تابعنا على

جلـ ... منار

هل تسعى واشنطن لإزاحة موسكو من الشرق الأوسط؟

نشرت

في

مع استمرار الحرب في أوكرانيا، التي انطلقت في 24 فبراير 2022، بدأت صفحة جديدة من العلاقات بين الدولتين الكبيرتين؛ الولايات المتحدة وروسيا.

علي الدين هلال*

فمن جانبها، تبنت واشنطن مجموعة سياسات هدفت إلى إضعاف القُدرة الاقتصادية لروسيا، وإطالة أمد الحرب، وعدم تمكين موسكو من تحقيق نصر حاسم. أما روسيا، فقد عملت على تجديد علاقات الصداقة والتعاون مع أكبر عدد من الدول في العالم وتنمية المصالح المُشتركة معها من خلال أسعار تفضيلية لمصادر الطاقة، وأظهرت تفهمها لعدم قُدرة كثير من الدول على دعم موقفها علناً بسبب الضغوط الأمريكية عليها، فاكتفت بتبنيها موقف الحياد وعدم إدانة موسكو. 

ولكن الولايات المتحدة وروسيا حرصتا على عدم توسيع الحرب خارج الحدود الأوكرانية، فأعادتا العمل مُبكراً بالخط الساخن بين وزارتي الدفاع الأمريكية والروسية، واتصل رئيسا أركان حرب الجيشين ووزيرا الدفاع في البلدين ببعضهما البعض. وأكد الرئيس جو بايدن أنه لن يُزود أوكرانيا بالأنظمة الصاروخية التي تُمكنها من مُهاجمة أهداف داخل حدود روسيا. وفي مجلس الأمن الدولي، لم تستخدم روسيا حق “الفيتو” لمنع صدور قرار بتجديد مُهمة القوة البحرية المُكلفة بتفتيش السُفن قُبالة الساحل الأوروبي واكتفت بالامتناع عن التصويت. 

سيناريو مُستبعد:

في هذا السياق، ليس مرجحاً أن تسعى الدبلوماسية الأمريكية لإزاحة روسيا من مواقع نفوذها في الشرق الأوسط، ربما لأن موسكو تربطها مع بعض دول المنطقة علاقات تبادُل مصالح استراتيجية واقتصادية وثيقة لا يُمكن لواشنطن أن تحل محلها. وربما لأنه مع افتراض أن الولايات المتحدة تستطيع إزاحة النفوذ الروسي، فإنها لا تسعى لذلك لعدم رغبتها في تحمُل التكلفة المادية والسياسية على قيامها بالدور الذي كانت موسكو تقوم به. وربما أيضاً لأن واشنطن تتخوف من أن انسحاب روسيا من بعض المواقع، قد يُوجِدُ فراغاً سوف تملؤه دول وتنظيمات أكثر شراسة في عداوتها للولايات المتحدة، على غرار إيران وتنظيمي داعش والقاعدة. 

هذا ناهيك عن إدراك واشنطن أن صورتها في منطقة الشرق الأوسط قد تغيرت، وأن أغلب الدول العربية وجدت مصلحتها تجاه الحرب في أوكرانيا في عدم الانحياز أو تبني موقف أحد الطرفين المُتحاربين بشكل مُطلق. وهذا ما ظهر جلياً مثلاً في البيان الصادر عن الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين بتاريخ 28 فبراير 2022 الذي انعقد برئاسة الكويت وبناءً على دعوة من مصر لبحث تطورات الأزمة الأوكرانية. وتضمن البيان تأييد جميع الجهود الرامية لحل الأزمة الأوكرانية من خلال الحوار والدبلوماسية، والتأكيد على أهمية احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. 

كذلك، فإن الدور الأمريكي كان قد أصابه الشحوب بسبب تحول الاهتمام الأمريكي في السنوات الأخيرة إلى آسيا واعتبارها الصين مصدر التهديد الرئيسي لمكانتها الدولية. وقد دعم من ذلك، الإشارات الأمريكية المُتكررة إلى تدهور مكانة الشرق الأوسط في سُلم أولويات السياسة الأمريكية. وجاءت طريقة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في عام 2021 لتُدعم هذه الصورة السلبية. وترسخت صورة أن واشنطن حليف لا يُمكن الاعتماد عليه وصديق “غير موثوق به”. ودعم من هذه الصورة أيضاً، امتناع الولايات المتحدة عن بيع بعض أنماط الأسلحة المُتقدمة لشُركائها في المنطقة. 

تحركات مُضادة:

في هذا الإطار، نستطيع فهم التحركات الأمريكية والروسية في منطقة الشرق الأوسط. فقد تحركت الولايات المتحدة للحصول على أكبر قدر من التأييد الدولي لموقفها ضد روسيا، وإبعاد الدول العربية عن موقف “الحياد” الذي اتخذته، ومُعتمدة في ذلك على علاقات التحالف التقليدية معها. وقام وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، في مارس الماضي، بزيارة إلى المغرب والجزائر والضفة الغربية، علاوة على إسرائيل. وقامت وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية بزيارة كل من تونس والإمارات، وكان من المفترض أن تضم أيضاً مصر ولكن الزيارة لم تتم. وقام وفد من أعضاء الكونجرس الأمريكي بزيارة إلى السعودية والإمارات، وآخر بزيارة إلى مصر والأردن. وبغض النظر عن الأهداف المُعلنة من تلك الزيارات، فمما لا شك فيه أنها تناولت موضوع الحرب في أوكرانيا، وطلب الولايات المتحدة من هذه الدول دعم موقفها تجاه الحرب. 

ومع ذلك، فقد جاءت النتائج مُختلطة، حيث امتنعت دولة الإمارات عن التصويت لإدانة روسيا في مجلس الأمن الدولي، وقام سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، بزيارة إلى موسكو، في مارس الماضي، حيث صرح خلالها بأن الإمارات تتعاون مع روسيا بشأن ضمان أمن الطاقة. واستمر هذا التعاون بين الدول المُنتجة للنفط في إطار “أوبك بلس” والتي اتفق أعضاؤها، في اجتماعهم في مايو 2022، على زيادة حصة إنتاج كمية أكبر من النفط أكثر مما كان مُتوقعاً. ولم تُشارك الدول العربية في تطبيق العقوبات الاقتصادية على موسكو، وهو ما كان موضع إشادة من جانب وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، في أول يونيو الجاري.

وتُقدم الجزائر حالة واضحة للتنافس الأمريكي – الروسي، فهي من جهة تحتفظ بعلاقات تِقنية وعسكرية قوية مع روسيا، وتُصَدرُ من جهة أخرى الغاز إلى أوروبا من خلال خط نقل الغاز مع إيطاليا، حيث يُمثل الغاز الجزائري نسبة 11% من الاستهلاك الأوروبي. وعلى الرغم من امتناع الجزائر عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار إدانة التدخُل العسكري الروسي في أوكرانيا، وتصويتها ضد قرار تجميد عضوية موسكو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؛ فقد حرصت الولايات المتحدة والدول الغربية على التواصل معها. وقام وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، بمُباركة أمريكية، بزيارة إلى الجزائر، في 28 فبراير الماضي، وطلب من حكومتها زيادة تصدير الغاز إلى أوروبا لتعويض النقص في إمدادات الغاز الروسي. وأصدرت إدارة شركة “سوناطراك”، المملوكة للدولة الجزائرية، بياناً أفاد بالاستجابة لهذا المطلب وأن خط الغاز الجزائري- الإيطالي لا يعمل بكل طاقته، وأن هناك مجالاً لزيادة حجم الصادرات. وتبع ذلك زيارة كل من وزير الخارجية الأمريكي ووكيلة الوزارة إلى الجزائر. 

في مقابل ذلك، تمثل التحرك الروسي في زيارة وفد برلماني من أعضاء مجلس الدوما وعميد الدبلوماسية الروسية لافروف للجزائر، في مايو الماضي؛ وذلك للاحتفال بمناسبة الذكرى الستين لبدء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ومن ناحيته، أشاد وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، بموقف روسيا “المرن” وتفهمها أسباب زيادة صادرات الجزائر من الغاز إلى أوروبا برغبتها في زيادة مواردها المالية، وأن علاقاتها الاستراتيجية مع موسكو لم تتغير. وتحدث لافروف عن آفاق تطور العلاقات الاقتصادية والتقنية والعسكرية بين البلدين، ووجه باسم الرئيس بوتين دعوة للرئيس الجزائري لزيارة موسكو. وخلال زيارته، أشاد لافروف بموقف الجزائر المُحايد في الأزمة الأوكرانية. 

ورافق ذلك على مستوى القمة، قيام الرئيس بوتين بعمل اتصالات هاتفية مع عدد من رؤساء الدول العربية ضمت مصر والإمارات والسعودية والجزائر والمغرب وسوريا، فضلاً عن اتصالاته مع قادة إيران وتركيا وإسرائيل. وقام لافروف أيضاً بزيارة إلى سلطنة عُمان، ثُم السعودية، حيث التقى خلالها وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، وألحقها بزيارة إلى البحرين.

حدود الصراع:

ليس هناك ما يُشير إلى أن ثمة هجمة دبلوماسية أمريكية لخلخلة النفوذ الروسي في المنطقة العربية والشرق الأوسط، ولا ما يُشير إلى أن واشنطن تعتبر أن ذلك في مصلحتها، فهي حريصة على أن تُبقي صِراعها مع موسكو ضمن الحدود الجغرافية لأوكرانيا، وأن تُطيل من أمده لاستنزاف أكبر قدر من القدرات الاقتصادية والعسكرية الروسية؛ وذلك لأن هدفها ليس دعم أوكرانيا وحسب، بل كما قال وزير الدفاع الأمريكي أوستن هو “إضعاف روسيا” حتى لا تُكرر ما قامت به في أوكرانيا مرة أُخرى. 

وبالتأكيد، فإن الولايات المتحدة لا تهدف إلى نقل مشهد المواجهة والتوتر السياسي في أوروبا إلى مناطق جغرافية أخرى، حتى لا تسير الأحداث في طريق لا يُمكن السيطرة عليه أو يُهدد بمواجهة مباشرة بين البلدين، خاصةً أن صانعي السياسة الأمريكية يُدركون جيداً أن التهديد الروسي بالرغم من إلحاحه وعُنفه، فإنه – من وجهة نظرهم – “مرحلي ومؤقت”، وأن الخِصم الحقيقي للولايات المتحدة هو الصين. وهذا ما صرح به وزير الخارجية، بلينكن، في مُحاضرة له بجامعة جورج واشنطن، يوم 26 مايو 2022، بقوله “إن الصين هي الدولة الوحيدة التي لديها نية لإعادة تشكيل النظام الدولي ولديها القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك”، وأن “الصين أخطر تحدٍ طويل الأمد للنظام الدولي”. 

عن مجلة “المستقبل”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار