تابعنا على

جلـ ... منار

هل تسعى واشنطن لإزاحة موسكو من الشرق الأوسط؟

نشرت

في

مع استمرار الحرب في أوكرانيا، التي انطلقت في 24 فبراير 2022، بدأت صفحة جديدة من العلاقات بين الدولتين الكبيرتين؛ الولايات المتحدة وروسيا.

علي الدين هلال*

فمن جانبها، تبنت واشنطن مجموعة سياسات هدفت إلى إضعاف القُدرة الاقتصادية لروسيا، وإطالة أمد الحرب، وعدم تمكين موسكو من تحقيق نصر حاسم. أما روسيا، فقد عملت على تجديد علاقات الصداقة والتعاون مع أكبر عدد من الدول في العالم وتنمية المصالح المُشتركة معها من خلال أسعار تفضيلية لمصادر الطاقة، وأظهرت تفهمها لعدم قُدرة كثير من الدول على دعم موقفها علناً بسبب الضغوط الأمريكية عليها، فاكتفت بتبنيها موقف الحياد وعدم إدانة موسكو. 

ولكن الولايات المتحدة وروسيا حرصتا على عدم توسيع الحرب خارج الحدود الأوكرانية، فأعادتا العمل مُبكراً بالخط الساخن بين وزارتي الدفاع الأمريكية والروسية، واتصل رئيسا أركان حرب الجيشين ووزيرا الدفاع في البلدين ببعضهما البعض. وأكد الرئيس جو بايدن أنه لن يُزود أوكرانيا بالأنظمة الصاروخية التي تُمكنها من مُهاجمة أهداف داخل حدود روسيا. وفي مجلس الأمن الدولي، لم تستخدم روسيا حق “الفيتو” لمنع صدور قرار بتجديد مُهمة القوة البحرية المُكلفة بتفتيش السُفن قُبالة الساحل الأوروبي واكتفت بالامتناع عن التصويت. 

سيناريو مُستبعد:

في هذا السياق، ليس مرجحاً أن تسعى الدبلوماسية الأمريكية لإزاحة روسيا من مواقع نفوذها في الشرق الأوسط، ربما لأن موسكو تربطها مع بعض دول المنطقة علاقات تبادُل مصالح استراتيجية واقتصادية وثيقة لا يُمكن لواشنطن أن تحل محلها. وربما لأنه مع افتراض أن الولايات المتحدة تستطيع إزاحة النفوذ الروسي، فإنها لا تسعى لذلك لعدم رغبتها في تحمُل التكلفة المادية والسياسية على قيامها بالدور الذي كانت موسكو تقوم به. وربما أيضاً لأن واشنطن تتخوف من أن انسحاب روسيا من بعض المواقع، قد يُوجِدُ فراغاً سوف تملؤه دول وتنظيمات أكثر شراسة في عداوتها للولايات المتحدة، على غرار إيران وتنظيمي داعش والقاعدة. 

هذا ناهيك عن إدراك واشنطن أن صورتها في منطقة الشرق الأوسط قد تغيرت، وأن أغلب الدول العربية وجدت مصلحتها تجاه الحرب في أوكرانيا في عدم الانحياز أو تبني موقف أحد الطرفين المُتحاربين بشكل مُطلق. وهذا ما ظهر جلياً مثلاً في البيان الصادر عن الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين بتاريخ 28 فبراير 2022 الذي انعقد برئاسة الكويت وبناءً على دعوة من مصر لبحث تطورات الأزمة الأوكرانية. وتضمن البيان تأييد جميع الجهود الرامية لحل الأزمة الأوكرانية من خلال الحوار والدبلوماسية، والتأكيد على أهمية احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. 

كذلك، فإن الدور الأمريكي كان قد أصابه الشحوب بسبب تحول الاهتمام الأمريكي في السنوات الأخيرة إلى آسيا واعتبارها الصين مصدر التهديد الرئيسي لمكانتها الدولية. وقد دعم من ذلك، الإشارات الأمريكية المُتكررة إلى تدهور مكانة الشرق الأوسط في سُلم أولويات السياسة الأمريكية. وجاءت طريقة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في عام 2021 لتُدعم هذه الصورة السلبية. وترسخت صورة أن واشنطن حليف لا يُمكن الاعتماد عليه وصديق “غير موثوق به”. ودعم من هذه الصورة أيضاً، امتناع الولايات المتحدة عن بيع بعض أنماط الأسلحة المُتقدمة لشُركائها في المنطقة. 

تحركات مُضادة:

في هذا الإطار، نستطيع فهم التحركات الأمريكية والروسية في منطقة الشرق الأوسط. فقد تحركت الولايات المتحدة للحصول على أكبر قدر من التأييد الدولي لموقفها ضد روسيا، وإبعاد الدول العربية عن موقف “الحياد” الذي اتخذته، ومُعتمدة في ذلك على علاقات التحالف التقليدية معها. وقام وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، في مارس الماضي، بزيارة إلى المغرب والجزائر والضفة الغربية، علاوة على إسرائيل. وقامت وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية بزيارة كل من تونس والإمارات، وكان من المفترض أن تضم أيضاً مصر ولكن الزيارة لم تتم. وقام وفد من أعضاء الكونجرس الأمريكي بزيارة إلى السعودية والإمارات، وآخر بزيارة إلى مصر والأردن. وبغض النظر عن الأهداف المُعلنة من تلك الزيارات، فمما لا شك فيه أنها تناولت موضوع الحرب في أوكرانيا، وطلب الولايات المتحدة من هذه الدول دعم موقفها تجاه الحرب. 

ومع ذلك، فقد جاءت النتائج مُختلطة، حيث امتنعت دولة الإمارات عن التصويت لإدانة روسيا في مجلس الأمن الدولي، وقام سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، بزيارة إلى موسكو، في مارس الماضي، حيث صرح خلالها بأن الإمارات تتعاون مع روسيا بشأن ضمان أمن الطاقة. واستمر هذا التعاون بين الدول المُنتجة للنفط في إطار “أوبك بلس” والتي اتفق أعضاؤها، في اجتماعهم في مايو 2022، على زيادة حصة إنتاج كمية أكبر من النفط أكثر مما كان مُتوقعاً. ولم تُشارك الدول العربية في تطبيق العقوبات الاقتصادية على موسكو، وهو ما كان موضع إشادة من جانب وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، في أول يونيو الجاري.

وتُقدم الجزائر حالة واضحة للتنافس الأمريكي – الروسي، فهي من جهة تحتفظ بعلاقات تِقنية وعسكرية قوية مع روسيا، وتُصَدرُ من جهة أخرى الغاز إلى أوروبا من خلال خط نقل الغاز مع إيطاليا، حيث يُمثل الغاز الجزائري نسبة 11% من الاستهلاك الأوروبي. وعلى الرغم من امتناع الجزائر عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار إدانة التدخُل العسكري الروسي في أوكرانيا، وتصويتها ضد قرار تجميد عضوية موسكو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؛ فقد حرصت الولايات المتحدة والدول الغربية على التواصل معها. وقام وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، بمُباركة أمريكية، بزيارة إلى الجزائر، في 28 فبراير الماضي، وطلب من حكومتها زيادة تصدير الغاز إلى أوروبا لتعويض النقص في إمدادات الغاز الروسي. وأصدرت إدارة شركة “سوناطراك”، المملوكة للدولة الجزائرية، بياناً أفاد بالاستجابة لهذا المطلب وأن خط الغاز الجزائري- الإيطالي لا يعمل بكل طاقته، وأن هناك مجالاً لزيادة حجم الصادرات. وتبع ذلك زيارة كل من وزير الخارجية الأمريكي ووكيلة الوزارة إلى الجزائر. 

في مقابل ذلك، تمثل التحرك الروسي في زيارة وفد برلماني من أعضاء مجلس الدوما وعميد الدبلوماسية الروسية لافروف للجزائر، في مايو الماضي؛ وذلك للاحتفال بمناسبة الذكرى الستين لبدء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ومن ناحيته، أشاد وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، بموقف روسيا “المرن” وتفهمها أسباب زيادة صادرات الجزائر من الغاز إلى أوروبا برغبتها في زيادة مواردها المالية، وأن علاقاتها الاستراتيجية مع موسكو لم تتغير. وتحدث لافروف عن آفاق تطور العلاقات الاقتصادية والتقنية والعسكرية بين البلدين، ووجه باسم الرئيس بوتين دعوة للرئيس الجزائري لزيارة موسكو. وخلال زيارته، أشاد لافروف بموقف الجزائر المُحايد في الأزمة الأوكرانية. 

ورافق ذلك على مستوى القمة، قيام الرئيس بوتين بعمل اتصالات هاتفية مع عدد من رؤساء الدول العربية ضمت مصر والإمارات والسعودية والجزائر والمغرب وسوريا، فضلاً عن اتصالاته مع قادة إيران وتركيا وإسرائيل. وقام لافروف أيضاً بزيارة إلى سلطنة عُمان، ثُم السعودية، حيث التقى خلالها وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، وألحقها بزيارة إلى البحرين.

حدود الصراع:

ليس هناك ما يُشير إلى أن ثمة هجمة دبلوماسية أمريكية لخلخلة النفوذ الروسي في المنطقة العربية والشرق الأوسط، ولا ما يُشير إلى أن واشنطن تعتبر أن ذلك في مصلحتها، فهي حريصة على أن تُبقي صِراعها مع موسكو ضمن الحدود الجغرافية لأوكرانيا، وأن تُطيل من أمده لاستنزاف أكبر قدر من القدرات الاقتصادية والعسكرية الروسية؛ وذلك لأن هدفها ليس دعم أوكرانيا وحسب، بل كما قال وزير الدفاع الأمريكي أوستن هو “إضعاف روسيا” حتى لا تُكرر ما قامت به في أوكرانيا مرة أُخرى. 

وبالتأكيد، فإن الولايات المتحدة لا تهدف إلى نقل مشهد المواجهة والتوتر السياسي في أوروبا إلى مناطق جغرافية أخرى، حتى لا تسير الأحداث في طريق لا يُمكن السيطرة عليه أو يُهدد بمواجهة مباشرة بين البلدين، خاصةً أن صانعي السياسة الأمريكية يُدركون جيداً أن التهديد الروسي بالرغم من إلحاحه وعُنفه، فإنه – من وجهة نظرهم – “مرحلي ومؤقت”، وأن الخِصم الحقيقي للولايات المتحدة هو الصين. وهذا ما صرح به وزير الخارجية، بلينكن، في مُحاضرة له بجامعة جورج واشنطن، يوم 26 مايو 2022، بقوله “إن الصين هي الدولة الوحيدة التي لديها نية لإعادة تشكيل النظام الدولي ولديها القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك”، وأن “الصين أخطر تحدٍ طويل الأمد للنظام الدولي”. 

عن مجلة “المستقبل”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار