كنا بدأنا منذ أسبوع في نشر مذكرات الزميل الكبير عبد الكريم قطاطة التي وضع لها عنوان “ورقات يتيم” … غير أننا عند نشر أول حلقة على “جلنار” وقعنا على آخر ما خطه كرّومة وقد وصل مع قرائه على فايسبوك إلى العدد 80 … وكان أمرنا نشازا … فكيف يعقل أن نفتتح النشر بداية من منتصف المذكرات وربما من صفحاتها الأخيرة؟ … وهنا، وبإشارة ناصحة من الصحفي المحنّك، ارتأينا عدم امتطاء القطار وهو يسير، واخترنا العودة منذ المحطات الأولى كيلومترا كيلومترا و”أنڨارًا” أنڨارًا … عسى أن يكون ذلك احتراما لفضول من لم يقرأ … وإنعاشا لذاكرة من قرأ ...
ـ التحرير ـ
اليتم ليس فقط ان نفقد احد الوالدين او كليهما … اليتم ايضا ان نعيش الوجع ونحن نشاهد اوراق شجرة كم انتفعنا بثمارها واستظللنا بظلها …ان نشاهد اوراقها تتساقط الواحدة تلو الاخرى …
عبد الكريم قطاطة
اشياء بسيطة نمر بها على امتداد ايام حياتنا مر الكرام …الا اننا ومع تقدم العمر نوقن بعد فقدانها كم هي متجذرة فينا على بساطتها وكم نشتاق اليها دون جدوى لانها غادرتنا دون رجعة … الثابت ان لكل واحد منا ذكرياته مع دروب الحياة منذ نعومة اظافرنا … دروب قد تختلف من جيل الى جيل ولكنها ـ على الاقل بالنسبة لي ـ هي مزروعة في اعمق اعماقنا … ولانني اسير الواقعية في جل ما اكتب، استسمحكم ان اعود بكم الى واقعي منذ حللت ضيفا على صفحة هذه الحياة، يوم سبعة جويلية من سنة 49 حين كانت والدتي رحمها الله تقوم بشؤونها المنزلية اليومية، في (حوشنا) الذي يشترك في سكناه 3 اخوة …
كان الحال رمضان وكانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا عندما احست والدتي بوجع الولادة …في البداية لم تعبأ بالامر، الا انها اسرّت لاختها (زوجة عمي) بان الامور اصبحت جدية …واسرعت خالتي الى القابلة العربي لتحضرها حتى تساعد والدتي على وضعي … الا اني يبدو كنت غير مطمئن للقابلة العربي التي كم ذهبت من ام ضحية محدودية معرفتها او كم ذهب وليد من غادي لغادي، فاثرت النزول دون مساعدتها …وما ان وصلت حتى وجدت 2 كيلو ونصف من اللحم الآدمي على اقصى تقدير في انتظارها حتى تقطع الحبل السري …الذي ببدو انه لم ينقطع ابدا بيني وبين امي التي هي كل حياتي وانا كل حياتها …كيف لا وانا الابن الذكر الاول الذي يهل على عائلتي بعد ان دفنت ذكرين واجهضت ثلاثة …كانت الفرحة في العائلة لا توصف، انه المجتمع الذكوري ..
وكانت اختاي تراقبان الحدث بكثير من المشاعر المتلاطمة … فرح ..غيرة… خوف من الأتي … ولم تكونا مخطئتين في مخاوفهما على الاقل بالنسبة للاخت الكبرى …البكرية …لان مجيئي وظروف تنشأتي دفعت ضريبتها هي عندما اجبرها الوالد رحمه الله على المكوث في المنزل للاهتمام بي، مما حرمها نعمة الدراسة … نعم هكذا يتصرفون في المجتمع الذكوري …في نفس هذا المجتمع لم يكن هنالك انذاك تحديد النسل، فبورقيبة لم يهل بعد .. لذلك كانت امي رحمها الله كاغلب النساء من فصيلة الارانب …يدو في يد خوه … ومثل أولئك النساء كان يطلق عليهن صفة (غيالة) اي انها ما ان تخرج من الاربعين بعد الولادة حتى تجد نفسها حاملا .. خاصة ان جل الرجال انذاك قابلينها يالياطاش … جلهم بطالون والبطالة تعمل بعمايلها …والغيالة من سوء حظي ينقطع عنها در الحليب لرضيعها …
نعم نشات وانا رضيع على بيضة مسلوقة كل صباح وعلى شريحة تين مجفف امزمزها كامل اليوم … فحتى دقيق الحليب الامريكي (الهدية للشعب التونسي) لم يحل ركبه بعد … والغريب انه وفي مثل تلك الظروف وفي قلة ذات اليد قاومت ونشات … عمر الشاقي باقي … كان والدي اجيرا يوميا احيانا في °المرمة° واحيانا اخرى في °ماكينة الزيتون° (معصرة الزيت) وتارة في °المرادم° لصنع الفحم … وفي غالب الاشهر بطالا … امي كانت تقول عنه كسلان ولكن عندما كبرت وعرفته عن كثب ادركت انه سريع الغضب لاتفه الاسباب، مما سبب له علاقات متوترة مع اغلب الذين اشتغل معهم … لذلك كنا مصنفين ضمن العائلات المعوزة، فحتى حوشنا تتقاسمه عائلات ثلاث وساعود في مقال مقبل الى حيثيات هذا الحوش الرهيب وتفاصيله الاكثر رهبة …
في عائلتنا مثلا .لم نكن نملك من الفراش الا (بساط) وهو قطعة من القماش الداكن اللون حتى لا تظهر عليه مخلفات الاوساخ، محشو بقطع من القماش البالي … وهو للنوم اما الجلوس فهو اما على الحصير والاغلب على الحصيرة، وهي جزء بال من الحصير الذي يسدل عادة عند مجيء الضيوف …لم نكن نملك من ابسط ابجديات العيش الكريم الا القليل …فاللحم بالنسبة لنا هو مرادف لعيد الاضحى وفقط … والسمك نشتريه فقط عندما يصل بائعاه (الاخوان الشيتة وڨنبور هكذا كان يطلق على الاخوين عليلة في ساقية الدائر) أو عندما بجبران في الحقيقة في السادسة مساء على بيعه (بخ تف) لانهما لا يملكان ثلاجة لتصبيره الى الغد … فيتراوح ثمن كيلو الصبارص بين 5 و10 مليمات …
اما الغلال فنحن لا نحتاج لشرائها لسببين اولهما الفقر المدقع الذي تعيشه جل العائلات انذاك، وثانيهما ان قطعة الارض التي نمتلكها والتي لا تتجاوز مساحتها (المرجع) هي بالفعل مرجع لعديد الغلال … دلاع فقوس بطيخ لوز عوينة كرموس اجاص، دون نسيان شجر اللوز بانواعه (فخفاخ او مغزاز قسمطيني وزحاف) … نعم فما حاجتنا بسوق الغلال؟ ..وما يقال عن الغلال يقال عن الخضر، اذ تتربع امام الحوش (المطاير) لعائلات الاخوة الثلاثة، وفيها ما تشتهيه الانفس من كل انواع الخضر … معدنوس تابل بصل سلق فلفل… وويح لدجاج الجيران اذا عبر الحدود من فوهة (“فلة” صغيرة في الطابية التي بيننا وهو ماكان يطلق عليها اسم كعباشة) للسطو على ثروة خضرنا … الشيء الذي اجبر والدي على الفتك بالدجاجات المسكينات ذات مرة باستعمال دواء الفأر لابادتها …وشوية لا طاحت فيها الارواح ..غفر الله له ولجيراننا “دار بودوارة °…
اما عن يقية حاجياتنا العائلية في الماكل فكنا مثلا لا ناكل خبز المخابز الا في اليوم السابع والعشرين من رمضان… كنا نخرج لصلاة العصر ونقبع في صحن الجامع حيث يقوم الاثرياء بتوزيع الخبز على المعوزين … وهي فرصة لكافة افراد العائلة كي يصطفوا جميعا لنيل خبزتهم … وعلى ذكر خبز المخابز اتذكر جيدا ان والدي رحمه الله كان يخصص لي شهريا ربع خبزة بالطلوق من عند خباز ساقية الزيت (الفريخة رحمه الله) كهدية لي على نتائج امتحاناتي …الامتحانات في زمني كانت شهرية في التعليم الابتدائي… وبعد اربعة اشهر يدفع ابي ثمن الخبزة التي لم تكن امي رحمها الله راضية عن هذا التبذير … خاصة انني في نظرها لا استحق الهدية لاني لم اكن ‘محراثا’في دراستي بل وكانت تشتكيني دوما لمعلمي رحمه الله (سي البشير شراد) متذمرة من كثرة لعبي والذي كان يلاطفها ويقول لها دوما: سيبو يلعب لاياس عليه… وتعود عيادة الى منزلنا وفي قلبها غصة وتكتفي بالقول (كيف سيدي كي جوادو) …
اعود الى الخبز لاتم حكايتنا معه …كنا طوال السنة نتناول المبسوط والجرادڨ … الاول يعتبر (ليكس) لانه مصنوع من القمح وعادة ما يقدم للضيوف … والثاني مصنوع من الشعير وهو خبزنا في جل الاكلات …كنا ناكل ونبتلع ريقنا وعندما كبرنا قليلا كنا كثيرا ما نعلن عن غضبنا من هذا الجرادڨ والملثوث والمرقة الزورية (اي دون سمك) والحلالم والتشيش والزميت، اللي تمرجوا بيهم كبدتنا …يااااااااااااااااااه لمن عاصروني الا تحسون باليتم مثلي ونحن نفتقد لهذه الاشياء ؟؟؟؟؟ الان في زمن الملاوي والسندويتشات والاسكالوب ولحم الدند ولحم الدجاج الاصطناعي ولحم العلوش المستورد ولحم الحمار عند بعض الجزارين …ماذا تساوي هذا الاكلات امام “افّيّم تشيش” بالخضرة مزينا بقديد زمان ..؟؟؟؟ ماذا تساوي هذه الاكلات امام “افيم” حلالم مزدان بفلفل اخضر (من التقلية) رحمك الله يا جموسي … ماذا تساوي هذه الاكلات امام افيم بسباس حار ..؟؟؟
اعتذر لمن لا يعرف هذه الاكلات، لانو كل بلاد وارطالها … ولكن يمكن لكم ان تعوضوا ماذكرته من اكلات صفاقسية بما يضاهيها من اكلاتكم في ذلك الزمن ..؟؟؟ مرة اخرى ومثل هذه الاكلات تندثر شيئا فشيئا … وللامانة، البعض منها مازالت تجود بها على نخبي زوجتي او اختي التي تكبرني بعام وهي مختصة في الحلالم … بورك فيهما وفي امثالهما … اذن مرة اخرى ومثل هذه الاكلات تندثر من خواننا اليومي الا تحسون باليتم ..؟؟؟ اليست هي اوراق تساقطت من شجرة حياتنا فتركتنا يتامى …؟؟؟
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…