تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم …الورقة رقم 4

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

قبل الدخول الى مرحلة التعليم الثانوي لابد ان اعود لمرحلة الطفولة لتدوين بعض لوحاتها المتبقية والتي كانت لها تأثيرات جلية على جل مراحل حياتي …

عبد الكريم قطاطة

ذكرت لكم في ورقات سابقة كلمة (الحوش) والتي لابد من الوقوف على تفاصيلها وخاصياتها …اولا هي لا تعني المنزل عموما ـ بمفهوم الاخوة اللبيين ـ بل الحوش عندنا في صفاقس منزل في الغابة يحتوي على عدة غرف ومرحاض وبئر وماجل ووسط دار عادة ما يكون رمليا على عكس البرج الذي يعتبر مقارنة بالحوش ـ معماريا ورفاهة ـ اضخم وارقى …حوشنا كانت تقطن به عائلات 3 اخوة رحمهم الله …عمي الاكبر وله ولد وثلاث بنات …عمي الاوسط وهو لم ينجب اطفالا …وابي وهو الاصغر وله ولدان وثلاث بنات …اذن كان عدد متساكني الحوش 15 فردا …كل رب بيت كانت له بيته الخاصة ومتران امام بيته هي بمثابة شاطئ بحره صيفا …ثم بيت رابعة مشتركة للعموم متعددة المواهب فهي احيانا مطبخ واحيانا اخرى بيت استحمام، مرة واحدة في الاسبوع وعادة ما تكون كل يوم احد نهارا رهيبا …

كنا نحن الاطفال نكره الاستحمام …البيت ظلام حالك …والماء يقع تسخينه على قشور اللوز …. ودخانها يعمي الاعين… وام تنهال على “حريفها” بالكاسة الحرشاء تفرك له لحمه وبالنسبة لي عظامي ….وهي لا تفتأ تردد … تقولشي خدام متاع مرادم … ملا سحاق ….ولكنها تعود الى حنيتها عندما تصل الى الكعبين اللذين عادة ما يكونا مدمدمتين بالجراح الناتجة اما عن اللعب او عن “عقاب صندال” ادماهما بقفلته الحديدية التي علاها الصدأ …لذلك كان كل يوم احد مساء يوما مسعورا في بيت الاستحمام الا انها تتحول الى جنة بالبقلاوة (وهذه قل ما نعرفها في اعيادنا) ..تتحول الى مسبح في الصيف حيث نملأ الجفان ماء ونسبح فيها في غياب البحر وتفاديا للهيب الصيف …

هذه هي المهمة الرئيسية للبيت المشتركة علاوة على تخزين بعض المواعين الكبرى كجفان الصابون ونحائس الطبخ (جمع نحاسة) وشكاير اللوز الجاف التي كان اصحاب مالكي اللوز يجلبونها لنا لتكسيره واستخراج بذوره بسعر 100 مليم الواحدة، وهو مايقابل مليما واحدا عن كل غرام ….علما بان افضلنا لا يتمكن من تكسير اكثر منشكارة واحدة خلال يومين، وجهد بوه وامو وكل عرشو طالع …من كنوز الحوش ايضا يتوسد في ركن من اركانه وكيل خدمات من نوع آخر …ابدا ان يستغني الواحد منا عن تلك الخدمات … نعم انه هو المرحاض الجماعي … انه مرحاض يعظم طابوره كل صباح وترى امي او خالتي (زوجة عمي الاكبر) تسيرا ن حركة المرور بين الاطفال منا والصبايا وكثيرا ما يطلب منا قبل الدخول لـ “لاباندا” وهي الكلمة الايطالية الاصل التي كانوا يطلقونها على جورة المياه، كثيرا ما يطلب منا نوعية “التأشيرة” (“عملة” كبيرة والا عملة صغيرة) حتى يقع تبجيل اصحاب العملة الصغيرة (التبول) وتمكينهم من اولوية الدخول لقضاء حوائجهم …

اما عن تفاصيل الحالة المزرية لواقع النظافة فيه فارجوكم رأفة بي وخاصة بكم اعفوني من تفاصيل لا اظنها تغيب عنكم …تذكروا فقط ان عسكان الحوش ـ اي زائريه ـ صباحا مساء ويوم الاحد عددهم 15 .. لا تسالوني مالونه المرحاض حبيبي اخشى عليكم ضوعة الدروب … في نفس جغرافيا المرحاض وعلى بعد متر ونصف منه يجلس صامدا رابضا حضرة البئر …كنا في غنى عن السوناد وعن انقطاع الماء وعن فواتيرها الباهظة التي يخيل لنا احيانا بأننا نسقي يوميا سانية الباي … فوق جرارة البئر تقبع ثلاثة حبال مربوطة في آخرها بسطل، وويحه من يستعمل سطل الآخر …__يشوم نهارو …. في ركن آخر من الحوش يجلس القرفصاء الماجل …وكالعادة ثلاثة حبال مرتبطة بركوة، وهي وعاء اسطواني لملء الماء الحلو (نتاج المطر) والذي نستغني به ايضا عن الفريجيدير والغلاسيير، لانه مبرد خلقي صيفا ودافئ الحرارة شتاء …

وسط الحوش وهو رملي كما ذكرت تقتسم فيه العائلات الثلاث يوميا كنس الجزء القريب من مملكتها، وطبعا آلة الكنس عرجون من عراجين النخل، اضافة الى رشه صيفا بماء البئر لتبريده . اما امام الحوش فتنتشر المطائر (جمع مطيرة)وهي قطعة صغيرة من حديقة الحوش، وما حاجتنا انذاك بالحدائق ؟؟؟؟ حتى النوار انذاك (نوار عشية) كان يهجم على ضفاف مجاري ييت الاغتسال ليغتصب المكان دون اذننا ولكن دون رعايتنا ايضا، منو فيه زيتو يقليه … اعود للمطاير التي هي ايضا مقسمة بعدالة على العائلات الثلاث لتجد فيها كل الخضروات دون استثناء، اكتفاء ذاتي ولا علاقة لنا بسوق الخضر …

قبل ان ارحل بكم الى الجنان، وهي قطعة ارض نصيب كل واحد من متسكانيه زهاء مرجع، لابد من تفاصيل معمارية عن بيت كل عائلة في الحوش وعن محتوياتها وكيفية استغلالها …البيت لدى كل عائلة هي عالمها الخاص … في البيت فقط يستطيع سكانه ممارسة اكلهم دون رقيب والحديث (همسا طبعا) عن مشاريع العائلة وعن الخصومات التي حدثت وعن الهمز واللمز …البيت لا تزيد مساحتها عن مترين ونصف مربع هي في نفس الوقت بيت استقبال وبيت اكل وبيت جلوس وبيت نوم ….الاب وزوجته لهما بيت سرير او سدة (جزء من البيت عال نسبيا عن البيت الكبير ومسجى بـ “قطاعة” أي جزء من القماش يغطي مدخله … وتحته بالضبط دهليز يسمى “تحت السرير” … انه بيت المونة من زيت و كسكسي ومحمص وملثوث وغيره من المواد الغذائية ومن الفلافل ومن ماعون الطبخ والاكل ولبعض المترفهين نسبيا (الخروب والشريح )…

ومن الاشياء التي اتذكرها جيدا اننا بعد عيد الاضحى كان من جملة كنوز الدهليز، القديد، لحم الخروف المجفف والمملح …وذات يوم راودني ابن عمي على سرقة بعض العصبانات وجلبها لنستمتع بها معا بعيدا عن الاعين …واطعته في الامر ، ولكن … قللو تعرفشي تسرق قللو نعرف قللو تعرفشي تخبي .؟؟؟؟ هذي فيها وعليها …غافلت الوالدة وهي عادة وعلى حد تعبير درويش عين تنام لتصحو عين …وحملت عصبانتين في جيب سروالي …وتسللت ـ تحت حس مس ـ لاذهب بالغنيمة الى طابية من طوابي الجنان حيث الدماغ المفكر (ابن عمي) ينتظر شطارتي ونجاحي في الاختبار و كجل الادمغة المفكرة التي عادة ما “تبيع القرد وتضحك على اللي شاريه”، لم يدر بخلدي انذاك ان اسأله لماذا لا تأتي انت بـ “عصيبنة” من عصبانكم ؟؟؟… لماذا تشجعني على السرقة من خيراتنا وتتجاهل خيراتكم ؟؟؟ تماما كاولائك الانتحاريين البلهاء الذين يذهبون لتدمير البشر وتدمير انفسهم طمعا في الجنة وحورالعين … ولم يسألوا يوما الادمغة المكفرة والمفكرة سؤالا واحدا كم هو بسيط ومُجد ويتمثل في …لماذا لا تشتركون معنا او لاترسلون ابناءكم ليشتركوا معنا في العمليات الانتحارية …؟؟؟ الا تريدون الجنة وحور العين ؟؟؟؟…

براف … ابن عمي هذا التهم العصبانة التهاما وكان في نيته ان نعيد الكرة متى سنحت الفرصة ….وكما يفعل القط وهو يمسح شلغومه بعد اتيانه على ما كتب له يومها من مأكل …(قلت قطا ولم اقل اسدا لان المقارنة جسديا وحتى لقبيا هي اقرب للقط منها للاسد) …. اذن مسحت ما علق بفمي من آثار الدهان ـ زيت القديد المجمد ـ ووضعت يدي في جيبي حتى اتمكن من غسلهما في الحوش خوفا من ان تتفطن امي لرائحتهما ….وما ان ولجت باب الحوش حتى لمحت امي جغرافيا “جزيرة” … انها بقايا زيت القديد على صفحة جيبي الخارجية ….وعينك ما ترى إلا النووووووووووور …

قداش توحشتك يا عيادة حتى وانت مزمجرة ترعدين وتزبدين …انا يتيم …

من خصائص الحوش ايضا ان وسائل الانارة فيه بدائية للغاية …ڨازة للمترفهين …كربيلة للمعوزين وفي افضل الحانات فنار، ذلك الذي يستعمله اصحاب العربات المجرورة بالحمير او البغال …اما البيرميس (وهو فنار بورجوازي) فكنا نراه احيانا فقط عندما نذهب الى سيدي منصور صيفا لقضاء بعض الايام على شاطئه ….احكِ توة مع الستاغ وفواتيرها …. ومن يدري قد تكون احتفالات صفاقس كعاصمة للثقافة العربية نجد بعض شظايا ستاغها في الفواتير القادمة ….ومن اثاث البيت: المارو والطاقة والمرفع … وهي اما مبنية داخل حائط البيت (المارو والطاقة) وهذه الاخيرة مارو دون ابواب …. اما المرفع فهو معلق على الجدران وكل واحد منها له خاصياته في الاحتفاظ بادوات منزلية للاستعمال اليومي او لادوات دراسية من كتب وكراسات واقلام …

في بيت كل واحد من العائلات يستقل الاب والام بسدتهما صيفا وشتاء بينما ينام البقية (اناثا وذكورا) وسط البيت …في الصيف تكون العملية ابسط… فبعد سهرة في وسط الحوش للعائلات الثلاث ونحن نتصيد العقارب التي كانت تؤنسنا وتتعسنا بشكل يكاد يكون يوميا، ينتحي كل واحد منا ركنا من اركان البيت ـ دون غطاء ـ ولا تسالوا عن البق والقمل والنمل بانواعه والصراصير والناموس . مع زيارات خاطفة للعقارب … تصوروا كان لي اخ يدعى محمد الاعمى هكذا يقولون عنه لانه اصيب بالعمى منذ اشهره الاولى ومات بعد سنة من ولادته .. اخي هذا كانت والدتي تجد تحت وسادته كل صباح من اسبوع ولادته عقربا سوداء …وكانت هي وخالتي يقتلونها بعد البسملة ويقولون لنا عنها (هذه عقرب مرسولة)… من هو المرسل ولماذا اخي هو المرسل اليه ؟؟؟؟ كنا نبتلع الاجابة دون ان نستوعب شيئا ودون ان نلح على تفسير يشفي دهشتنا …

هذا صيفا … اما شتاء فنتدفأ جميعا بـطرف جماعي يسدل عليه مرڨوم ثقيل حتى نشعر بالدفء … كنا في اصطفافنا وفي تراصنا وتلاحمنا تماما كجثمان الاموات في “المورغ”….. نعم كنا امواتا اشبه باحياء …وتحتنا بساط لكل واحد منا …وهو عبارة عن كيس محشو ببقايا بقايا الملابس البالية … نحن نمتلك جلود الخرفان نعم ولكنها هي تنعم بالسبات العميق حتى يأتي دورها … جلود الخرفان هي للضيوف وخاصة في المناسبات العيدية … الاعياد كانت بحق اعيادا ..ياااااااااااااااااااااااااه كم كانت جميلة اعيادنا …. وكم احس بيتم عميق تجاهها صدقا احس بتعب شديد وانا استحضرها …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار