تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 42

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

حقبة السبعينات في تونس كانت من افضل واخصب الحقبات التي عاشها جيلي انذاك … تونس انذاك انتقلت من مرحلة التأسيس بكل منعطفاتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، الى فترة التجذير والخصوبة …

عبد الكريم قطاطة

فبقدر ما نجح الزعيم بورقيبة في رمي حجر الاساس لدولة لها هيبتها ومكانتها بين الامم مغاربيا ودوليا، وبقدر ما كان رجل المواقف الحازمة في القضاء على العروشية عندما جمع سلاح المقاومين وادخل جلّهم في منظومة الحرس الوطني، حتى يجنّب تونس خطرا لم نفهمه الاّ الان ونحن نُطلّ من نافذتنا الجنوبية على ما يحدث في ليبيا وهي تجسّد ابشع مظاهر القبلية… وهي نفسها تلك النعرة التي حاول بعض لصوص الثورة استغلالها في بلدنا لكسب اوراق رخيصة في انتهازيتهم سياسيا بعد 14 جانفي 2011 … ونفس الزعيم بورقيبة هو ذلك الذي ركّز فلسفته على ثلاثي عميق لبناء تونس ما بعد الاستعمار: التعليم، الصحة، المرأة… هو الذي اقام الدليل لمن عاصره ولمن اختلف معه في الراي انه داهية سياسي لا يُشق له غبار في القضايا العربية (خطاب اريحا في القضية الفلسطينية، وخلافه مع قومية جمال عبد الناصر)…

اذن كما اسلفت ..بقدر ما كان مُوفّقا في هذا المنحى بقدر ما كان ذلك الزعيم الذي اعتبر والى آخر قطرة من حكمه ان تونس هي (متاعو هو فقط) وانّه ليس من حق ايّ كان ان يقتسم معه الراي او القرار …هي ملكه الشخصي ربّما منطلقا من كفاحه الطّويل وما عاناه في يتمه اولا عائليا …وكذلك من تغريب ايام الاستعمار والذي كان يصفه ويردّده بعيارته الشهيرة في خطاباته (ايام السّخط والدُمّار والميزيريا) …ولعلّ هذه الزاوية الضيّقة لرؤيته لحبيبته تونس هي التي كانت وراء كلّ اخطائه على مدى حكمه ..حبّ التملّك (وما ابشع التملك) من جهة ونجاحه في جلب الاحترام دوليّا لشخصيّته ذات الكاريزما الرهيبة ..و خاصّة قدرته الفائقة على استقطاب عامة الشعب التونسي من خلال براعته الخطابية الهائلة… و هي من العوامل التي اضرّت به وبتونس رغم كلّ ايجابيّات ذلك الزعيم التاريخي الفذ والذي لم يستطع ايّ كان زحزحته من مكانته كافضل من عرفته تونس بعد الاستعمار مهما حاول اعداؤه تشويه صورته …

كل هذا لم ولن ينفي عديد اخطائه .. تلك الاخطاء بالنسبة لنا نحن شباب السبعينات كنّا نراها بمجهرنا المضخّم انذاك …بمنظار المعارضين الشرسين للزعيم …كنا نعدّد ونندّد ونعارض ونشهّر…بخلافاته مع اليوسفيين …باخطائه الشنيعة في معركة الجلاء وضحايا تونس فيها ..بالحرب الضروس مع معارضيه والذين لم ينفكّوا يوما عن المطالبة بحقهم في تونس وهم يقولون لبورقيبة عن تونس وبلطف (حبيبها لست وحدك حبيبها) خاصة وقد انبرت وسائل الاعلام في التزمير الماسط الركيك والمتخلّف للزعيم المجاهد الاكبر رغم انه اثبت في ما بعد ومقارنة بكل من تلاه انه الزعيم الافضل والاكبر … زد على ذلك تلك الهلبة من الاغاني التمجيدية للرئيس (يا سيد الاسياد .. يا حبيب تونس يا عزيز علينا .. حبيبي يا مجاهد …حبيب الجماهير المغربية للدوكالي والتي تحولت من تمجيد الملك الحسن الثاني من”ملكنا ديالنا واحنا ديالو” الى “بورقيبة ديالنا واحنا ديالو” ).. وحتى اغانينا التراثية في صفاقس تحولت من “مااقواني يا نور عيني ما اقواني” الى “يا غالي يا حبيب تونس يا غالي .يا هلال الخضراء العلالي” _..وحتى نشيدنا الرسمي كان فيه الزعيم حاضرا (الا خلّدي …. بروح الحبيب زعيم الوطن) ..

وكان اول امتحان عسير الى حد النكبة …

التجربة التعاضديّة والتي قادها احمد بن صالح …والتي كادت تودي بتونس في منزلقات خطيرة … ولأني لا اجرؤ على تحميل ايّ طرف مسؤولية تلك التجربة لأن المواقف تباينت فيها ولأن اوراقها متشعبة ..ولأني لست رجل اختصاص لا في الاقتصاد ولا في السياسة… فاني بحكم المنطق في المسؤولية السياسية لا اتردد في القول بأن بورقيبة ومهما كانت اخطاء من معه هو المسؤول الاول ..اليس هو من عيّن احمد بن صالح في وزارة التخطيط ..؟؟ بل جمع في فترة ما عديد الوزارات ..؟؟ اليس هو من تابعه على امتداد سنوات مثمّنا مشجّعا ومباركا لكل تصوّراته ؟؟؟ وعندما فشلت التجربة وكأي رئيس في العالم الثالث لم يجد بورقيبة ولا غيره الشجاعة لتحمّل المسؤولية والاعتراف باخطائه .، تى لا اقول الاستقالة لترك المكان لغيره (حتى انا قداش نخرّف ! في ذلك الزمن فعلها فقط سينغور رئيس السنغال بعد انتهاء فترته الرئاسية وخيّر الانشغال بالادب) …

ومن جهة اخرى .وربّما ما يُحسب لعبدالناصر انه الوحيد بين الرؤساء العرب الذي خرج بعد نكسة جوان 67 ليُقرّ بمسؤوليته الكاملة في هزيمة العرب في الحرب مع اسرائيل …البعض من اعدائه يذهبون الى انّ ذلك الخطاب التاريخي الذي قرر فيه الريّس الانسحاب من دفّة المسؤولية كرئيس مصر والانضمام الى الجيش ليواصل كجندي الدفاع عن مصر… ما هو الا سيناريو كي يخرج الشعب المصري ويرفض استقالة زعيمه ثم يعود بعده الريّس الى دفّة الحكم …تماما كما فعل بعض احمرة التجمع يوم 13 جانفي لمناصرة الزين بسيارت كراء تعبيرا عن مؤازرتهم لزين العرب ..الا اني ومن وجهة نظري المتواضعة وحسب ما وصلنا من صور تلفزية ..لم ار في حياتي مصر تخرج بتلك الهبّة الجماهيرية الرهيبة الا في خمس مناسبات ..يوم استقالة عبد الناصر بعد حرب جوان …يوم وفاته … يوم وفاة أم كلثوم… يوم وفاة العندليب ..ويوم الحشد الرهيب في ميدان التحرير للاطاحة بمُرسي .واخوانه ..لذلك انا وحتى من خلال نبرات صوت عبدالناصر وهو يعلن بكل حزن واسف تخلّيه عن الحكم، لا يمكن ان اكون الا من صفّ المصدّقين له والمصفّقين له …

اعود لتلك السنوات العجاف التي عاشتها تونس اقتصاديا في الستينات مع النظام التعاضدي لاقول ان فشل اي وزير او ايّة سياسة يتحمّلها لا فقط ذلك الوزير بل رئيس الدولة ايضا …وهذا ما لم يفعله ابدا بورقيبة في حياته ..كان دائما يحمّل الاخرين الخطايا (ويخرج منها كيف الشعرة من العجين)… ولمن يتذكّر احداث الخبز 84 .. هل مازلتم تتذكرونه يوم خطابه الشهير..؟؟ .دعوني اسرد لكم سرّا لا يعرفه الكثيرون _سرّا جهويا … الله غالب ..تحمّلوا جهويّتي التي اعتزّ بها والتي دونها لا يمكن ان اكون تونسيا …

بورقيبة في احداث الخبز كان وكعادته يتابع التقارير الامنية التي تاتيه حول التحركات في البلاد بعد اعلان الزيادة في ثمن الخبز ..وكان يوميا يسأل ..صفاقس لاباس ..اي هنالك تحرّكات ..؟؟؟ وتاتيه الاجابة الامنية .. صفاقس رايضة …وعندما واصل سؤاله دوما عن صفاقس واحوالها في تفاعلتها مع احداث الخبز جاءته الاجابة ذات يوم (صفاقس تحرّكت)… يومها بالذات خرج الى الشعب التونسي واعلن التراجع في قرار الزيادة بتلك المقولة الشهيرة: نرجعو كيف ما كنّا قبل الزيادة … ولكن ولأن بورقيبة ابدا ان اقرّ يوما باخطائه، فقد حمّل رئيس بلدية تونس شيخ المدينة (زكرياء بن مصطفى انذاك) كل المسؤولية …بل نعته باوصاف فيها الكثير من الاهانة حيث وصفه بذلك المسؤول عن القمامة _ (هاكة زكرياء متاع الزبلة) الذي قال له: “الخبز ملوّح في الزبلة” … اي حتى بورقيبة “غلّطوه” ..هذه الامور يبدو انّها في جيناتنا …

،نحن شباب السبعينات كنّا محظوظين لاننا كنّا مثقلين بهمّ الوطن ..ولأننا تدّربنا على إعمال الفكر والنقد ثم وهو الاهم، لاننا كنّا وخاصة تلامذة الحي الزيتوني في صفاقس، مُكوّنين سياسيا ومطّلعين من خلال تنوع اساتذتنا على مجموعة هائلة من الايديولوجيات… فمن اساتذتنا اليوسفي.. والدستوري.. والماركسي باطيافه .. والقومي بفصائله ..كل هذا جعل من رؤوسنا مرجلا للمعرفة وما اقسى المعرفة ومرجلها ..المعرفة هل هي نعمة او نقمة احيانا …؟؟؟ حتما ساعود الى هذا المحور الرهيب في قادم الورقات ..

فترة السبعينات في تونس كانت وكما اسلفت فترة الانتعاشة الاقتصادية الاكبر في تاريخ تونس منذ الاستقلال وحتى الان ..رغم انها انتهت بخاتمة درامية تداخلت فيها الاوراق السياسية وبداية مؤامرات القصر والتناحر وتصفية الحسابات وبداية التحالفات مما ولّد احداث جانفي 78 … نعم مرة اخرى شهر جانفي .ويا له من شهر على امتداد تاريخ تونس ..الا انّ تلك الفترة ايضا ولحسن حظّنا نحن شباب تلك الحقبة، كانت فترة ازدهار العمل الطلاّبي السياسي ..وكنا نمشي بخيلاء وزهو وافتخار بوعينا (هكذا كان يبدو لنا)… كان الواحد منّا لينين والاخر تروتسكي وثالث تشي غيفارا . هكذا كنّا في خطاباتنا وفي كذبنا على كل صديقاتنا ..كنّا نمثّل دور التقدمي في كل افكاره ولا نُعير اي اهتمام ليس فقط للتقاليد الاجتماعية في رؤيتنا للمرأة مثلا، بل حتى للدين ايضا الذي كان مُغيّبا تماما فينا نحن اليساريين زعمة زعمة … بل كنّا نسخر من ذلك العيّاش الذي لا يعرف من الحياة الطالبية الا الدراسة والانضباط ..نحن المتنطعين على المجتمع وعلى الدين وعلى كل شيء ولم نكن في الحقيقة سوى مُخادعين و منافقين ..ندّعي التحرّر وعن ايّة بكارة تتكلمون … وعندما يهرع الواحد منّا الى الارتباط يعود الى قوقعته …قالت لي اشجعهنّ: هو دارها شليلة ومليلة وكيف جاء يعرّس لوّج على بنت عايلة عاقلة ومتاع دار _ وها انا اجيب: جلّنا مثله ..جلنا “نفشفش” على كل المقررات اللواتي عرفناهن وادّعين الليبرالية والتحرّر … ووقت توصل ايدها لرجلها، نصبح مثالا على انفصام الشخصيّة .؟؟ موش لو كان نرجعو لعبدالكريم والمهنة افضل ..؟؟

سنة 1974 كانت سنة مفصلية في حياتي المهنية … الادارة التقنية لللتلفزية وبعد تعدد الانتاجات الفيلمية وقدوم مجموعة من المخرجين الذين انهوا دراستهم في تشيكوسلوفاكيا (رفيق المدب، عبدالجبار البحوري، عبدالقادر الجربي، منصف الكاتب) .. كان لزاما عليها ان تعيد هيكلة مصالحها الفنية حتى يخفّ العبء على بعض المصالح ..ومن هذه الزاوية ارتأت ان تحدث قسم المونتاج الذي كان من ضمن اهتمامات المهندس الشاب (سي ابراهيم الغضاب) مع اهتمامه بالمختبر الخاص بالمؤسسة …

جاءنا يوما سي ابراهيم الى قسم المونتاج وعبّر عن رغبة الادارة في تعيين واحد من مركبي القسم كمسؤول عنه ومساعد اداري لسي ابراهيم ..واضاف: اختاروا انتم زميلا لكم ترتاحون له، حتى تكونوا مسؤولين عن اختياركم …نزل سي ابراهيم الى مكتبه وارتأينا وبالاجماع ان يكون اكبرنا واكثرنا تجربة الزميل واستاذي في دراسة فن المونتاج (الصادق بن عايشة) هو الاجدر بهذا التكليف …ضحك سي الصادق وقال (يعمل الله)… دخل كل واحد منّا الى مقصورة المونتاج ليشتغل حتى الواحدة ظهرا موعد انتهاء الحصة الاولى من العمل اداريا …وهذه على فكرة لم امتثل لها يوما… التوقيت الاداري هو خنق للفن… الفنان هو إلهام او لا يكون ..ومتى كان الالهام مرتبطا بناقوس الساعة ..؟؟ الفنان عندي لا يتحاور مع نواقيس الارض ..الفنان عندي هو من يعدّل ساعته على خيوط الشمس ليقطف منها خيطا يفصّل على مقاسه رائعة “الدخول الى الجنة” لاندريه ريو ..في مرحلة اولى وفي مرحلة ثانية عليه ان يستلهم مما بعد الشمس لتكون له سمفونيته الخاصة به … بصمته ….دنياه مع الاخر حتى يلتقي به ليرتقي …

خرج الجميع وبقيت وحدي كعادتي اشتغل على طريقتي ..قد يكون شغلي وقتها الاستماع الى اغنية علّها تُلهمني فكرة ..قد يكون مشاهدة افلام المانية تاتيننا كهبة من الشركات المنتجة لها وهي في جلّها وثائقية وتبقى عندي لحد الان افضل ما اشاهد الاعمال الوثائقية ..كنت الوحيد الذي لا يرتبط بالواحدة ظهرا خاصة واني اقطن على بعد مائتي متر من دار الاذاعة من جهة… ثم واذكّر متى كان الغداء يعنيني ..؟؟ وهي عادة لازمتني لحد اليوم …فجأة فُتح باب مقصورتي من الخارج واذا بالقادم استاذي وزميلي السيد صادق بن عائشة …سلّم عليّ وقال: نشربو قهوة ..؟؟ وباحترام التلميذ لاستاذه ولاحد اطراف اللجنة التي امتحنتني شفاهيا بعد نجاحي في كتابي مناظرة الدخول الى المؤسسة …نزلنا الى “بيفات” الاذاعة واخذ كل منا قهوته (كابيسان بزايد حليب بالنسبة لي ولحد اليوم ايضا هي قهوتي الوحيدة) …_ وتناول هو “اكسبريس سيريه”… يا بوڨلب!…كيف يتجرعها اصحابها …؟؟

نظر اليّ استاذي وقال: تتذكّر انّو الساعة قلتلكم في ذلك العرض “يعمل الله”؟.اجبته: ايه وشكون خير منّك ؟؟ قللي ثمة شكون خير منّي ..قلتلو: والله يا استاذي لا نشوف بكل صدق وانت تعرفني انو ثمة شكون خير منّك ..قال: لانّو بوك الصادق يعرف انو تلميذو صادق… راك انت هو اللّي خير منّي …؟؟؟؟ لم اقدر على النظر اليه خجلا ..نعم كنّا نخجل ممّن علّمنا ..وسنبقى كذلك الى اخر رشفة من الاوكسجين والى اخر شعاع شمس والى اخر قطرة حب …جذبني اليه وقال: شوف ولدي .انا مشاغلي كثيرة ولي مشاريعي السينمائية الخاصة ولا اجد افضل منك لهذا الموقع ..انت اهل له وجميع زملائك يحبونك جدا ..لذلك ساعتذر في المساء وانا من سيبرشحك لهذا التكليف …تصوروا عبدالكريم ذلك الاصغر سنا ..والاتي من صفاقس والذي عاش دهرا من الجفاء، حاول ان يعدّل ذلك الجفاء بسخاء انساني صادق مع الجميع يقبل به الجميع ..؟؟

نعم ودون اي فيتو، قبِل الجميع ان اكون انا من يمثلهم ويسوس امورهم …هذه الواقعة علمتني اشياء هامة في حياتي لعلّ اولها ..قد لا يقبلك البعض في موقف ما في تصرّف ما في اسلوب ما ..ولكن ثق انّ هدفك عندما يكون زرع القرنفل الوردي عوضا عن العوسج ..وان تكون كلماتك حتى ولو تدرجت من حبّة الدواء البسيطة الى “الانتيبيوتك” كحبّة او كزًريقة موجعة ..وصولا حتى الى الصعقة الكهربائية التي يخضّون بها قلب المريض .. بتلك الكلمات، سيُدرك الاخر يوما انك لم تنفصل عن الانسان وعن حب الانسان… اذ هل يًعقل ان نلوم الطبيب على تلك الصعقة الكهربائية والتي اراد بها اعادة نبض القلب لا اعدامه ..؟؟؟ هذا احد دروس تلك الثقة الموضوعة فيّ يومها وجميع الزملاء يهنئون انفسهم قبل ان يهنئوني باختيارهم لي …امّا انا ورغم سعادتي بتلك الثقة ووالله صدقا قبل الكرسيّ كنت اقول واردد: هذه خطوة صغيرة جدا لمشروعي الحلم …هيمالايا …وستعرفون يوما انه لم يكن يوما اطلاقا كما يتوهمه البعض مشروعا انتهازيا ..وصوليا ..قذرا… بل هو مشروع مبني اساسا على الحلم لما بعد حدود السماء …

(نُشر هذا النص أول مرة يوم 8 مارس 2017 ـ اليوم العالمي للمرأة ـ وها انا اهدي هذه الورقة لاجمل نساء الدنيا… عيادة)

ـ يتبع ـ.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار