تلويح إثيوبيا بفتح منفذ على البحر يرتبط بهذا التعاون بين الكيان ونظام أديس أبابا الذي نجح اخيرا في كبح انتفاضات جياعه في الارياف.

إن الخطر المحدق في منطقة حساسة بين إفريقيا و آسيا يدعو إلى الإسراع برسم استراتيجية عربية لمواجهتها قبل سقوط الصومال وإعادة غزو اريتريا وتوسع الكيان طبقا لخططه المدعومة أمريكيا، كما ان المنهج الدبلوماسي الذي تتوخاه القاهرة يعد متعقلا بدرجة كبيرة لأن الكيان يحلم بإغراق مصر في نزاع مسلح مدمّر ولانهائي مع إثيوبيا، رغم أن هذه الأخيرة لا تكف عن الاستفزاز والاستقواء بالكيان ومن وراءه.

أكمل القراءة

جمر نار

المخدرات: لا طريقة للقضاء على الإنتاج والترويج، غير هذه

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري

منذ سنوات، شهدت آفة المخدرات لدى الشباب خاصة من تلاميذ وطلبة وشرائح أخرى توسعا بكامل البلاد. وإذا كانت هذه الآفة قد وجدت بتونس منذ ما قبل الاستقلال عبر زراعة وترويج ما حمل تسمية “التكروري” و”النفة البيضاء”، فإن الاستهلاك كان مقتصرا على الكهول ولم يكن المصدر سوى غراستها بالبساتين والحقول.

وخلال 1957 وصلت لبورقيبة معطيات حول انتشار استهلاك التكروري بالبلاد فقام بسرعة بإصدار قوانين لزجر المستهلك والمنتج والمروّج على حد سواء. ولم تكتف السلطة بذلك بل بعثت فرق مراقبة تضمّ من أمنيين صحبة وأعوانا من وزارة المالية. وكانت المهمة الأساسية هي القضاء على زراعات التكروري في مهدها. وشمل التفتيش “المناطق السوداء” من الجنوب إلى الوطن القبلي إلى الشمال. ولئن كانت عمليات الزراعة قد تقلصت كثيرا فإنه لم يتم القضاء عليها، وقد لجأ المنتجون إلى زراعة مادة التكروري في الآبار و الجبال وعلى سطوح المنازل اجتنابا للمراقبة والزجر العقابي سجنا وخطايا مالية.

واليوم وخاصة إثر انتفاضة 2011 وما تبعها من فترات فتح كلى للحدود وتغول المهربين وتركيز عدد مهول من الاكشاك منها ماهو فوضوي و منها ما كان بعلم وتهاون مشبوه من سلطة الترويكا. فازدهرت ظاهرة المخدرات بنسق كبير جدا شملت حتى الأطفال بالمدارس الابتدائية ومثلت ماساة قائمة لآلاف الأسر كما فتحت الباب لانتشار الجريمة. رغم أنه لايفوتنا التذكير بأن الآفة انتشرت أيضا خلال فترة حكم بن على وشهدت البلاد بروزا للجريمة المنظمة في هذا المجال (عصابة المافيا ومنصف بن علي) وما لحقها من فقاقيع متلاحقة لحدود هذا اليوم.

لكن هل من حل جذري لهذا الخطر الذي ينخر شبابنا ويهدد مجتمعنا في كل العهود؟ أعتقد أن ذلك يتطلب جهدا وطنيا ومؤسساتيا طويل النفس ولكن بإمكانه الرسوّ ببلادنا إلى شاطئ التخلّص شبه التام من هذا الوباء ولو على مراحل. ومن الإجراءات الكفيلة بتقليص إنتاج وترويج واستهلاك المخدرات إلى أكبر حد ممكن او القضاء على اخطرها، فإن الطريقة الناجعة المقترحة هي التالية:

1) مراجعة التشريعات باتجاه مزيد العقوبات السجنية.

2) ادراج فصول لمصادرة أملاك كل من ثبت تهريبه للمخدرات او توزيعها.

3) مصادرة أملاك الأصول و الفروع الا ما ثبت من إرث

4) توجيه أموال الخطايا و المصادرة لصالح المستشفيات المختصة في إنقاذ ضحايا الإدمان

5) دون نسيان أن عقوبة الإعدام (خاصة للمنتجين والمروّجين) وارد بقوانين عديد الدول.

هذا مع كل التنويه والشكر لفرق الأمن الوطنية التي تقوم بكل جهودها وتسجل نجاحات كبيرة في مكافحة الجريمة ومنها الأخطر كتهريب وتوزيع المخدرات، ولن تكون هذه الجهود كافية في ظل التشريعات الحالية ودون ضرب المروجين والمهربين في مقتل. والمقتل الصحيح هو حسابات أرباحهم ومردود جرائمهم.

أكمل القراءة

جمر نار

التحولات العالمية: في صراع الأقوياء… موازين تتلاحق، ولا تتشابه

نشرت

في

محمد الزمزاري:

لعل عشرات الكتب لا تكفي لتحليل وتفصيل ونبش علمي لتركيبة أية قوة عظمى خلال هذه المرحلة، في عالم فرض علينا أن نعيشه بمكتسباته العصرية وكذلك بتأثيراته السلبية علينا وربما على جميع من يعيشونه.

عصر تسوده قواعد التغول والمظالم بأعنف وجوهها لفرض اللون الذي تختاره القوى المهيمنة (الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني)… فالقيم المتداولة هي التي تمليها تلك القوى متسلحة بسرديات الديمقراطية والحرية واحترام الاختيارات السياسية منها والاقتصادية وحتى الدينية ولكن في الأمكنة والأزمنة التي تنتقيها بعناية وعلى مقاسات قوى الشر التي تمسك بـ”شكيمة الحصان”… وتتجه هذه القوى إلى صراعات الأسود والنمور والنسور كل طبقا لاهدافه المرسومة في أعلى هرم الأولويات الاستراتيجية الأمنية منها والاقتصادية. ويمكننا تحديد هذه القوى ومدى حسمها لدائرة تواجدها على الساحة طبقا لبعض قواعد موضوعية ضمنتها او جمعت سبل الوصول إليها.

تبقى الولايات المتحدة الأمريكية التي ضمنت خلال العقود الأربعة الأخيرة موطئ قدم راسخة جدا خاصة إثر الاجهاز عن اكبر قوة كانت تحتك بها: الاتحاد السوفياتي. كما ضمنت أكبر حضور عسكري بالعالم طبقا لطبيعتها التوسعية و مشاريعها الاستراتيجية و عقليتها العدوانية و الكوباوية وحتى الكزينوفوبية (كره الأجانب وخاصة من لا يتم اإخضاعهم)، وقد تجسدت هذه العقلية في اقتناص العلماء لتدجينهم وفرضهم كاأدوات تقدم صناعي وعلمي وعسكري (نووي خاصة)، فيما تستهدف بقية الأدمغة بالاغتيالات عبر قواعدها المنتشرة وعملائها (الكيان الصهيوني وبؤره، اللوبيات المؤثرة صلب الدولة الأمريكية وبرلمانها وحزبيها الجمهوري والديمقراطي) هذا بالاضافة الى نجاح هذه العقلية وآليات قوتها في خلق الفتن وإسقاط أي نظام سياسي قد يقف أمام اهدافها ( العراق، ليبيا، سوريا، تونس، بعض بلدان امريكا الجنوبية، أفغانستان، السعودية (الملك فيصل)، بل وصلت مصالحها المخابراتية الى صنع رؤساء على المقاس وازاحة من تمرد منهم ….

على المستوى الافتصادي فرضت الولايات المتحدة الدولار كوسيلة عالمية للتجارة و التنمية الى حدود بروز اليورو الذي حاولت أوروبا عبره التقليص من هيمنة الدولار دون ان يتجاوز دائرته الترابية او يقاوم انتشار الدولار مثلما حدد هدفه.

الصين:

بروزها اقتصاديا وعسكريا خاصة بدا يفرض نفسه عالميا خلال العشرية التي نعيشها، لقد انطلقت الصين عبر مراحل متعددة لتحقيق تقدمها: مرحلة فرض قدسية العمل والانتاج داخليا لاخراج البلاد من الفقر، الى الخطوات الاولى من التقدم العلمي. مرحلة توجيه قوة استخباراتية صناعية و علمية دامت عشرات السنين منتشرة في العالم، مرحلة اقتباسات الصناعة وكل انتاجات المرحلة السابقة لتوسيع وتصدير انتاجها الذي عرف خلال انطلاقه رداءة مدروسة دامت أعواما لتخضع خلال سنوات التسعينات الى مراجعات علمية و تجاوز الاخلالات الصناعية بكفاءة عالية مع الاحتفاظ باسعار منخفضة نسبيا مما اثار حفيظة وربما عدوانية الغرب.

المرحلة الحالية : توفقت الصين الى الوصول الى تقدم علمي كبير اعتمادا على عصامية وطنية وفرضت نفسها قوة اقتصادية لا تنافس الغرب فقط بل تهدد تفوق الصناعة الامريكية عسكريا واقتصاديا..

روسيا:

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وضرب الاشتراكية ومناهج وطرق فرضها مما ادى الى انخرام اجتماعي واقتصادي وسياسي وانقسامه الى دول ثائرة على الاوضاع المعيشية و حتى الانتماءية للاتحادالسوفياتي السابق و التقارب مع الدول الاوروبية التي حققت اقتصادا و مستويات معيشة افضل بكثير .وضعت روسيا وبعض تركيبات بقايا الاتحاد السوفياتي المتساقط برزت نزعة الصلاحية قوية دامت عشرات السنين توفقت نسبيا في تحسين الأوضاع الاجتماعية للمواطن الروسي و ترميم الاقتصاد الذي شهد تحسنا مطردا كما تم التركيز على الصناعات الحربية واستعادة المكانة العالمية كقوة محافظة على دورها على الساحة العالمية ودون تخطي العقلية الروسية التي تمسكت دوما بعدم التدخل في شؤون الدول على عكس المنظومة الاستعمارية الغربية و الأمريكية..

بقيت روسيا قوة نووية تقرأ لها الولايات المتحدة و الناتو حسابا تعزز إثر حربهم مع أوكرانيا اولا وانفتاحها تجاه أفريقيا لافتكاك حضور فرنسا و إنكلترا و البرتغال من مستعمراتهم القديمة واستحواذ المواد الاولية الهامة لصناعاتها النووية خاصة. لقد حاولت الدول الغربية انهاك روسيا واستنزافها عبر حرب بالوكالة مع أوكرانيا لكن العكس هو ما تبت خلال السنة الأخيرة خاصة إثر بعث مجموعة البريكس و الاتفاقيات الاستراتيجية مع الصين و إيران خاصة.

أوروبا:

لعل دول القارة العجوز هي التي وجدت نفسها خلال المرحلة الحالية من تدفع فواتير ثقيلة اقتصاديا عبر الفشل في توسع اليورو المأمول ووجود الدولار في مواجهة دفاع مستميت أمام بروز قرارات البريكس وفشل في خطط الناتو لمواجهة الدب الأبيض، وخسارة مواطىء عدد من اقدامها بافريقيا التي تزداد يوما بعد يوم.

الهند، باكستان، تركيا، إيران، مصر، الجزائر:

تجهد كل هذه الدول أنفسها لمحاولة النهوض اقتصاديا وصناعيا وعسكريا ورغم حصول البعض منها على تقدم نووي محدود ومشروط الاستعمال لا يتعدى قوة التهديد والوعيد تبقى الأوضاع الاقتصادية عأئقا أمام تقدمها او الاقتراب من الركب.

أكمل القراءة

صن نار