تابعنا على

جلـ ... منار

هيكل والسادات وكيسنجر …

نشرت

في

حضور هنري كيسنجر فى واجهة الإعلام الأمريكي لافت بذاته، كل ما يكتب عنه يثير اهتماماً وكل ما يصرح به يأخذ مداه فى الذيوع.

عبد الله السنّاوى

اكتسب سمعة استثنائية ما بين عامي (1969) و(1977) على عهدى الرئيسين ريتشارد نيكسون و جيرالد فورد مستشاراً للأمن القومي ثم وزيراً للخارجية بأثر نجاحه فى إنهاء حرب فيتنام وصناعة الوفاق الدولي والتقارب مع الصين..

ثم الدور الجوهري الذي لعبه فيما كانت يطلق عليها “أزمة الشرق الأوسط”.

بأية مراجعة عند الجذور لا يمكن تجاهل ذلك الدور فى إجهاض النتائج السياسية لحرب أكتوبر، ولا الأخطاء الفادحة التى ارتكبها الرئيس الأسبق أنور السادات فى تسهيل هذه المهمة.

المراجعة ضرورية حتى لا نتصور بالوهم أن السادات سابق عصره و كيسنجر رجل سلام.

فى كتابه “الأزمة: تشريح لأزمتين كبيرتين فى السياسة الخارجية” كتب كيسنجر نصا فى صفحة (110): فى الساعة العاشرة والنصف بتوقيت واشنطن يوم (7) أكتوبر بعد نشوب العمليات العسكرية فى سيناء بساعات تلقيت اتصالا مستغربا من الرئيس السادات على شكل رسالة موقعة من مستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل،

وصلتني خلال قناة المخابرات الأمريكية، الرسالة تخطرنا بموقف مصر السياسي فى الحرب، وبصرف النظر عن الإشارات التى وردت فيها عن ضرورة العودة إلى خطوط (1967)، فقد كان اعتقادنا بتحليل الرسالة أنها مجرد افتتاحية، وقد كان المهم فى نظرنا هو مخاطر الاتصال بنا على هذا النحو فى هذه اللحظة، ذلك أن معنى هذه المخاطر هو ما لم يقل:

1- إن الاتصال بنا معناه أن الرئيس السادات قرر أن يعتمد علينا.

2ــ و ان معناه أنه على استعداد بنواياه وسياساته أن يبتعد عن الاتحاد السوفييتي.

3ــ و انه قرر أن يهجر السلاح بما فى ذلك سوريا.

وكان تحليل عبارة الرسالة ــ على ما يضيف هنرى كيسنجر ــ يوحى لنا بوضوح أن السادات قرر عدم مواصلة الحرب بعد المدى الذى وصل إليه، ولم تكن هذه الاستنتاجات مجرد ظن، وإنما بدت نتائج حتمية من تصرفه فى هذه اللحظة على هذا النحو.

وكانت الفقرة الخطيرة فى رسالة السادات: “إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات، أو توسيع مدى المواجهة”.

وعلى الفور اتصل كيسنجر بـ”وليم كولبي” مدير المخابرات الأمريكية فى ذلك الوقت، الذى كان قد اطلع على الرسالة الخطيرة، وتساءل مستغرباً : “لماذا لم ينتظرو ا؟!”.

ثم يروى كيسنجر فى صفحتي (115)، (116) من كتاب “الأزمة” أنه نقل لسفير إسرائيل فى واشنطن “سيمحا دينتز” نص الرسالة التى يتعهد فيها الرئيس السادات بعدم تعميق مدى الاشتباكات، أو توسيع مدى المواجهة، وكانت تلك خدمة جليلة لإسرائيل أوقات حرب عصيبة].

كان ذلك ردا مفحماً بالوثائق على ما ذكره الرئيس الأسبق حسني مبارك فى أبريل (2005) أثناء حوار تلفزيوني طويل، من نفى قاطع أن تكون هناك قناة اتصال خلفية خاصة مع الأمريكان من خط تليفوني ربط بين السادات وبين مكان ما فى الولايات المتحدة.

“أكيد الذى يكتب هذا الكلام هو شخص ضد الرئيس السادات ــ قاصداً الأستاذ محمد حسنين هيكل ــ ثم إنه لو كان للرئيس السادات مثل هذه القناة السرية لتم الكشف عنها، فالأمريكان لا توجد لديهم سرية، بل كانوا قالوا وتحدثوا عن هذه الاتصالات مائة مرة، وخرجت الوثائق التى تتضمن الاتصالات عبر هذه القناة، ففى أمريكا لا يوجد شيء يتم فى الخفاء”.

كان ذلك النص، الذى ترجمه “هيكل” بنفسه، حاسماً فى السجال الذى دار أيامها على صفحات جريدة “العربي”.

وقد استعنت بتلك الترجمة فى الرد على مبارك.

وفق وثيقة أخرى لـكيسنجر ــ كشف عنها هيكل فى حديث متلفز ــ أن وزير الخارجية الأمريكي قال لمجموعة العمل الخاصة به: “أرى أن السادات وقد عبر قناة السويس لن يفعل أكثر من الاكتفاء بالجلوس هناك.. وأنا لا أعتقد أنه سوف يقوم بتعميق مدى عملياته فى سيناء”».

لم يكن كيسنجر يخمن، أو يرجح، ولا الوحي هبط عليه فى مكتبه وسط مجموعة عمله، بل كان على يقين كامل، فلقد أخطره السادات بنواياه والعمليات العسكرية ما زالت جارية.

لم ينشأ ذلك الاتصال عفو الخاطر، ولا بتقدير سياسي مفاجئ أخطأ التصرف.

الحقيقة أن السادات كان متشوقا لفتح قناة اتصال مع “ساحر الخارجية الأمريكية الجديد” دون أن يجد طريقا مأمونا إليه فيما كان كيسنجر نفسه شغوفاً بلقاء هيكل بتأثير ما قرأ له وما سمع من أن لهما نفس طريقة التفكير.

ضايقت السادات الطريقة المستقلة التى تصرف بها هيكل دون أن يراجعه بالاعتذار للمستشار الألماني “فيلى براندت عن قبول اقتراح للقاء كيسنجر بعيدا عن الأنظار.

كان رده على المستشار الألماني: “هذا ليس وقته”.

بأثر ضيقه منح السادات فى الأيام الأخيرة من عام (1972) الضوء الأخضر لرئيس تحرير الأخبار “موسى صبري” لكتابة مجموعة مقالات أرادت أن تقول: «”القلم الوحيد”، كما أطلق عليه، أوشك على الأفول، وأن العهد الجديد له رجال جدد ليس بينهم ذلك القلم الذى “يضفى على نفسه أهمية ليست له”.بدا رد هيكل، كما لو أنه على السادات لا على موسى صبري” الذى لم يشر إليه.

كان عنوان المقال: “أنا وكيسنجر.. مجموعة أوراق”

وقد أسند كل حرف فيه إلى وثائق ومراسلات وشهود قرب خروجه من “الأهرام” تأكد لديه أن أسلوب التفاوض، الذى يتبعه السادات سوف يؤدى إلى تنازلات فادحة لا لزوم لها، فكتب بطريقة شبه مباشرة عن اعتراضاته بتاريخ (18) يناير (1974) مقالا تحت عنوان: “أسلوب التفاوض الإسرائيلي” جاء فيه: “من القواعد العلمية للتفاوض ألا يتعرض للتفاصيل، وليس القرار النهائي، شخص يملك سلطة واسعة، ذلك لأن هذا الشخص سوف يكون دائما مطالباً بتنازلات يعرف الذين يفاوضونه أن أمرها على الأرجح بيده”.

فى الفترة ما بين (5) أكتوبر (1973) حتى أول فبراير (1974)، قبل حرب أكتوبر بيوم إلى قبل خروجه من “الأهرام” بيوم، كتب مجموعة مقالات أسست لقطيعة نهائية ضمها فيما بعد كتاب: “عند مفترق الطرق”.

أراد أن يقول: “إننى أختلف”، وهذه أسبابى التى أتحمل مسؤوليتها ونتائجها.

أسباب الاختلاف مع “السادات” لم تكن شخصية ولا عابرة، فقد عكست ضمن ما عكست خيارات متناقضة فى استراتيجية الإدارة السياسية لحرب أكتوبر.

أومأ إلى ما يجرى خلف الأبواب الموصدة: “إن الفارق بين الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي والفكر الاستراتيجي العربي هو أن الإسرائيليين يلعبون الشطرنج، فى حين أن العرب يلعبون الطاولة”.

لم يخف السادات ضيقه بالرسالة المضمرة، معتقدا أنه المقصود شخصياً بلعب الطاولة معتمداً على حظ الندر، لا الشطرنج حيث التفكير فى حركة بيادقه.

قبل أن يصل كيسنجر القاهرة لأول مرة طالع ذلك المقال.كانت المفارقة أنه أبدى إعجاباً شديداً بمنطقه عندما قابل هيكل.

بعد نحو ثمانية أشهر من مغادرته “الأهرام” اتصل به السادات طلباً للتواصل من جديد.

شارك بصورة أو أخرى بالمفاوضات مع هنري كيسنجر فى المحاولة الأولى لفك الارتباط الثانى، وقد جرت بأسوان فى شهر مارس من عام (1975).

“لم تنجح هذه المحاولة، ولم أكن شديد الأسى على فشلها، بل إننى أحب أن أتصور أنه كان لى نصيب ــ ولو ضئيل ــ فى إفشالها”.

لم يخف هيكل إعجابه بقدرات كيسنجر، لكنه حذر طويلاً وكثيراً فيما يشبه الإلحاح من الوقوع فى أفخاخه وإضاعة ثمار العمل العسكري والتضحيات التى بذلت فى ميادين القتال.

عارض خيارات السادات وأسس أسبابه على وثائق مؤكدة سندت الحركة الوطنية المعارضة لاتفاقيتي “كامب ديفيد».

لم يكن السادات داهية ولا سابقاً لعصره.

بتعبير هيكل: “لا بد أن نحفظ للأوصاف حرمتها”.

ولم يحتج كيسنجر لأى مجهود كبير لتأسيس ما تسمى حتى الآن بـ”عملية السلام”، التى أوصلتنا إلى “سلام القوة” والتطبيع المجاني ونزع مناعة العالم العربي.

ـ عن “الشروق” المصرية ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار