السؤال الذي قد يطرح نفسه…أو قد يطرحه كبار المتابعين للشأن التونسي من تونس وخارجها: هل انتهت منظومة 25 جويلية 2021؟ أم هل أجهضت نفسها دون أن تدري؟ أم هل انكشف أمرها؟ أم هل أجهضها من هم حول صانعها بما يقترحونه عليه وما ينصحون؟ أم هل اصطدم صانعها بواقع لم يكن يعرفه ولا يفقه معانيه، ولا يدرك كيف الخروج منه؟ فالشعب انتظر طويلا ما سيأتي به من وعدهم بدولة عادلة قوية ودولة لا فساد فيها ولا ظلم …دولة حقوق الانسان…ودولة يطيب العيش فيها…دولة لا يضطر بعض أهلها إلى مغادرتها هربا من حاكمها…دولة لا يختار شبابها الموت غرقا على الموت جوعا وقهرا فيها…
محمد الأطرش
هل أنجز حرّ ما وعد…جميعنا نعلم أن ساكن قرطاج رجل نظيف اليد…لم يتورّط سابقا ولا أظنّه لو ابتعد عنه بعض الناصحين سيتورّط لاحقا في ما يسيء إلى ما نعرفه عنه من حسن سيرة ونظافة يد… كما لا أظنّه سينساق وراء ما يمكن أن يخرجه من عقول هذا الشعب…لكن هل كل ذلك يكفي لحكم دولة والخروج بها مما هي فيه من وحل أوصلها إلى حافة الجوع والإفلاس والعطش…؟ علينا ألا نحلم كثيرا…كما علينا أن لا نسيئ الظنّ بجميع من حكموا قبلنا، فحكم بلاد تعاني العراقيل وقطاع الطرق والمطبات ليس بالأمر السهل والهيّن، كما يتصوره البعض…فلا يمكن الجزم اليوم بأن كل من حكموا هم سبب ما تعيشه البلاد، علينا أيضا أن نعيد التشخيص فهناك العديد من الأطراف الأخرى التي كانت لها اليد الطولى والعليا في الخراب الذي تعيشه البلاد منذ 2011…وهؤلاء يحاولون اليوم الحفاظ على مواقعهم كشركاء يفعلون ما يريدون ومتى يريدون بالدولة وبمؤسساتها…ويتمتعون بمرتبة “الشريك” الواحد الأحد…شعارهم في كل ما يفعلونه “شدّ مد يا حمد”…
لا أحد كان على يقين من أن ما أتاه ساكن قرطاج أو صانع التغيير الثاني بعد تغيير الرئيس الوطني الأسبق بن علي رحمه الله، سيحالفه النجاح غير من أتاه…فساكن قرطاج هو الوحيد وبعض البعض من أتباعه كانوا وربما لا يزالون على ايمان بأن النجاح سيكون حليفهم….ولأني على يقين أنهم على خطأ كبير…سأقول إن هؤلاء لم يعيشوا عمق الدولة ولم يجوبوا ثنايا مؤسساتها…ولم يعرفوا يوما مشكلاتها وخفاياها….فالدولة من خارج أسوارها غير مَن خَبرَ ما في أحشائها….فساكن قرطاج وأتباعه وقعوا في نفس الورطة التي تورطت فيها منظومة الترويكا قبل عشر سنوات مضت، فالترويكا استهانت بأمر الحكم وعاشت وتفاخرت بوهم الإصلاح والنجاح، وتحقيق المعجزات ببدائل وهمية رفعتها حين كانت تعارض منظومة بن علي رحمه الله… وكانت تجزم وتمشي الخيلاء في كل ما تعلنه للناس وللشركاء، أنها ستنجح في الخروج بالبلاد إلى أفق أرحب يتعايش فيه ومعه الجميع، لكنها اصطدمت بواقع مغاير عمّا كانت تتصوره…فالحكم ليس شعارات ترفع وبرامج تكتب على عجل، وليس أقوال بعض المنظرين الذي ماتوا وماتت معهم ايديولوجياتهم…الحكم حقيقة يجهلها من لم يتعثّر كثيرا في مسالكها الوعرة والملغومة…الحكم علاقات خارجية….وثقة منظمات ودول مانحة…وشبكة علاقات دولية متينة…وانفتاح على كل المقترحات والحلول سواء كانت داخلية أو خارجية…الحكم هو كيف توفر الغذاء لأكثر من عشرة ملايين نسمة …والحكم هو كيف تحافظ وتضمن التعايش بين كل مكونات المجتمع والمشهد السياسي بلين كثير…وشدّة أحيانا… وبتنازلات موجعة …وأخرى كبيرة …وأخرى تحت الطاولة لا أحد يعلم بها….وبتوافقات خارجية وداخلية تضمن بها سيرا عاديا لشؤون الحكم والدولة…فالحكم ليس تعنتا إذن…وليس تمسكا برأي خاطئ ومخالف للجميع…والحكم ليس حلما تعيشه ليلا نهارا…وبعض الاسطر من كتب الفلاسفة…والحكم ليس تعاليا على الجميع وكأنك وحيد زمانك والأقدر على معرفة خبايا الأمور…فليس من السهل أن تجعل من بلاد شعبها لم يخرج من بعض الجهل والفقر والخصاصة ومهدّد بالجوع والعطش كل يوم، مدينة فاضلة…
كما أن الحكم وهذا الأهمّ هو كيف يحبك كل الشعب….وكل مكونات المشهد السياسي…وأن تكون من يُجمع عليه كل الناس حتى من كانوا خصومك…فالحكم ليس حقدا ولا رغبة جامحة في الانتقام من كل قديم، ومن كل من يخالفنا الراي ومن كل من نشتم عنهم رائحة لا تعجبنا…وهذا ما نعيشه بكل تفاصيله الكبيرة والصغيرة….فنحن اليوم نعيش مرحلة يغلب على “دستورها الخاص” الانتقام وتصفية الحسابات…والتخلّص بطريقة أو بأخرى من كل الخصوم، لقطع الطريق أمام عودتهم للحكم أو حتى للمشهد السياسي عموما…لغاية الانفراد بالحكم والتأسيس لمنظومة سياسية لم يألفها هذا الشعب سابقا …ولا أظنّه سيقبلها حتى وإن أرادها البعض…فالبعض ليس الكل…ولن يكون…
لنتحدث عن واقعنا وماذا ينتظرنا فعلا بعيدا عن الأوهام والأحلام…فلا شيء مما نستمع إليه ومنذ 25 جويلية سيتحقّق إن واصلنا على هذا النحو، وهذا ليس لأننا لا نريد أن يتحقّق، لكن لأنه لا قدرة لنا على تحقيقه، بالحصار الذي ضربناه على أنفسنا، وعزلتنا التي صنعناها بأيدينا…فعلاقاتنا توترت مع كل من كانوا عونا لنا…وعدد خصومنا تضاعف آلاف المرّات عمّا كان عليه…وتمسكنا بأحادية القرار أوقعنا في مشاكل لسنا في حاجة إليها في هذا الوقت…فنحن اليوم أغلقنا كل أبواب النجاح والخروج بالبلاد مما هي فيه…والأخطر هو أننا نصرّ على أننا على حقّ…والحقّ يقول غير ذلك…
لا…لسنا على حقّ…ولن نكسب شيئا بما نفعله اليوم مع كل من هم حولنا…فهذا الشعب ليس مستعدا بأن يفوّض شأن مصيره لأحد يصرّ على الحكم بمفرده …وليس مستعدا بأن يدخل في استفتاء حول مصيره ومصير أبنائه ومستقبل أجياله القادمة ويضعه بين يدي شخص واحد يفعل به ما يريد… وهذا الشعب لم ولن يصدّق ما يقال عن الشركات الأهلية التي كثر عنها الحديث أخيرا فهذه الشركات لن ترى النور، ولن تخرج البلاد مما هي فيه…فالأموال التي يقال إنها أموال الشعب وسيستردها ممن نهبها منه عبر هذه الشركات، هي في الأصل أموال رجال أعمال اقترضوها من البنوك للاستثمار وسيعيدونها للدولة حسب ما هو متعامل به في مثل تلك المعاملات البنكية والمالية…
بعد كل هذا هل يمكن القول بأن منظومة 25 جويلية تعيش آخر ايامها وأنها إلى زوال إن عاجلا أو آجلا…وقد تفشل وتذهب ريحها في قادم الاسابيع، فالامتحان الحقيقي قادم، وهذا الشعب أصبح يخشى على قوته مما يراه وما عاشه ويعيشه منذ إعلان التغيير الثاني من صانع التغيير الثاني …فالشعب لن يشبع بقرار تغيير يوم الاحتفال بثورته المزعومة ولن يهتمّ للأمر أصلا غير من قاموا بالأمر…ولن يعيش في بحبوحة من العيش يوم الإعلان عن حلّ مجلس الشعب…ولن ينتفخ مرتبه يوم التخلّص من كل أحزاب الخصوم…ولن يصبح سعيدا حين يُسجن أحدهم بشبهة الفساد…كما لن يفرح حين يقال أحد الولاة أو أحد المسؤولين القدامى دون ذنب ودون خطأ…فهذا الشعب أو لنقل الكثير منه خرج سعيدا يوم أعلن ساكن قرطاج عن حلّ حكومة المشيشي وكنت منهم، في حدود الفرح، لا الخروج صارخا، فشخصيا كنت أكبر الناقدين والمطالبين بإبعاد المشيشي، كما أن الكثير من هذا الشعب سعد كثيرا بتجميد نشاط مجلس النواب لكنه لم يخرج ليبايع ساكن قرطاج ملكا…وليجعله الحاكم الوحيد بأمره وأمر البلاد…ولا ليقول نعم على انتخابي على المقاس ونظام سياسي أقرب إلى الإمارة…
اليوم أصبح هذا الشعب في حيرة من أمره…بعد أن بان له الخيط الأبيض من الخيط الأسود…وعرف أن ما عاشه ليس أكثر من حلم ليلة ذهب مع فجر اليوم الموالي…فأوضاع البلاد زادت سوءا رغم ما يزعمه بعض الأتباع …والحصار أصبح أشدّ على مصالح هذه البلاد…والعزلة أصبحت ظاهرة للعيان …واقتصاد البلاد أصبح عاجزا عن تسديد معلوم حاجياتها…وجميع المؤشرات تشير إلى إمكانية تأزم الأوضاع إلى ما لا نهاية له…فهل هذا حقّا ما كان ينتظره الشعب حين خرج محتفيا بما أتاه ساكن قرطاج؟ فهل دغدغة مشاعر رفض النهضة والحقد على قياداتها وأتباعها ستصلح حال البلاد…وهل إرضاء الرافضين لمجلس نواب الشعب سيكفي الشعب غذاء الأشهر القادمة…وهل ضرب الأحزاب وتعطيل أعمالهم سيحدّ من نسب العجز والتداين الداخلي والخارجي…وهل تعليق العمل جزئيا بما جاء في الدستور سيرضي عنا المنظمات والدول المانحة…وهل إلقاء بعض الوجوه في السجن دون محاكمة نهائية ومؤيدات رسمية سينسي الناس همومهم…وهل …وهل…وهل…كلها أسئلة لن تجد من يجيب عنها…فزمن الشعب يريد ولى…فالشعب اليوم نعم…يعبد ما تعبدون…لكنه لا يريد ما تريدون…ولن يختار ما تختارون…ولن يقول نعم لما له عليه ستستفتون…فلا تسيئوا به الظنون…فهو يبحث فقط عن استقرار…وأمن…وعدل…وأبناء من البطالة يتخلصون…وكرامة وعدل…وقانون…ولا هم يَظلِمُون…ولا يُظلمُون…
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟