قبل الدخول الى مرحلة التعليم الثانوي لابد ان اعود لمرحلة الطفولة لتدوين بعض لوحاتها المتبقية والتي كانت لها تأثيرات جلية على جل مراحل حياتي …
ذكرت لكم في ورقات سابقة كلمة (الحوش) والتي لابد من الوقوف على تفاصيلها وخاصياتها …اولا هي لا تعني المنزل عموما ـ بمفهوم الاخوة اللبيين ـ بل الحوش عندنا في صفاقس منزل في الغابة يحتوي على عدة غرف ومرحاض وبئر وماجل ووسط دار عادة ما يكون رمليا على عكس البرج الذي يعتبر مقارنة بالحوش ـ معماريا ورفاهة ـ اضخم وارقى …حوشنا كانت تقطن به عائلات 3 اخوة رحمهم الله …عمي الاكبر وله ولد وثلاث بنات …عمي الاوسط وهو لم ينجب اطفالا …وابي وهو الاصغر وله ولدان وثلاث بنات …اذن كان عدد متساكني الحوش 15 فردا …كل رب بيت كانت له بيته الخاصة ومتران امام بيته هي بمثابة شاطئ بحره صيفا …ثم بيت رابعة مشتركة للعموم متعددة المواهب فهي احيانا مطبخ واحيانا اخرى بيت استحمام، مرة واحدة في الاسبوع وعادة ما تكون كل يوم احد نهارا رهيبا …
كنا نحن الاطفال نكره الاستحمام …البيت ظلام حالك …والماء يقع تسخينه على قشور اللوز …. ودخانها يعمي الاعين… وام تنهال على “حريفها” بالكاسة الحرشاء تفرك له لحمه وبالنسبة لي عظامي ….وهي لا تفتأ تردد … تقولشي خدام متاع مرادم … ملا سحاق ….ولكنها تعود الى حنيتها عندما تصل الى الكعبين اللذين عادة ما يكونا مدمدمتين بالجراح الناتجة اما عن اللعب او عن “عقاب صندال” ادماهما بقفلته الحديدية التي علاها الصدأ …لذلك كان كل يوم احد مساء يوما مسعورا في بيت الاستحمام الا انها تتحول الى جنة بالبقلاوة (وهذه قل ما نعرفها في اعيادنا) ..تتحول الى مسبح في الصيف حيث نملأ الجفان ماء ونسبح فيها في غياب البحر وتفاديا للهيب الصيف …
هذه هي المهمة الرئيسية للبيت المشتركة علاوة على تخزين بعض المواعين الكبرى كجفان الصابون ونحائس الطبخ (جمع نحاسة) وشكاير اللوز الجاف التي كان اصحاب مالكي اللوز يجلبونها لنا لتكسيره واستخراج بذوره بسعر 100 مليم الواحدة، وهو مايقابل مليما واحدا عن كل غرام ….علما بان افضلنا لا يتمكن من تكسير اكثر منشكارة واحدة خلال يومين، وجهد بوه وامو وكل عرشو طالع …من كنوز الحوش ايضا يتوسد في ركن من اركانه وكيل خدمات من نوع آخر …ابدا ان يستغني الواحد منا عن تلك الخدمات … نعم انه هو المرحاض الجماعي … انه مرحاض يعظم طابوره كل صباح وترى امي او خالتي (زوجة عمي الاكبر) تسيرا ن حركة المرور بين الاطفال منا والصبايا وكثيرا ما يطلب منا قبل الدخول لـ “لاباندا” وهي الكلمة الايطالية الاصل التي كانوا يطلقونها على جورة المياه، كثيرا ما يطلب منا نوعية “التأشيرة” (“عملة” كبيرة والا عملة صغيرة) حتى يقع تبجيل اصحاب العملة الصغيرة (التبول) وتمكينهم من اولوية الدخول لقضاء حوائجهم …
اما عن تفاصيل الحالة المزرية لواقع النظافة فيه فارجوكم رأفة بي وخاصة بكم اعفوني من تفاصيل لا اظنها تغيب عنكم …تذكروا فقط ان عسكان الحوش ـ اي زائريه ـ صباحا مساء ويوم الاحد عددهم 15 .. لا تسالوني مالونه المرحاض حبيبي اخشى عليكم ضوعة الدروب … في نفس جغرافيا المرحاض وعلى بعد متر ونصف منه يجلس صامدا رابضا حضرة البئر …كنا في غنى عن السوناد وعن انقطاع الماء وعن فواتيرها الباهظة التي يخيل لنا احيانا بأننا نسقي يوميا سانية الباي … فوق جرارة البئر تقبع ثلاثة حبال مربوطة في آخرها بسطل، وويحه من يستعمل سطل الآخر …__يشوم نهارو …. في ركن آخر من الحوش يجلس القرفصاء الماجل …وكالعادة ثلاثة حبال مرتبطة بركوة، وهي وعاء اسطواني لملء الماء الحلو (نتاج المطر) والذي نستغني به ايضا عن الفريجيدير والغلاسيير، لانه مبرد خلقي صيفا ودافئ الحرارة شتاء …
وسط الحوش وهو رملي كما ذكرت تقتسم فيه العائلات الثلاث يوميا كنس الجزء القريب من مملكتها، وطبعا آلة الكنس عرجون من عراجين النخل، اضافة الى رشه صيفا بماء البئر لتبريده . اما امام الحوش فتنتشر المطائر (جمع مطيرة)وهي قطعة صغيرة من حديقة الحوش، وما حاجتنا انذاك بالحدائق ؟؟؟؟ حتى النوار انذاك (نوار عشية) كان يهجم على ضفاف مجاري ييت الاغتسال ليغتصب المكان دون اذننا ولكن دون رعايتنا ايضا، منو فيه زيتو يقليه … اعود للمطاير التي هي ايضا مقسمة بعدالة على العائلات الثلاث لتجد فيها كل الخضروات دون استثناء، اكتفاء ذاتي ولا علاقة لنا بسوق الخضر …
قبل ان ارحل بكم الى الجنان، وهي قطعة ارض نصيب كل واحد من متسكانيه زهاء مرجع، لابد من تفاصيل معمارية عن بيت كل عائلة في الحوش وعن محتوياتها وكيفية استغلالها …البيت لدى كل عائلة هي عالمها الخاص … في البيت فقط يستطيع سكانه ممارسة اكلهم دون رقيب والحديث (همسا طبعا) عن مشاريع العائلة وعن الخصومات التي حدثت وعن الهمز واللمز …البيت لا تزيد مساحتها عن مترين ونصف مربع هي في نفس الوقت بيت استقبال وبيت اكل وبيت جلوس وبيت نوم ….الاب وزوجته لهما بيت سرير او سدة (جزء من البيت عال نسبيا عن البيت الكبير ومسجى بـ “قطاعة” أي جزء من القماش يغطي مدخله … وتحته بالضبط دهليز يسمى “تحت السرير” … انه بيت المونة من زيت و كسكسي ومحمص وملثوث وغيره من المواد الغذائية ومن الفلافل ومن ماعون الطبخ والاكل ولبعض المترفهين نسبيا (الخروب والشريح )…
ومن الاشياء التي اتذكرها جيدا اننا بعد عيد الاضحى كان من جملة كنوز الدهليز، القديد، لحم الخروف المجفف والمملح …وذات يوم راودني ابن عمي على سرقة بعض العصبانات وجلبها لنستمتع بها معا بعيدا عن الاعين …واطعته في الامر ، ولكن … قللو تعرفشي تسرق قللو نعرف قللو تعرفشي تخبي .؟؟؟؟ هذي فيها وعليها …غافلت الوالدة وهي عادة وعلى حد تعبير درويش عين تنام لتصحو عين …وحملت عصبانتين في جيب سروالي …وتسللت ـ تحت حس مس ـ لاذهب بالغنيمة الى طابية من طوابي الجنان حيث الدماغ المفكر (ابن عمي) ينتظر شطارتي ونجاحي في الاختبار و كجل الادمغة المفكرة التي عادة ما “تبيع القرد وتضحك على اللي شاريه”، لم يدر بخلدي انذاك ان اسأله لماذا لا تأتي انت بـ “عصيبنة” من عصبانكم ؟؟؟… لماذا تشجعني على السرقة من خيراتنا وتتجاهل خيراتكم ؟؟؟ تماما كاولائك الانتحاريين البلهاء الذين يذهبون لتدمير البشر وتدمير انفسهم طمعا في الجنة وحورالعين … ولم يسألوا يوما الادمغة المكفرة والمفكرة سؤالا واحدا كم هو بسيط ومُجد ويتمثل في …لماذا لا تشتركون معنا او لاترسلون ابناءكم ليشتركوا معنا في العمليات الانتحارية …؟؟؟ الا تريدون الجنة وحور العين ؟؟؟؟…
براف … ابن عمي هذا التهم العصبانة التهاما وكان في نيته ان نعيد الكرة متى سنحت الفرصة ….وكما يفعل القط وهو يمسح شلغومه بعد اتيانه على ما كتب له يومها من مأكل …(قلت قطا ولم اقل اسدا لان المقارنة جسديا وحتى لقبيا هي اقرب للقط منها للاسد) …. اذن مسحت ما علق بفمي من آثار الدهان ـ زيت القديد المجمد ـ ووضعت يدي في جيبي حتى اتمكن من غسلهما في الحوش خوفا من ان تتفطن امي لرائحتهما ….وما ان ولجت باب الحوش حتى لمحت امي جغرافيا “جزيرة” … انها بقايا زيت القديد على صفحة جيبي الخارجية ….وعينك ما ترى إلا النووووووووووور …
قداش توحشتك يا عيادة حتى وانت مزمجرة ترعدين وتزبدين …انا يتيم …
من خصائص الحوش ايضا ان وسائل الانارة فيه بدائية للغاية …ڨازة للمترفهين …كربيلة للمعوزين وفي افضل الحانات فنار، ذلك الذي يستعمله اصحاب العربات المجرورة بالحمير او البغال …اما البيرميس (وهو فنار بورجوازي) فكنا نراه احيانا فقط عندما نذهب الى سيدي منصور صيفا لقضاء بعض الايام على شاطئه ….احكِ توة مع الستاغ وفواتيرها …. ومن يدري قد تكون احتفالات صفاقس كعاصمة للثقافة العربية نجد بعض شظايا ستاغها في الفواتير القادمة ….ومن اثاث البيت: المارو والطاقة والمرفع … وهي اما مبنية داخل حائط البيت (المارو والطاقة) وهذه الاخيرة مارو دون ابواب …. اما المرفع فهو معلق على الجدران وكل واحد منها له خاصياته في الاحتفاظ بادوات منزلية للاستعمال اليومي او لادوات دراسية من كتب وكراسات واقلام …
في بيت كل واحد من العائلات يستقل الاب والام بسدتهما صيفا وشتاء بينما ينام البقية (اناثا وذكورا) وسط البيت …في الصيف تكون العملية ابسط… فبعد سهرة في وسط الحوش للعائلات الثلاث ونحن نتصيد العقارب التي كانت تؤنسنا وتتعسنا بشكل يكاد يكون يوميا، ينتحي كل واحد منا ركنا من اركان البيت ـ دون غطاء ـ ولا تسالوا عن البق والقمل والنمل بانواعه والصراصير والناموس . مع زيارات خاطفة للعقارب … تصوروا كان لي اخ يدعى محمد الاعمى هكذا يقولون عنه لانه اصيب بالعمى منذ اشهره الاولى ومات بعد سنة من ولادته .. اخي هذا كانت والدتي تجد تحت وسادته كل صباح من اسبوع ولادته عقربا سوداء …وكانت هي وخالتي يقتلونها بعد البسملة ويقولون لنا عنها (هذه عقرب مرسولة)… من هو المرسل ولماذا اخي هو المرسل اليه ؟؟؟؟ كنا نبتلع الاجابة دون ان نستوعب شيئا ودون ان نلح على تفسير يشفي دهشتنا …
هذا صيفا … اما شتاء فنتدفأ جميعا بـطرف جماعي يسدل عليه مرڨوم ثقيل حتى نشعر بالدفء … كنا في اصطفافنا وفي تراصنا وتلاحمنا تماما كجثمان الاموات في “المورغ”….. نعم كنا امواتا اشبه باحياء …وتحتنا بساط لكل واحد منا …وهو عبارة عن كيس محشو ببقايا بقايا الملابس البالية … نحن نمتلك جلود الخرفان نعم ولكنها هي تنعم بالسبات العميق حتى يأتي دورها … جلود الخرفان هي للضيوف وخاصة في المناسبات العيدية … الاعياد كانت بحق اعيادا ..ياااااااااااااااااااااااااه كم كانت جميلة اعيادنا …. وكم احس بيتم عميق تجاهها صدقا احس بتعب شديد وانا استحضرها …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟