تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 90

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

كنت حدّثتكم سابقا عن مخطّطي في مسيرتي المهنية والتي وللتذكير عزمت فيها على تخصيص العشر سنوات الاولى منها للعمل الاذاعي اي من 1980 حتى 1990… والعشرية الثانية للعمل التلفزي كمخرج وهو اختصاصي بعد تخرّجي من المعهد الوطني للعلوم السمعية البصرية بباريس افريل 1979… ثم أنتقل بعدها وكحلم ايّ مخرج للعمل بعد سنة 2000 في دنيا السينما…

عبد الكريم قطاطة

الا انّ تجربتي الاذاعية وما نتج عنها من شغف سحري بالمصدح وباصدقائي المستمعين، جعلني اعدّل بعض الشيء… نعم لم استطع فكّ طلاسم وسحر المصدح الذي احتلّني وارتأيت ان يصبح لي موعد اسبوعي قارّ معه… نعم للعشق احكامه… وفي العشق لزاما علينا ان نكتفي بالقول “وما تشاؤون الا أن يشاء الله إنّ الله كان عليما حكيما” .. نعم كنت اخطّط لذلك وبكل حزم وإرادة وبكل حبّ ايضا، خاصة وقد اصبحت وظيفيا احمل رتبة مخرج… والفضل في ذلك يعود الى الصديق صلاح الدين معاوي رحمه الله حين كان رئيسا مديرا عاما لمؤسسة الاذاعة والتلفزة… والذي حرص وفي وقت قياسي على تسوية وضعيتي وتمكيني من حقي بعد 11 سنة ظلما …

في بداية سنة 1990 بدات في دراسة مشاريع اكون فيها المنتج والمخرج وراء الكاميرا كطبيعة عمل ايّ مخرج… ومرة اخرى ولانّه وما تشاؤون الا ان يشاء الله، وجدت نفسي اعمل تلفزيا ولكن هذه المرة كنت امام الكاميرا كمنشط… اي نعم … كان ذلك عندما اجتاحت تونس فيضانات جانفي 1990… ادارة التلفزة فكّرت في تيليتون لجمع التبرعات لفائدة الجهات المنكوبة ..وهو اوّل تيليتون في تاريخ التلفزة .. وطبعا فكّرت مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية في الاسماء التي ستنشط سهرتي التيليتون ..وعادي جدا ان تختار الاسماء التي تحظى بحيّز جماهيري كبير لتامين البرنامج ..وكان على راس القائمة من تونس الزميل نجيب الخطاب رحمه الله وكنت مرشّح اذاعة صفاقس مع مرشحين اخرين من اذاعة المنستير …

كانت تجربتي الاولى والاخيرة في التنشيط التلفزي وساعطيكم لاحقا تفسير كلمة الاخيرة …في السهرة حرصت ان اكون كما اريد انا لا كما يريد الاخرون ..كنت مثلا الوحيد من بين المنشطين الذي نشّط وهو جالس… نعم وانا لحدّ الان لم افهم لماذا ينشط البعض وهم وقوفب.. التنشيط عندي في مثل هذه المواقع يحتاج الى الهدوء والرصانة اكثر من حاجته للوقوف والتروقيص… وكان مدير اذاعة صفاقس انذاك الزميل محمد عبد الكافي رحمه الله لم يهدأ له بال وهو يراني عكس الاخرين ملتزما بمقعدي ..جاءني مرات ليقنعني ان اقف مثلهم وكان موقفي دائما الرفض حيث كنت اردّ عليه بالقول (ومن قال لك اني اريد ان اكون مثلهم ؟)… ربما موقفي فيه نوع من الغرور قد يراه البعض ولكن كانت ومازالت تلك ثوابتي… انا ابحث لي ولكلّ من تدرّب على يديّ ان تكون لكل منا بصمته الخاصة …

اتذكّر هنا جيّدا احد الشباب الذين تدرّبوا عندي يوما ما وقد جاءني وهو يحكي عن طموحاته واحلامه قائلا (اتمنى ان اكون مثلك يوما ما)… اجبته مباشرة بالقول (اِعتبر نفسك من هذه اللحظة فاشلا)… كانت اجابتي بالنسبة له صدمة… قمت بالطبطبة عليه وقلت له (اريدك ان تكون انت لا نسخة منّي او من ايّ كان ..وقتها ستحقق كل احلامك ووقتها ستكون افضل منّي) … زميلي محمد عبدالكافي رحمه الله يئس منّي وفهم انّو يصب في الدواء في العين العورة …ولا حول ولا قوة الا بالله …

في ذلك التيليتون الذي نجح نجاحا باهرا وقعت اشياء بقيت عالقة في الذاكرة… لاحظت مثلا تدفق العديد من التونسيين بمختلف تركيباتهم الاجتماعية، وهو ما اكّد دوما انّ التونسي للتونسي رحمة وفي كل الازمنة والازمات ..لكن في المقابل لاحظت الغياب الكلّي لحاملي المناصب فتوجهت بالدعوة الصريحة وبكلّ استغراب وعتاب لتلك الشريحة وذكرت مناصبهم (الوزراء والمديرين العامين الخ) ..قلت لهم اينكم .؟ توحشناكم راهو ؟ والمفروض انكم تكونوا السابقين في مثل هذه الحالات حتى تعطوا المثل .. كنت موقنا انّ الدعوة فيها نوع من الجرأة التي قد وقد وقد ..اما بالنسبة لي، فـ”بوزيد مكسي بوزيد عريان” ..انذاك كنت مقتنعا بتدخّلي ذاك فـ”تڨرّعت”… وفوجئت بعدها بعديد المسؤولين الكبار يتسابقون للتبرع ..معناها جابني ربي في الصواب…

مما اتذكره ايضا انّ التيليتون خصص مجموعة من اللوحات الفنية التي تبرع بها اصحابها الرسامين لتكون للبيع بمزاد علني يُرجى من ورائه تدعيم خزينة التبرعات بثمن تلك اللوحات .. صدقا في بداية فتح المزاد العلني لم اكن اتصور ذلك التهافت على شراء اللوحات… نعم كنت جدّ منبهرا بالحصيلة ..لكن ما لفت انتباهي وجود متدخّل دائم من اذاعة المنستير عند بدء عملية المزاد العلني… نعم نفس الاسم وفي كل مرة يضيف رقما مهولا على الرقم الذي سبقه ..فهمت بعد ثلاثة او اربعة تدخلات …منه انّه شخص استُعمل خصيصا للغرض … وانا لا احبّ النفاق عموما وخاصة النفاق الاذاعي ..وهنا تدخلت وبشكل غاضب وقلت لذلك الشخص مستسمحا زميلي نجيب الخطاب في مبادرتي ووقتها وصل ثمن اللوحة الى ملايين ..قلت له (طاح عليك السوم وننتقل الى لوحة اخرى) .. وفصّ ملح وذاب ..ذلك الشخص لم يشتر اللوحة واختفى نهائيا من المشهد … اي نعم احيانا الميادين فيها بعض المنزلقات ..والسيد زلق طاح ما في عينو بلّة … خدموه شوية رقّاص ومشى على روحو…

اعود الان الى تفسير ما معنى كانت التجربة الاولى والاخيرة في العمل تلفزيا امام الكاميرا … عندما وقع اختياري لاكون ممثل اذاعة صفاقس في التيليتون لم اكن صدقا كما يفعل البعض وعادة ما يفشلون… لم اكن فرحا مسرورا وفي قمة سعادتي لترشيحي من اذاعة صفاقس لاقوم بتلك المهمة ..ولكن صدقا ايضا لم اكن رافضا لها ..موقفي كان (وين المشكل نجرّب ونشوف)… لم اكن مهتما بما سيقوله البعض عنّي خاصة في خانة الاعجاب والشكر و المديح وذلك لسببين: اوّلهما انّو اذا حبّوك ارتاح ..والله مهما كانت عيوبك يخخي موش يقولو القرد في عين بوه غزال .. ؟؟ والسبب الثاني انّ عمليّة التقييم والنقد ليست ممكنة لكلّ من هبّ ودبّ ..اي نعم اقرا الان بعض التعاليق على العديد من الزملاء في المسموع والمرئي وابكي لحال هؤلاء .. للمعلّق وللمُعلّق عليه …

سآخذ مثالا على ذلك… اقرا كثيرا في بعض التعاليق عبارات من نوع (انت مبدع او انت مبدعة) لزملاء، الله اعلم كيفاش موجودين امام الكاميرا او وراء المصدح… وأجزم ومن خلال ما تعلمته في كل ما هو سمعي بصري ومن خلال تجربتي، أن ذلك المنشط او تلك المنشطة اللذين يوسّمهما البعض بتوصيفة الابداع لا يستحقان ايّ وجود في الميدان السمعي بصري …تي اصلا من المطر ما تدخلهمش… لذلك وعندما قررت المشاركة في التيليتون، رجوت من بعض الزملاء في وحدة الانتاج التلفزي ان يقوموا بتسجيل البرنامج حتى اعود اليه في الغد لقراءة تجربتي امام الكاميرا… اي نعم… وفعلت… وشاهدت… وبعدها قررت انها ستكون الاخيرة…

عبدالكريم لم يقتنع بعبد الكريم امام الكاميرا ..انا لي قناعاتي في كيف يجب ان يكون المنشط التلفزي لعلّ اولها الحضور والكاريزما ..نعم كنت متاثرا ومقتنعا بعديد المنشطين التلفزيين وشغوفا بهم وخاصة الاوروبيين منهم… وكنت ارى فيهم القدوة شكلا ومضمونا… وعندما قارنت نفسي بهم وجدتني لا علاقة … اييييييه ما اقرب مكة لبوجربوع… مع احترامي لاصدقائي في بوجربوع… اي نعم اعترف بقساوتي في النقد لانّ ايّ نقد لا يحكمه العقل هو عبث ومُلغى بالنسبة لي… اذن يا عبدالكريم يسلّم ولدي سكّر باب التنشيط التلفزي والى الابد راك موش متاعو… واغلقته وللابد…

والشيء بالشيء يذكر… هناك من قام ببعض التجارب من الزملاء في التنشيط التلفزي وعلى قلّتها وتواضعها مازالوا يتباهون بها….اقسم بالله قلّة حياء ومسخرة… حاصيلو عاش من عرف قدره واكاهو…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار