في اليوم الاول من عودتي للدراسة بمعهد الحي، احسست بأنني لست ذلك التلميذ الذي هجر مدرسته بعد نكسة الجزء الاول من الباكالوريا ..احسست بأني تلميذ ليس كسائر التلاميذ …محفظتي تغيّرت ..ملابسي تغيّرت ..هيأتي تغيّرت …
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>
كانت شخصيّة المربّي بادية على سلوكي .. زملائي في الدراسة الجدد كانوا يتساءلون .._اشكونو هذا اللي ضاربو في روحو؟؟ … و عندما تجاذبت الحديث مع احدهم (رفيق مغيّث) وهو تلميذ مشاكس جدا وكان الاكثر جرأة وهو يستشف اخبار هذا القادم الجديد (اللي عامل فيها برانس وانيق وهازز خشمو على الجميع)… وقتها عرف اني كنت معلّما في السنة المنقضية واني عدت الى معهديلمواصلة الدراسة، ايمانا منّي بأن دربي وطموحاتي ما اردتها ان تقف عند ذلك السقف ..رفيق هذا وهو الذي يعيش حاليا في اوروبا .._بعد ان فعلت المستحيل لمعرفة اخباره وعلمت انه في بحبوحة العيش، ردّ على طراطيش معلوماتي الاولى التي افدته بها بالقول: جوّ السنا ..نتصوّر انّك من الرعيل الاول في الحي وماشي تفيدنا بخبرتك …
كان يقولها بشيء من السخرية اللطيفة ..فكان منّي وقتها ان ابتسمت ابتسامة لا تقل سخرية عن سخريته وقلت: “يعمل الله”… فعاد رفيق ليستدرك: ما تتغشش منّي والله ارتحتلك وحبّيت انفدلك معاك… فاجبت: ولا يهمّك انت ما تعرفنيش ._ وكعادته ردّ بابتسامته: انا نحسّ بيك وحيّد …_ رفيق هذا “ما يبلش الفولة في فمّو”… وانتشر خبر الوافد الجديد عبدالكريم المعلّم في وسطي الدراسي ..ووصل صيته حتى لدئ اساتذتي الذين والحق يقال عاملوني بشيء من اللطف وهم مدركون اني مررت بتجربة التدريس ..اساتذتي عموما في سنة الباكالوريا وباستثناء سي محسن الحبيب استاذ العربية ومستر فيرس استاذ الانكليزية (استاذ في قمة الجمال والاناقة والكفاءة بلجيكي متعاون)… الباقون كانوا جددا ..
والغريب انه ورغم ابتعادي عن معهدي لسنة واحدة فقط وجدتُني مع مجموعة هامة من الاسماء الجديدة… من المدرسين: مادموازال “بوسناك” وصدقوني اسمها ولقبها يجسدان تماما جمالها ..خاصة وهي ترتدي بشكل دائم “الميني جيب” الذي هو اقرب للميكرو جيب … وكأنها تستنهض همم التلاميذ نحو علم آخر وفنون اخرى (واحنا صغيّرين وما نعرفش الحاجات دي) … وكنا نحسد ونحسد ونحسد مسيو بلان استاذ الفرنسية الذي كان (مشلّق على روحو برشة) في التعاطي معها .كزميلة وكمربّية “حنيّنة آوي آوي آوي” ..
من ضمن الاساتذة الجدد كذلك الاستاذ توفيق بن عياد في مادة العلوم الطبيعية (رحمه الله)… كان “مهفّ” نظرته ردود افعاله .. في حصّة من حصص العلوم حول الهضم الاصطناعي حيث يختلط ما ناكله باللعاب فتبدا عملية تفاعل المادتين … علّق عليه احد التلاميذ (المعلول) والذي لم يكن معلولا في ضماره على عكس البعض الذي يولد معلولا وينتهي معلولا …. علّق سي المعلول على تفاعل اللعاب مع الاكل بقوله ..سي التوفيق اذا كان الآكل امرأة ما نجموش نقولو لعاب ..سي التوفيق المهفّ فهم مقصده ولكنّه استعبط و ردّ عليه: .اش نقولولو يا معلول ..؟؟ فاجاب ابن الآداب الذي لم يكمل دراسته في الاداب بل اصبح اطارا عاليا في الداخلية وللمعلولين فيما يختارون مذاهب (واحد في الداخلية والاخر في الاهلي وآخرون لم يعرفوا يوما ولن يعرفوا مذاهب في حياتهم) ..اجاب معلول السادسة آداب: نسمّيه رضابا سي التوفيق… انفجر القسم ضحكا وضجيجا ..وابتسم سي التوفيق وقال: صحيتك يا بليد عاملّي فيها ضامر .؟؟ وواصل زميلنا المعلول بلادته السمحة وردّ: علاش سي التوفيق ما عجبتكش ..؟؟؟ ضحك سي التوفيق وردّ: .كيف وجهك ..ولم يكتف معلولنا بمشاكسته واضاف: “سافا” …معناها سمحة ، وبابتسامة رضاء على ضمارو ..ختم سي التوفيق الاستراحة بـ”نرجعو نقراو” ..وعدنا الى درس الهضم الاصطناعي ..
هذه التفاصيل التي سردتها هي بالنسبة لي مدخل لعلاقة تلاميذ الباكالوريا انذاك مع اساتذتهم ..كنّا فعلا اصدقاء وجدّا و لكن كنّا منضبطين وجدّا ايضا … فمع الاستاذ محمد صالح الهرماسي وهو اكثر الاساتذة المؤثرين ايديولوجيا على تلك المشتلة من التلاميذ .. هو مشرقي التكوين كفء وبدرجة مبهرة …لم يستعمل يوما مذكّرات ليعود اليها …يساري المنحى .. كنا في حصص التاريخ والجغرافيا كتلاميذ الكتّاب ..تركيز كلّي ..صمت مطبق ..ومتعة ونحن نستمتع بكل ما يقدّمه لنا ..هذا داخل القسم …خارجه كان صديقا للعديد وبكل تفاصيل الصداقة ..هو يحتسي مع البعض منّا ما لذ وطاب وانعش من بنات واخوات وامهات العنبة ..وهو لا يجد احراجا في طلب “سجيرة” كما ينطقها هو عندما لا يجد في جرابه سيجارة واحدة، خاصة في اخر الشهر … وهو مغرم لحد النخاع الشوكي والبصلة الشوكية والمخيّخ بالسيدة ام كلثوم ..وكنت انا مدير اعماله والاصح خادم اعماله في دنيا الست ….كان يطلب منّي ان اقدّم له كلمات الست في اغنيتها الجديدة وهي تقدّم حفلتها الشهرية .. وانا الذي لم افلت ايّة حفلة كلثومية ..وذلك المصري المغرم الولهان ينبعث صوته الشهي من حشاشة اوردته الدموية بعد كل مقطع °(عظمة على عظمة على عظمة )…
اتذكّر جيدا ان آخر اغنية دوّنت كلماتها لاستاذي الهرماسي كانت اقبل الليل … لاحمد رامي كلمة ورياض السنباطي لحنا .. اقبل الليل وناداني حنيني يا حبيبي … عندما قرأها استاذي الهرماسي .. ووصل الى “يا بعيد الدار عن عيني ومن قلبي قريبا ..كم اناديك باشواقي ولا القى مجيبا” ..نظر اليّ وقال: اشنوة تحبّني نسكر على الصباح ..؟؟ وواصل التهام رائعة الست حتى قرأ خاتمتها “يا هدى الحيران في ليل الضنى ..قد غدوت الان ادري من انا ..كنت وحدي بين اوهامي واطياف المنى .. والتقينا فبدا لي يا حبيبي من انا اين انا” …اغمض استاذي عينيه وقال: اطلع بسجيرة عاد .. توة هاذا فن واللي يخرج من حنفية الزبلة فن ..؟؟ …يلعن بو التاسيلة متاع جد بوهم الكلب … وهو يقصد اشباه الفناين التونسين متاع صرّافة على صرّافة ..والاكيد ان الله احبّه لانه ومنذ بداية السبعينات غادر تونس باعتبار انتمائه لحزب البعث واستقر بسوريا كواحد من اكبر المستشارين السياسين للنظام السوري منذ حافظ حتى يشار الاسد ..تصوروا فقط انه يشنف اذنه في هذا الزمن الرديء ب”طق اشترق طق” او “انا موش مريڨل وانت موش مريڨلة” .. ويجعلهم لا يتريڨلو …مستويات ..على طريقة لاباس …
الحي في تلك السنة شهد حدثا مشهودا ..ويا له من حدث ..لأول مرة في تاريخه يشهد معهد الحي اختلاطه بالفتيات (واحنا صغيّرين وما نعرفش الحاجات دي يا بيه) والافدح انهن من فصيلة صنف الاداب ..والافدح الافدح انهن في فصل اداب لا انتمي اليه ..شفتو الظلم ..؟؟ كانت ساعة الرياضة يوم يكنّ فيها تلميذات الاداب واللواتي هن هسكات .. قالب ..ممتلئات جمالا واغراء … باستثناء واحدة كانت تُلقّب بحاملة مفاتيح “بورت كليه” نظرا إلى قصرها .. اما الافدح الافدح الافدح ..فانهن كنّ يمارسن رياضتهن بشورت …افضل واحد فيه لا ينزل عن نصف الفخذين …لم اقل نصف الساقين ..يا بشر يا عالم يا هو ..نصف الفخذين ..في حقبة كانت العلاقات المعلنة بين الفتى والفتاة تعني فضيحة ..في زمن كان الشبان والشابات في صفاقس يلتقون في المائة متر الرابطة بين باب الديوان والبلدية الكبرى …يتمشون ذهابا وايابا كل عشية احد عشرات الكيلومترات ..بعيدا عن الكوْبَلة (من كوبل) نعم يستحيل ان تجد شابا مع صديقته او زميلته او حبيبته ..ممنوع …. تصوّروا فقط عشيّة كاملة ولا شيء الا نظرات متبادلة ..اي وبايجاز “تشلهيڨ في تشهليڨ” …
سنة الباكالوريا انذاك عُرفت بدسامة وامتاع البرامج الدراسية فيها ..بدءا بالفلسفة والتي لم تكن تروق لي بتاتا نظرا إلى ان استاذها كان في اسلوبه “مدّب” … وللتدخّل او الاستفسار يُحتّم على كل تلميذ منّا ان يرفع يده ويقول للاستاذ (علي المقدّميني سامحه الله): سيدي ..والا لن يتمكّن من قول ما يريد ..تصوروا استاذ فلسفة في سنة الباكالوريا يكون بيداغوجيا بهذا الشكل ..كان بالنسبة لي يمكن ان يكون كل ّ شيء الا استاذ فلسفة ..ولهذا السبب لم اسمح لنفسي اطلاقا طيلة تلك السنة بطرح اي سؤال او اي استفسار رفضا منّي لكلمة “سيدي” كما يحبّها هو ويفرضها علينا ..رغم ان قناعتي الداخلية ودون اي جدال ما زلت اؤمن بأن المربّي منذ الروضة وحتى التعليم العالي يستحق افضل من كلمة سيدي ….
ولاعود لتلك السنة يكفي ان اذكر ان برنامج العربية كان ممتعا جدا ففيه المتنبي وما ادراك وفيه الشعر الحديث وادباء المهجر وفيه ايضا الشعر المعاصر … اما عن التاريخ فهو يشمل الحربين العالمية الاولى والثانية والثورة الفرنسية قبلهما والثورة البلشفية… وطبعا تاريخ الحركة التوسية للتخلص من الاستعمار وانذاك كنا نمر عليها مرور الكرام ولا نعيرها كثيرا من الاهمية (زعمة زعمة مڨوّشين) ..في الجغرافيا كانت المحاور على المستوى المعرفي هامة جدا… تصوروا فقط اننا كنا ندرس القوى الكبرى في العالم اقتصاديا من المارد الالماني العجيب الى انكلترا وفرنسا واليابان الى القارة اللقيطة امريكا كما يسميها سي الهرماسي… دون نسيان الاتحاد السوفياتي والسوفخوزات والكولخوزات وهو النظام التعاضدي انذاك في ثاني اكبر قطب عالمي مع الولايات المتحدة الامريكية …وحتى المواد الاخرى من علوم طبيعية وفيزياء وكيمياء وانكليزية كانت هامة جدا ..لن اعلّق على الرياضيّات واللغة الفرنسية (صاحبكم حويلة فيهم .. كعبة لا)…
في حياتي خارج معهد الحي ,,اصبحت الاكثر دلالا واحتراما وتبجيلا بين اصدقائي ربما لان صورتي كمعلّم لم تمّح في اذهانهم ..اما عن علاقتي بحبيبتي فكانت كعادتها منحصرة في الرسائل التي تُطل احيانا حسب ظروفها… والتي عبّرت في بدايتها عن سعادتها وعبد الكريم يعود الى مصاف العلم والمعرفة وينال شهادته التي ستؤهّله حتما الى غد افضل .. حتى كان جوان ونحن نستعد لخوض امتحان الباكالوريا و صهر صديق عمري رضا يخصص لنا منزله لنستعمره ليلا نهارا ونحن رباعي يراجع ويذاكر استعدادا للامتحان ..صهر صديق العمر (عبدالحفيظ قطاطة رحمه الله) لا علاقة قرابة لي به الا انه كان يحبّني بشكل كبير ..هو كان مختلفا عن الاخرين… هو مربّ فاضل يعشق عبدالناصر وفريد الاطرش وسكك الحديد الصفاقسي . ويعشق فيّ عنصر التحدّي والصراحة والجرأة ولكن ما يغيظه في شخصيتي اني “دمي بارد” _…ي لا اغضب بسرعة ولا ارد الفعل بسرعة .. على عكسه هو تماما ..وكان يقول لي دوما: من ايّ طينة انت اتخلقت .؟؟ ولأن علاقته بصديق عمري وبي متميّزة، اقصى زوجته واطفاله من منزله ليسكنوا في دار صهره ومكننا من ماٌقامة عنده على امتداد نصف شهر للمذاكرة ..كنا اربعة انا ورضا واخوه عبدالحميد ورابعنا صديق نلقّبه الناموسة ..لانه في لعبه كرويا كان يلدغ كالناموسة… الم يُلقّب شكري الطرابلسي بالوشواشة ..؟؟… واذ انسى فلن انسى يوما عندما هبّ الذباب بهجمة صيفيّة مريعة على مجموعتنا فما كان من عبدالحميد الا ان حمل قارورة الفلي توكس (البخاخة) ورشها على بدنه ..ولولا الطاف الله والعجلة بأخذ حمام، لـ “مشى فيها”…
اثناء المراجعة وصلتني رسالة من حبيبتي في خبر عاجل: (اجري لي يا عبدالكريم ..جا اشكون يخطب فيّ ..يلزمك تلقى حل ..انا ليك انتي اوكي اما اش ماشي نقول لدارنا ؟؟) … واتضرب سي عبدالكريم وما جاش يدور …جاء واقف على ساقيه والاصح قام يجري ساقو اعلى من راسو ..والجماعة مفجوعين .نظر ثلاثي المراجعة الى وجهي ولست ادري انذاك كان مصفرا او محمرا او بالألوان ..ونزلت اسئلتهم من كل حدب وصوب على “قنباعة” راسي: اشبيك .؟؟ اش ثمة ؟؟ لاباس؟؟ … همست في اذن صديق عمري: توة يلزمني نمشي نصف ساعة وانجيك وتوة بعد نحكيلك …وسرت وحدي شريدا ..محطّم الخطوات ..تهزّني انفاسي .. تخيفني لفتاتي .. كهارب ليس يدري من اين او اين يمضي ..شك ضباب حطام .. يعضي يمزّق بعضي يمزّق بعضي ….
على عكس حليّم كنت ادري تماما واعرف تماما وادرك تماما الى اين امضي …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.