تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 95

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

بعض المدن نزورها ونسكنها مرّة واحدة في العمر … ولكنّها تسكننا العمر كلّه … كما وعدتكم ساخصص هذه الورقة لدمشق لانها تستحق وعن جدارة …

عبد الكريم قطاطة

زيارتي لدمشق الفيحاء او مدينة الياسمين كانت سنة 1996 … كان ذلك اثر اختياري من مؤسسة التلفزة التونسية لامثّل بلدي في دورة تكوينية حول اخراج البرامج والمباريات الرياضية، يشرف عليها الاتحاد العربي للاذاعة والتليفزيون بفرعه في دمشق… كنت سعيدا جدا بهذا التعيين ومشتاقا لدمشق بالذات كواحدة من اقدم العواصم في التاريخ وخاصة كحضن لتاريخ عربي يضجّ بالاحداث… لعلّ ابرزها حين كانت عاصمة للامويين …

عندما نزلت في مطار دمشق اوّل ما لفت انتباهي طريقة حوار السوريين بين بعضهم البعض … كنت مستغربا جدا من علوّ أصواتهم وكان يُخيّل لي انهم في خصام دائم… ثمّ اكتشفت فيما بعد انهم هكذا… ولتقريب الصورة لكم هل تذكرون مسلسل باب الحارة ؟؟ انهم تماما كما في باب الحارة… المشهد الثاني الذي اثار اهتمامي شكل البناءات في دمشق… دمشق حافظت على طابعها المعماري القديم… قليلة هي البناءات من طراز ناطحات السحاب بل لا اذكر انّي رايت واحدة منها… هي كتونس العاصمة او سوسة او صفاقس داخل الاسوار… لكن دمشق هي كما هي داخل الاسوار او خارجها … المنازل الدمشقية تشبه كثيرا منازلنا وابراجنا القديمة… هي غير مغطاة ومزدانة بغراسات الازهار المتسلقة للحيطان داخلها ومن بينها الياسمين …

في المطار استقبلتني السيارة التابعة للاتحاد العربي للاذاعة والتليفزيون واوصلتني الى نزل في قلب دمشق… وقال لي الاخ السوري هذا هو النزل الذي بتعامل معه الاتحاد العربي ولكنك لست مجبرا على السكنى فيه ..وغدا سآتيك صباحا لاخذك لمكان التدرب … النزل كان من نوع النزل القديمة عندنا في المدينة العتيقة ..متواضع للغاية ولكنّه مريح … دمشق تتوسطها ساحة اسمها ساحة المرجة… وفيها عديد المتاجر وعديد المطاعم… وما يكاد الواحد يخطو بعض الخطوات حتى تملأ انفه رائحة لم اعرفها في البداية… ولكن لاني متعود ان اسال عن كل ما اراه او اسمعه او ما اشمّه اكتشفت انّ السوريين لا يستعملون الا السمن في اطعمتهم عوضا عن الزيت… واكتشفت ايضا انّ الزبون في ايّ مطعم يطلب ما لذّ وطاب وباثمان زهيدة للغاية…

ثمّ اكتشفت فيما بعد بالنسبة لنا كزوار ان كل شيء زهيد الثمن بما في ذلك الذهب والجواهر، وكم هو الفستق السوري مثلا مدهش اولا من حيث الحجم، تقولشي كعبة فول… ومن حيث الثمن… وحتى اقرّب لكم الامر يثمن مائة غرام فستق في تونس يمكن لك شراء كيلوغرام … لكن بالنسبة للسوري عموما فانّه لا يقدر على التمتّع بعديد الاشياء في حياته نظرا لدخله الشهري المتواضع جدا… لكن مقابل ذلك كان النظام السوري يقوم بدعم كل المواطنين دون استثناء في ثلاثة مرافق… الكهرباء والهاتف والماء… هذه المرافق كانت مجانية بالنسبة للمواطن السوري (زيدو قولو آل بشّار مشومين)… خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار موقع سوريا كبلد مجاور لاسرائيل، والميزانية المخصصة لوزارة الدفاع السورية ..

لكن وللامانة العلمية نظام بشار كان نظام مخابرات بامتياز … حيث بين البوليس السرّي والبوليس السرّي نجد بوليسا سرّيا… هذا الواقع عشته عندما كان معنا في التدورة التدريبية احد السوريين… نشأت بيني وبينه علاقة ود حميمة وكان يجيب عن اسئلتي دون خوف او وجل… ولكن ومنذ الايام الاولى حذّرني من امر هام… اسرّ لي بانه يمكن ان اعيش بامن وامان اذا الجمت لساني عن الحديث في السياسة… هذا اولا وثانيا طلب منّي بكلّ ودّ ان لا اتجاذب معه في حضور سوري اخر اطراف الحديث عن السياسة … مما اثار دهشتي ايضا في دمشق ميزة ما وجدتها الا في المدينة المنورة… السوري تاجر جميل وذكي جدا… يستقبلك اينما كنت في سوق الحميدية مثلا (وهو اشهر اسواق دمشق) بالمرحبا وعالسلامة ويودعك بنفس الحرارة حتى ولو انزلت كلّ بضاعة دكانه ولم تشتر شيئا …

لم تتجاوز اقامتي بالنزل اكثر من يومين حيث اقترح عليّ بعض الاشقاء العرب مشاركتهم السكنى في المنزل الذي اكتروه للغرض … وقبلت وبكل ترحاب لانّ ثمن ليلة واحدة في النزل يساوي ثمن اسبوع كامل مع الاشقاء .. لكنّ الامر لم يدم طويلا ..لسببين… اولهما هو انني واثناء درس تطبيقي في الدورة عبرت عن اعجابي بما قدمه شقيق كويتي ..وهو ما اثار حفيظة وقلق بعض الاشقاء خاصة من الاردن واليمن… اي نعم كيف لي ان امدح عمل كويتي ؟؟ ارتأوا في الامر غرابة… الكويتي بالنسبة لهم “نذل من انذال العرب” اذن من العيب ان نمتدح ما يقدّم من اعمال .. نعم وانا كنت ومازلت ارفض مثل هذه المواقف ..وللامانة لي ولحدّ الان من الاصدقاء من يقلقون اذا تحدثت عن شخص لا يرون فيه الا الجانب الاسود … ربي يشفيهم ..

السبب الثاني الذي جعلني اغيّر موقع اقامتي، اتّصال احد مستمعيّ بي وهو مقيم كطالب في دمشق ليعرض عليّ السكنى بمنزله الذي يتسوغه مع تونسي اخر… هذا الصديق هو زميلي الان فيصل القاسمي… ورفض هذا الزميل وصديقه ان اقاسمهما ثمن إيجار المنزل… اي اتممت مشوار اقامتي ضيفا بينهما… شكرا فيصل وشكرا لصديقه الذي ابى الا ان يتحوّل معي الى المطار يوم عودتي من دمشق… يومها الديوانة السورية وكضريبة عن وزن المحمولات التي عندي، طالبتني بدفع مائة دولار… ولم يكن وقتها بمقدوري ذلك… تقدّم هذا الصديق وسدّد المبلغ وقبلت الامر شريطة ان اعيده الى احد افراد عائلته في تونس وكان ذلك…

دمشق هي مدينة تفوح بتاريخها وبمعالم تاريخها… ففيها ضريح صلاح الدين الايوبي بطل تحرير القدس وكيف لا ازوره والثم ضريحه… خاصة في زمننا هذا الذي قلّ فيها الرجال الابطال… وفيها الجامع الاموي الذي بناه عبد الملك بن مروان… هذا الجامع اكتشفته واكتشفت عظمته ليلا عندما دعاني صديقي السوري لقضاء سهرة باحد ملاهي دمشق … مكان ذلك الملهى كان بضاحية من ضواحي دمشق (هضبة قاسيون) والتي يقال عنها انها كانت مهبط ادم على الارض… طريقها جبلي تشبه لحد كبير الطريق الجبلية الرابطة بين اميلكار وسيدي بوسعيد… وهذه الطريق تُسمى شارع العشاق… وهو اسم على مسمّى… نعم هنالك “يتكوبل” السويرون لكي يهضموا ما اكلوه في عشائهم… او لكي ينعموا باطباق لذيذة من اطعمة العشق… وكل كوبل لاهي في نوّارو… وعلى عينك يا بنّاني… لو راتهم احدى جداتنا او امهاتنا لقلن عنهم (وفات الحشمة والجعرة اللطف)… الحشمة افهمها اما (الجعرة) فتبقى عندي كلمة مبهمة …

الملهى الدمشقي وكسائر الملاهي غربّية كانت ام عربيّة بما في ذلك الموجودة في مكة هذه الأيام… فيها ايضا ما لذّ وطاب من الاطعمة والمشروبات البريئة وغير البريئة وفيه ايضا العديد من المؤنسات… على شاكلة اخت سعيد صالح في العيال كبرت واللي تفتح للزبائن… لكن ما لفت انتباهي عند وصولي مع الصديق السوري ان حرّاس الملهى قاموا بالتحيّة العسكرية لهذا الصديق السوري ثمّ وبعد انقضاء السهرة لم ندفع لو ليرة واحدة سورية … وعندما نظرت اليه فهم انني عرفت من هو وابتسم كلانا لصاحبه دون كلمة واحدة… اي نعم هو كان احد اعوان المخابرات الذي رافقنا على امتداد الـ 21 يوما التي قضيتها في دمشق …

دمشق عشتها بكلّ عشق ..لانّها مدينة تتعلّق بك ربما اكثر مما تتعلّق بها… عانت الكثير عبر تاريخها ويبدو انّ قدرها المعاناة الدائمة… تذكّروا فقط ما فعله الدواعش فيها وبها ايّام كذبة الربيع العربي… قد نتفق مع آل الأسد او نختلف ولكن وتلك هي قناعتي… لو كان من يحكمها اثناء كذبة الربيع العربي عمر بن عبد العزيز لحدث لها ما حدث مع بشار…

23 اوت 2024

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار