تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 1

نشرت

في

Coloriage Bébé #86595 (Personnages) – Dessin à colorier – Coloriages à  Imprimer

كنا بدأنا منذ أسبوع في نشر مذكرات الزميل الكبير عبد الكريم قطاطة التي وضع لها عنوان “ورقات يتيم” … غير أننا عند نشر أول حلقة على “جلنار” وقعنا على آخر ما خطه كرّومة وقد وصل مع قرائه على فايسبوك إلى العدد 80 … وكان أمرنا نشازا … فكيف يعقل أن نفتتح النشر بداية من منتصف المذكرات وربما من صفحاتها الأخيرة؟ … وهنا، وبإشارة ناصحة من الصحفي المحنّك، ارتأينا عدم امتطاء القطار وهو يسير، واخترنا العودة منذ المحطات الأولى كيلومترا كيلومترا و”أنڨارًا” أنڨارًا … عسى أن يكون ذلك احتراما لفضول من لم يقرأ … وإنعاشا لذاكرة من قرأ ...

ـ التحرير ـ

اليتم ليس فقط ان نفقد احد الوالدين او كليهما … اليتم ايضا ان نعيش الوجع ونحن نشاهد اوراق شجرة كم انتفعنا بثمارها واستظللنا بظلها …ان نشاهد اوراقها تتساقط الواحدة تلو الاخرى …

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

اشياء بسيطة نمر بها على امتداد ايام حياتنا مر الكرام …الا اننا ومع تقدم العمر نوقن بعد فقدانها كم هي متجذرة فينا على بساطتها وكم نشتاق اليها دون جدوى لانها غادرتنا دون رجعة … الثابت ان لكل واحد منا ذكرياته مع دروب الحياة منذ نعومة اظافرنا … دروب قد تختلف من جيل الى جيل ولكنها ـ على الاقل بالنسبة لي ـ هي مزروعة في اعمق اعماقنا … ولانني اسير الواقعية في جل ما اكتب، استسمحكم ان اعود بكم الى واقعي منذ حللت ضيفا على صفحة هذه الحياة، يوم سبعة جويلية من سنة 49 حين كانت والدتي رحمها الله تقوم بشؤونها المنزلية اليومية، في (حوشنا) الذي يشترك في سكناه 3 اخوة …

كان الحال رمضان وكانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا عندما احست والدتي بوجع الولادة …في البداية لم تعبأ بالامر، الا انها اسرّت لاختها (زوجة عمي) بان الامور اصبحت جدية …واسرعت خالتي الى القابلة العربي لتحضرها حتى تساعد والدتي على وضعي … الا اني يبدو كنت غير مطمئن للقابلة العربي التي كم ذهبت من ام ضحية محدودية معرفتها او كم ذهب وليد من غادي لغادي، فاثرت النزول دون مساعدتها …وما ان وصلت حتى وجدت 2 كيلو ونصف من اللحم الآدمي على اقصى تقدير في انتظارها حتى تقطع الحبل السري …الذي ببدو انه لم ينقطع ابدا بيني وبين امي التي هي كل حياتي وانا كل حياتها …كيف لا وانا الابن الذكر الاول الذي يهل على عائلتي بعد ان دفنت ذكرين واجهضت ثلاثة …كانت الفرحة في العائلة لا توصف، انه المجتمع الذكوري ..

وكانت اختاي تراقبان الحدث بكثير من المشاعر المتلاطمة … فرح ..غيرة… خوف من الأتي … ولم تكونا مخطئتين في مخاوفهما على الاقل بالنسبة للاخت الكبرى …البكرية …لان مجيئي وظروف تنشأتي دفعت ضريبتها هي عندما اجبرها الوالد رحمه الله على المكوث في المنزل للاهتمام بي، مما حرمها نعمة الدراسة … نعم هكذا يتصرفون في المجتمع الذكوري …في نفس هذا المجتمع لم يكن هنالك انذاك تحديد النسل، فبورقيبة لم يهل بعد .. لذلك كانت امي رحمها الله كاغلب النساء من فصيلة الارانب …يدو في يد خوه … ومثل أولئك النساء كان يطلق عليهن صفة (غيالة) اي انها ما ان تخرج من الاربعين بعد الولادة حتى تجد نفسها حاملا .. خاصة ان جل الرجال انذاك قابلينها يالياطاش … جلهم بطالون والبطالة تعمل بعمايلها …والغيالة من سوء حظي ينقطع عنها در الحليب لرضيعها …

نعم نشات وانا رضيع على بيضة مسلوقة كل صباح وعلى شريحة تين مجفف امزمزها كامل اليوم … فحتى دقيق الحليب الامريكي (الهدية للشعب التونسي) لم يحل ركبه بعد … والغريب انه وفي مثل تلك الظروف وفي قلة ذات اليد قاومت ونشات … عمر الشاقي باقي … كان والدي اجيرا يوميا احيانا في °المرمة° واحيانا اخرى في °ماكينة الزيتون° (معصرة الزيت) وتارة في °المرادم° لصنع الفحم … وفي غالب الاشهر بطالا … امي كانت تقول عنه كسلان ولكن عندما كبرت وعرفته عن كثب ادركت انه سريع الغضب لاتفه الاسباب، مما سبب له علاقات متوترة مع اغلب الذين اشتغل معهم … لذلك كنا مصنفين ضمن العائلات المعوزة، فحتى حوشنا تتقاسمه عائلات ثلاث وساعود في مقال مقبل الى حيثيات هذا الحوش الرهيب وتفاصيله الاكثر رهبة …

في عائلتنا مثلا .لم نكن نملك من الفراش الا (بساط) وهو قطعة من القماش الداكن اللون حتى لا تظهر عليه مخلفات الاوساخ، محشو بقطع من القماش البالي … وهو للنوم اما الجلوس فهو اما على الحصير والاغلب على الحصيرة، وهي جزء بال من الحصير الذي يسدل عادة عند مجيء الضيوف …لم نكن نملك من ابسط ابجديات العيش الكريم الا القليل …فاللحم بالنسبة لنا هو مرادف لعيد الاضحى وفقط … والسمك نشتريه فقط عندما يصل بائعاه (الاخوان الشيتة وڨنبور هكذا كان يطلق على الاخوين عليلة في ساقية الدائر) أو عندما بجبران في الحقيقة في السادسة مساء على بيعه (بخ تف) لانهما لا يملكان ثلاجة لتصبيره الى الغد … فيتراوح ثمن كيلو الصبارص بين 5 و10 مليمات …

اما الغلال فنحن لا نحتاج لشرائها لسببين اولهما الفقر المدقع الذي تعيشه جل العائلات انذاك، وثانيهما ان قطعة الارض التي نمتلكها والتي لا تتجاوز مساحتها (المرجع) هي بالفعل مرجع لعديد الغلال … دلاع فقوس بطيخ لوز عوينة كرموس اجاص، دون نسيان شجر اللوز بانواعه (فخفاخ او مغزاز قسمطيني وزحاف) … نعم فما حاجتنا بسوق الغلال؟ ..وما يقال عن الغلال يقال عن الخضر، اذ تتربع امام الحوش (المطاير) لعائلات الاخوة الثلاثة، وفيها ما تشتهيه الانفس من كل انواع الخضر … معدنوس تابل بصل سلق فلفل… وويح لدجاج الجيران اذا عبر الحدود من فوهة (“فلة” صغيرة في الطابية التي بيننا وهو ماكان يطلق عليها اسم كعباشة) للسطو على ثروة خضرنا … الشيء الذي اجبر والدي على الفتك بالدجاجات المسكينات ذات مرة باستعمال دواء الفأر لابادتها …وشوية لا طاحت فيها الارواح ..غفر الله له ولجيراننا “دار بودوارة °…

اما عن يقية حاجياتنا العائلية في الماكل فكنا مثلا لا ناكل خبز المخابز الا في اليوم السابع والعشرين من رمضان… كنا نخرج لصلاة العصر ونقبع في صحن الجامع حيث يقوم الاثرياء بتوزيع الخبز على المعوزين … وهي فرصة لكافة افراد العائلة كي يصطفوا جميعا لنيل خبزتهم … وعلى ذكر خبز المخابز اتذكر جيدا ان والدي رحمه الله كان يخصص لي شهريا ربع خبزة بالطلوق من عند خباز ساقية الزيت (الفريخة رحمه الله) كهدية لي على نتائج امتحاناتي …الامتحانات في زمني كانت شهرية في التعليم الابتدائي… وبعد اربعة اشهر يدفع ابي ثمن الخبزة التي لم تكن امي رحمها الله راضية عن هذا التبذير … خاصة انني في نظرها لا استحق الهدية لاني لم اكن ‘محراثا’في دراستي بل وكانت تشتكيني دوما لمعلمي رحمه الله (سي البشير شراد) متذمرة من كثرة لعبي والذي كان يلاطفها ويقول لها دوما: سيبو يلعب لاياس عليه… وتعود عيادة الى منزلنا وفي قلبها غصة وتكتفي بالقول (كيف سيدي كي جوادو) …

اعود الى الخبز لاتم حكايتنا معه …كنا طوال السنة نتناول المبسوط والجرادڨ … الاول يعتبر (ليكس) لانه مصنوع من القمح وعادة ما يقدم للضيوف … والثاني مصنوع من الشعير وهو خبزنا في جل الاكلات …كنا ناكل ونبتلع ريقنا وعندما كبرنا قليلا كنا كثيرا ما نعلن عن غضبنا من هذا الجرادڨ والملثوث والمرقة الزورية (اي دون سمك) والحلالم والتشيش والزميت، اللي تمرجوا بيهم كبدتنا …يااااااااااااااااااه لمن عاصروني الا تحسون باليتم مثلي ونحن نفتقد لهذه الاشياء ؟؟؟؟؟ الان في زمن الملاوي والسندويتشات والاسكالوب ولحم الدند ولحم الدجاج الاصطناعي ولحم العلوش المستورد ولحم الحمار عند بعض الجزارين …ماذا تساوي هذا الاكلات امام “افّيّم تشيش” بالخضرة مزينا بقديد زمان ..؟؟؟؟ ماذا تساوي هذه الاكلات امام “افيم” حلالم مزدان بفلفل اخضر (من التقلية) رحمك الله يا جموسي … ماذا تساوي هذه الاكلات امام افيم بسباس حار ..؟؟؟

اعتذر لمن لا يعرف هذه الاكلات، لانو كل بلاد وارطالها … ولكن يمكن لكم ان تعوضوا ماذكرته من اكلات صفاقسية بما يضاهيها من اكلاتكم في ذلك الزمن ..؟؟؟ مرة اخرى ومثل هذه الاكلات تندثر شيئا فشيئا … وللامانة، البعض منها مازالت تجود بها على نخبي زوجتي او اختي التي تكبرني بعام وهي مختصة في الحلالم … بورك فيهما وفي امثالهما … اذن مرة اخرى ومثل هذه الاكلات تندثر من خواننا اليومي الا تحسون باليتم ..؟؟؟ اليست هي اوراق تساقطت من شجرة حياتنا فتركتنا يتامى …؟؟؟

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار