تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 42

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

حقبة السبعينات في تونس كانت من افضل واخصب الحقبات التي عاشها جيلي انذاك … تونس انذاك انتقلت من مرحلة التأسيس بكل منعطفاتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، الى فترة التجذير والخصوبة …

عبد الكريم قطاطة

فبقدر ما نجح الزعيم بورقيبة في رمي حجر الاساس لدولة لها هيبتها ومكانتها بين الامم مغاربيا ودوليا، وبقدر ما كان رجل المواقف الحازمة في القضاء على العروشية عندما جمع سلاح المقاومين وادخل جلّهم في منظومة الحرس الوطني، حتى يجنّب تونس خطرا لم نفهمه الاّ الان ونحن نُطلّ من نافذتنا الجنوبية على ما يحدث في ليبيا وهي تجسّد ابشع مظاهر القبلية… وهي نفسها تلك النعرة التي حاول بعض لصوص الثورة استغلالها في بلدنا لكسب اوراق رخيصة في انتهازيتهم سياسيا بعد 14 جانفي 2011 … ونفس الزعيم بورقيبة هو ذلك الذي ركّز فلسفته على ثلاثي عميق لبناء تونس ما بعد الاستعمار: التعليم، الصحة، المرأة… هو الذي اقام الدليل لمن عاصره ولمن اختلف معه في الراي انه داهية سياسي لا يُشق له غبار في القضايا العربية (خطاب اريحا في القضية الفلسطينية، وخلافه مع قومية جمال عبد الناصر)…

اذن كما اسلفت ..بقدر ما كان مُوفّقا في هذا المنحى بقدر ما كان ذلك الزعيم الذي اعتبر والى آخر قطرة من حكمه ان تونس هي (متاعو هو فقط) وانّه ليس من حق ايّ كان ان يقتسم معه الراي او القرار …هي ملكه الشخصي ربّما منطلقا من كفاحه الطّويل وما عاناه في يتمه اولا عائليا …وكذلك من تغريب ايام الاستعمار والذي كان يصفه ويردّده بعيارته الشهيرة في خطاباته (ايام السّخط والدُمّار والميزيريا) …ولعلّ هذه الزاوية الضيّقة لرؤيته لحبيبته تونس هي التي كانت وراء كلّ اخطائه على مدى حكمه ..حبّ التملّك (وما ابشع التملك) من جهة ونجاحه في جلب الاحترام دوليّا لشخصيّته ذات الكاريزما الرهيبة ..و خاصّة قدرته الفائقة على استقطاب عامة الشعب التونسي من خلال براعته الخطابية الهائلة… و هي من العوامل التي اضرّت به وبتونس رغم كلّ ايجابيّات ذلك الزعيم التاريخي الفذ والذي لم يستطع ايّ كان زحزحته من مكانته كافضل من عرفته تونس بعد الاستعمار مهما حاول اعداؤه تشويه صورته …

كل هذا لم ولن ينفي عديد اخطائه .. تلك الاخطاء بالنسبة لنا نحن شباب السبعينات كنّا نراها بمجهرنا المضخّم انذاك …بمنظار المعارضين الشرسين للزعيم …كنا نعدّد ونندّد ونعارض ونشهّر…بخلافاته مع اليوسفيين …باخطائه الشنيعة في معركة الجلاء وضحايا تونس فيها ..بالحرب الضروس مع معارضيه والذين لم ينفكّوا يوما عن المطالبة بحقهم في تونس وهم يقولون لبورقيبة عن تونس وبلطف (حبيبها لست وحدك حبيبها) خاصة وقد انبرت وسائل الاعلام في التزمير الماسط الركيك والمتخلّف للزعيم المجاهد الاكبر رغم انه اثبت في ما بعد ومقارنة بكل من تلاه انه الزعيم الافضل والاكبر … زد على ذلك تلك الهلبة من الاغاني التمجيدية للرئيس (يا سيد الاسياد .. يا حبيب تونس يا عزيز علينا .. حبيبي يا مجاهد …حبيب الجماهير المغربية للدوكالي والتي تحولت من تمجيد الملك الحسن الثاني من”ملكنا ديالنا واحنا ديالو” الى “بورقيبة ديالنا واحنا ديالو” ).. وحتى اغانينا التراثية في صفاقس تحولت من “مااقواني يا نور عيني ما اقواني” الى “يا غالي يا حبيب تونس يا غالي .يا هلال الخضراء العلالي” _..وحتى نشيدنا الرسمي كان فيه الزعيم حاضرا (الا خلّدي …. بروح الحبيب زعيم الوطن) ..

وكان اول امتحان عسير الى حد النكبة …

التجربة التعاضديّة والتي قادها احمد بن صالح …والتي كادت تودي بتونس في منزلقات خطيرة … ولأني لا اجرؤ على تحميل ايّ طرف مسؤولية تلك التجربة لأن المواقف تباينت فيها ولأن اوراقها متشعبة ..ولأني لست رجل اختصاص لا في الاقتصاد ولا في السياسة… فاني بحكم المنطق في المسؤولية السياسية لا اتردد في القول بأن بورقيبة ومهما كانت اخطاء من معه هو المسؤول الاول ..اليس هو من عيّن احمد بن صالح في وزارة التخطيط ..؟؟ بل جمع في فترة ما عديد الوزارات ..؟؟ اليس هو من تابعه على امتداد سنوات مثمّنا مشجّعا ومباركا لكل تصوّراته ؟؟؟ وعندما فشلت التجربة وكأي رئيس في العالم الثالث لم يجد بورقيبة ولا غيره الشجاعة لتحمّل المسؤولية والاعتراف باخطائه .، تى لا اقول الاستقالة لترك المكان لغيره (حتى انا قداش نخرّف ! في ذلك الزمن فعلها فقط سينغور رئيس السنغال بعد انتهاء فترته الرئاسية وخيّر الانشغال بالادب) …

ومن جهة اخرى .وربّما ما يُحسب لعبدالناصر انه الوحيد بين الرؤساء العرب الذي خرج بعد نكسة جوان 67 ليُقرّ بمسؤوليته الكاملة في هزيمة العرب في الحرب مع اسرائيل …البعض من اعدائه يذهبون الى انّ ذلك الخطاب التاريخي الذي قرر فيه الريّس الانسحاب من دفّة المسؤولية كرئيس مصر والانضمام الى الجيش ليواصل كجندي الدفاع عن مصر… ما هو الا سيناريو كي يخرج الشعب المصري ويرفض استقالة زعيمه ثم يعود بعده الريّس الى دفّة الحكم …تماما كما فعل بعض احمرة التجمع يوم 13 جانفي لمناصرة الزين بسيارت كراء تعبيرا عن مؤازرتهم لزين العرب ..الا اني ومن وجهة نظري المتواضعة وحسب ما وصلنا من صور تلفزية ..لم ار في حياتي مصر تخرج بتلك الهبّة الجماهيرية الرهيبة الا في خمس مناسبات ..يوم استقالة عبد الناصر بعد حرب جوان …يوم وفاته … يوم وفاة أم كلثوم… يوم وفاة العندليب ..ويوم الحشد الرهيب في ميدان التحرير للاطاحة بمُرسي .واخوانه ..لذلك انا وحتى من خلال نبرات صوت عبدالناصر وهو يعلن بكل حزن واسف تخلّيه عن الحكم، لا يمكن ان اكون الا من صفّ المصدّقين له والمصفّقين له …

اعود لتلك السنوات العجاف التي عاشتها تونس اقتصاديا في الستينات مع النظام التعاضدي لاقول ان فشل اي وزير او ايّة سياسة يتحمّلها لا فقط ذلك الوزير بل رئيس الدولة ايضا …وهذا ما لم يفعله ابدا بورقيبة في حياته ..كان دائما يحمّل الاخرين الخطايا (ويخرج منها كيف الشعرة من العجين)… ولمن يتذكّر احداث الخبز 84 .. هل مازلتم تتذكرونه يوم خطابه الشهير..؟؟ .دعوني اسرد لكم سرّا لا يعرفه الكثيرون _سرّا جهويا … الله غالب ..تحمّلوا جهويّتي التي اعتزّ بها والتي دونها لا يمكن ان اكون تونسيا …

بورقيبة في احداث الخبز كان وكعادته يتابع التقارير الامنية التي تاتيه حول التحركات في البلاد بعد اعلان الزيادة في ثمن الخبز ..وكان يوميا يسأل ..صفاقس لاباس ..اي هنالك تحرّكات ..؟؟؟ وتاتيه الاجابة الامنية .. صفاقس رايضة …وعندما واصل سؤاله دوما عن صفاقس واحوالها في تفاعلتها مع احداث الخبز جاءته الاجابة ذات يوم (صفاقس تحرّكت)… يومها بالذات خرج الى الشعب التونسي واعلن التراجع في قرار الزيادة بتلك المقولة الشهيرة: نرجعو كيف ما كنّا قبل الزيادة … ولكن ولأن بورقيبة ابدا ان اقرّ يوما باخطائه، فقد حمّل رئيس بلدية تونس شيخ المدينة (زكرياء بن مصطفى انذاك) كل المسؤولية …بل نعته باوصاف فيها الكثير من الاهانة حيث وصفه بذلك المسؤول عن القمامة _ (هاكة زكرياء متاع الزبلة) الذي قال له: “الخبز ملوّح في الزبلة” … اي حتى بورقيبة “غلّطوه” ..هذه الامور يبدو انّها في جيناتنا …

،نحن شباب السبعينات كنّا محظوظين لاننا كنّا مثقلين بهمّ الوطن ..ولأننا تدّربنا على إعمال الفكر والنقد ثم وهو الاهم، لاننا كنّا وخاصة تلامذة الحي الزيتوني في صفاقس، مُكوّنين سياسيا ومطّلعين من خلال تنوع اساتذتنا على مجموعة هائلة من الايديولوجيات… فمن اساتذتنا اليوسفي.. والدستوري.. والماركسي باطيافه .. والقومي بفصائله ..كل هذا جعل من رؤوسنا مرجلا للمعرفة وما اقسى المعرفة ومرجلها ..المعرفة هل هي نعمة او نقمة احيانا …؟؟؟ حتما ساعود الى هذا المحور الرهيب في قادم الورقات ..

فترة السبعينات في تونس كانت وكما اسلفت فترة الانتعاشة الاقتصادية الاكبر في تاريخ تونس منذ الاستقلال وحتى الان ..رغم انها انتهت بخاتمة درامية تداخلت فيها الاوراق السياسية وبداية مؤامرات القصر والتناحر وتصفية الحسابات وبداية التحالفات مما ولّد احداث جانفي 78 … نعم مرة اخرى شهر جانفي .ويا له من شهر على امتداد تاريخ تونس ..الا انّ تلك الفترة ايضا ولحسن حظّنا نحن شباب تلك الحقبة، كانت فترة ازدهار العمل الطلاّبي السياسي ..وكنا نمشي بخيلاء وزهو وافتخار بوعينا (هكذا كان يبدو لنا)… كان الواحد منّا لينين والاخر تروتسكي وثالث تشي غيفارا . هكذا كنّا في خطاباتنا وفي كذبنا على كل صديقاتنا ..كنّا نمثّل دور التقدمي في كل افكاره ولا نُعير اي اهتمام ليس فقط للتقاليد الاجتماعية في رؤيتنا للمرأة مثلا، بل حتى للدين ايضا الذي كان مُغيّبا تماما فينا نحن اليساريين زعمة زعمة … بل كنّا نسخر من ذلك العيّاش الذي لا يعرف من الحياة الطالبية الا الدراسة والانضباط ..نحن المتنطعين على المجتمع وعلى الدين وعلى كل شيء ولم نكن في الحقيقة سوى مُخادعين و منافقين ..ندّعي التحرّر وعن ايّة بكارة تتكلمون … وعندما يهرع الواحد منّا الى الارتباط يعود الى قوقعته …قالت لي اشجعهنّ: هو دارها شليلة ومليلة وكيف جاء يعرّس لوّج على بنت عايلة عاقلة ومتاع دار _ وها انا اجيب: جلّنا مثله ..جلنا “نفشفش” على كل المقررات اللواتي عرفناهن وادّعين الليبرالية والتحرّر … ووقت توصل ايدها لرجلها، نصبح مثالا على انفصام الشخصيّة .؟؟ موش لو كان نرجعو لعبدالكريم والمهنة افضل ..؟؟

سنة 1974 كانت سنة مفصلية في حياتي المهنية … الادارة التقنية لللتلفزية وبعد تعدد الانتاجات الفيلمية وقدوم مجموعة من المخرجين الذين انهوا دراستهم في تشيكوسلوفاكيا (رفيق المدب، عبدالجبار البحوري، عبدالقادر الجربي، منصف الكاتب) .. كان لزاما عليها ان تعيد هيكلة مصالحها الفنية حتى يخفّ العبء على بعض المصالح ..ومن هذه الزاوية ارتأت ان تحدث قسم المونتاج الذي كان من ضمن اهتمامات المهندس الشاب (سي ابراهيم الغضاب) مع اهتمامه بالمختبر الخاص بالمؤسسة …

جاءنا يوما سي ابراهيم الى قسم المونتاج وعبّر عن رغبة الادارة في تعيين واحد من مركبي القسم كمسؤول عنه ومساعد اداري لسي ابراهيم ..واضاف: اختاروا انتم زميلا لكم ترتاحون له، حتى تكونوا مسؤولين عن اختياركم …نزل سي ابراهيم الى مكتبه وارتأينا وبالاجماع ان يكون اكبرنا واكثرنا تجربة الزميل واستاذي في دراسة فن المونتاج (الصادق بن عايشة) هو الاجدر بهذا التكليف …ضحك سي الصادق وقال (يعمل الله)… دخل كل واحد منّا الى مقصورة المونتاج ليشتغل حتى الواحدة ظهرا موعد انتهاء الحصة الاولى من العمل اداريا …وهذه على فكرة لم امتثل لها يوما… التوقيت الاداري هو خنق للفن… الفنان هو إلهام او لا يكون ..ومتى كان الالهام مرتبطا بناقوس الساعة ..؟؟ الفنان عندي لا يتحاور مع نواقيس الارض ..الفنان عندي هو من يعدّل ساعته على خيوط الشمس ليقطف منها خيطا يفصّل على مقاسه رائعة “الدخول الى الجنة” لاندريه ريو ..في مرحلة اولى وفي مرحلة ثانية عليه ان يستلهم مما بعد الشمس لتكون له سمفونيته الخاصة به … بصمته ….دنياه مع الاخر حتى يلتقي به ليرتقي …

خرج الجميع وبقيت وحدي كعادتي اشتغل على طريقتي ..قد يكون شغلي وقتها الاستماع الى اغنية علّها تُلهمني فكرة ..قد يكون مشاهدة افلام المانية تاتيننا كهبة من الشركات المنتجة لها وهي في جلّها وثائقية وتبقى عندي لحد الان افضل ما اشاهد الاعمال الوثائقية ..كنت الوحيد الذي لا يرتبط بالواحدة ظهرا خاصة واني اقطن على بعد مائتي متر من دار الاذاعة من جهة… ثم واذكّر متى كان الغداء يعنيني ..؟؟ وهي عادة لازمتني لحد اليوم …فجأة فُتح باب مقصورتي من الخارج واذا بالقادم استاذي وزميلي السيد صادق بن عائشة …سلّم عليّ وقال: نشربو قهوة ..؟؟ وباحترام التلميذ لاستاذه ولاحد اطراف اللجنة التي امتحنتني شفاهيا بعد نجاحي في كتابي مناظرة الدخول الى المؤسسة …نزلنا الى “بيفات” الاذاعة واخذ كل منا قهوته (كابيسان بزايد حليب بالنسبة لي ولحد اليوم ايضا هي قهوتي الوحيدة) …_ وتناول هو “اكسبريس سيريه”… يا بوڨلب!…كيف يتجرعها اصحابها …؟؟

نظر اليّ استاذي وقال: تتذكّر انّو الساعة قلتلكم في ذلك العرض “يعمل الله”؟.اجبته: ايه وشكون خير منّك ؟؟ قللي ثمة شكون خير منّي ..قلتلو: والله يا استاذي لا نشوف بكل صدق وانت تعرفني انو ثمة شكون خير منّك ..قال: لانّو بوك الصادق يعرف انو تلميذو صادق… راك انت هو اللّي خير منّي …؟؟؟؟ لم اقدر على النظر اليه خجلا ..نعم كنّا نخجل ممّن علّمنا ..وسنبقى كذلك الى اخر رشفة من الاوكسجين والى اخر شعاع شمس والى اخر قطرة حب …جذبني اليه وقال: شوف ولدي .انا مشاغلي كثيرة ولي مشاريعي السينمائية الخاصة ولا اجد افضل منك لهذا الموقع ..انت اهل له وجميع زملائك يحبونك جدا ..لذلك ساعتذر في المساء وانا من سيبرشحك لهذا التكليف …تصوروا عبدالكريم ذلك الاصغر سنا ..والاتي من صفاقس والذي عاش دهرا من الجفاء، حاول ان يعدّل ذلك الجفاء بسخاء انساني صادق مع الجميع يقبل به الجميع ..؟؟

نعم ودون اي فيتو، قبِل الجميع ان اكون انا من يمثلهم ويسوس امورهم …هذه الواقعة علمتني اشياء هامة في حياتي لعلّ اولها ..قد لا يقبلك البعض في موقف ما في تصرّف ما في اسلوب ما ..ولكن ثق انّ هدفك عندما يكون زرع القرنفل الوردي عوضا عن العوسج ..وان تكون كلماتك حتى ولو تدرجت من حبّة الدواء البسيطة الى “الانتيبيوتك” كحبّة او كزًريقة موجعة ..وصولا حتى الى الصعقة الكهربائية التي يخضّون بها قلب المريض .. بتلك الكلمات، سيُدرك الاخر يوما انك لم تنفصل عن الانسان وعن حب الانسان… اذ هل يًعقل ان نلوم الطبيب على تلك الصعقة الكهربائية والتي اراد بها اعادة نبض القلب لا اعدامه ..؟؟؟ هذا احد دروس تلك الثقة الموضوعة فيّ يومها وجميع الزملاء يهنئون انفسهم قبل ان يهنئوني باختيارهم لي …امّا انا ورغم سعادتي بتلك الثقة ووالله صدقا قبل الكرسيّ كنت اقول واردد: هذه خطوة صغيرة جدا لمشروعي الحلم …هيمالايا …وستعرفون يوما انه لم يكن يوما اطلاقا كما يتوهمه البعض مشروعا انتهازيا ..وصوليا ..قذرا… بل هو مشروع مبني اساسا على الحلم لما بعد حدود السماء …

(نُشر هذا النص أول مرة يوم 8 مارس 2017 ـ اليوم العالمي للمرأة ـ وها انا اهدي هذه الورقة لاجمل نساء الدنيا… عيادة)

ـ يتبع ـ.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار