أسماء القرى والمدن الفلسطينية المُلحقة عام 1948 بالكيان الغاصب والمُفتكّة عام 1967 والجاري تدنيسها اليوم هي الشاهد الأكبر على فلسطين البدايات، وهي بيوت الأجداد التي يحتفظ أحفادهم بمفاتيحها من وراء الأسلاك وقضبان الزنازين ومداخل المخيّمات. لا أعتقد شخصيا أنه من باب الذاتيّة الموغلة في أنانيّتها أو من قبيل التباهي النرجسي أن تكون القرى هناك حاملة لأسماء بهيجة وفاتنة قبل أن يغيروا أسماءها إلى أسماء عبرية تبدو قميئة وعدوانية.
<strong>منصف الخميري<strong>
ففي البدء كانت فلسطين، ليّنة في نطقها ومرنة في استدارة حروفها وينفتح اسمها على رائحة “الفل” لينغلق على أديم “الطين” الذي به قُدّت جدران المسجد الأقصى بالقدس وكنيسة المهد في بيت لحم. أما إسرائيل فتُحيل مباشرة على الأسر والكسر (فيأول اسمها الذي صُنع صنعا بعد ميلاد والدي) وتُنطق على وزن ملك الموت عزرائيل وما استفردت بعربي فلسطيني إلا وفعلت الأفاعيل.
أما القرى والمدن الفلسطينية فإليكم بعض الأمثلة التي تؤكّد فكرة أن المهجة التي صنعت أسماءها كانت مغموسة برذاذ البحر في المرافئ القديمة ورحيق الليمون وذهب الزيتون، وكانت مُدبّجة بأهازيج الأعراس وأفراح الناس، وكانت مُعطّرة بالأساطير الكنعانيّة الضّاربة في التّاريخ وحكايـا الصّبايا وبيادر الفلاحين والألبسة المُطرّزة وحِكمة الصيّادين.
فهذه بيسان، إسمها مثل بستان وريحان ولمعان ينعش الناظرين والزائرين. تمرّس أهلها بالصناعات التقليدية اليدوية، خاصة صناعة الغزل والنسيج، وتعبق مروجها بالنخيل والكروم والثمار والحبوب. وبيسان مدينة قديمة كان يطلق عليها اسم لسان الأرض، وبها عين الفلوس التي تقول عنها الأسطورة إنها من الجنة.
وتلك يافا ببرتقالها وليمونها ومنسوجاتها وأوانيها الفاخرة. قال عنها الشاعر :
إن كان لي في الدنيا رفيقة
فأنا لا أهوى في الدنيا سوى يافا العتيقة
جدرانها السود والقناطر علمتني
كيف الغزل بين عاشقٍ والعشيقة
أما حيفا مدينة التوت والقمح والأرجوان، والواقعة بين الرملة والكرمل، فقد منحها الميناء مدى كونيا لا ينتهي وأكسبها جبل الكرمل إبهارا مشهديا نادرا… هذا الجبل الذي أهدى اسمه للحوليّات وقصائد الشعراء.
والخليل، لقّنت الإنسانية دروسا في النظافة لأنها مدينة صنع الصابون منذ القدم (لما كان الغرب يغرق في فضلاته إلى غاية القرن الثامن عشر) إلى جانب تخصّص متساكنيها بغزل القطن وصناعة الزجاج ودباغة الجلود. وهل ثمة مفردة في العربية تنبض بمعاني الصداقة والودّ والألفة والمحبة والخلّة والمعاشرة كما تنبض بها كلمة الخليل ؟
من ناحيتها تتفرّد القدس بكونها رمز للقداسة والطهورية والجلالة وهي أرض الأنبياء والقدّيسين.
وصاحبات الجلالة جنين وعكا وصفد وطبرية والرملة والناصرة وطولكرم هي أسماء مرجانية صيغت على مهل في بيئة مستقرة يتكئ أصحابها على علاقة وجدانية بالأرض وانغراس عميق في تجاعيد الجبال وتماه مطلق مع خصوصيات الأرض والتلال.
أنظروا أجداد الفلسطينيين كيف كانوا يسمّون قراهم ومداشرهم : كفر برعم وكفر عنان وكويكات والمنشية والمنصورة والأشرفية والبيرة وعرب الصفا وكوكب الهوا وبعلين وبيت دارس …أسماء ناعمة تُغريك أصالتها وتتمنى زيارتها عندما تنقلب الموازين وتنزع عنها أسماءها الفاحشة التي كُتبت حروفها بالدم ودقيق عظام الأطفال المطحونة.
في قطاعات أخرى من فلسطين، تعترضك قرى ثانية بأسماء أخّاذة وساحرة مثل تل الترمس وحمامة وسمسم وكوكبا والمجدل والمسمية الصغيرة ونجد وياصور وأم الزينات وأم الشوف وبلد الشيخ ودالية الروحاء والريحانية والسنديانة والسوامير والطيرة وعين غزال والمزار والنغنغية… ربما لم تعترضنا هذه الأسماء البتّة من قبل، لكن مجرد نطقها يعطيك الانطباع بأنها مألوفة وتربطنا بها صلة وجدانية خفيّة إلى درجة يخيّل إليك أنه لو كان التواصل الجغرافي مباشرا بين فلسطين وتونس لأنهينا تعداد هذه القائمة بأسماء قرى من هنا من قبيل ريحانة وجبل السرج وزهرة مدين وفرنانة والحبيبية ومحبوبين وعين سلطان ووادي الزبيب وكاف الحمام، إلخ…
وننهي بهذه السلسلة الأخيرة من العناوين المحفورة بعناية في سجلاّت الذاكرة الجماعية والشاهدة على أن الحبر الذي كتبوا به الأسماء الجديدة ليس من النوع السرمدي الذي لا يمّحي لأنه حبر زائف وزائل بمجرد غروب قبّة الهواء التي تحمي صانعيه. لقد صنع الأجداد أسماء نقيّة مثل تل الصافي وزيتا والقبيبة في قضاء الخليل والعباسية وبيار عدس والحرم ورنتيّة وإجليل الشمالية في قضاء يافا، والقسطل ودير ياسين وعين كارم ودير الهوى في قضاء القدس، واللجون والمزار ونورس في قضاء جنين، والمجيدل ومعلول في قضاء الناصرة… أسماء ستعود حتما إلى أوكارها يوما، فــ “بيوتهم قشّ وزجاجهم هشّ …وإن شرّدوا طيرا يمضي له العشُّ” كما قال شاعرنا الأبيّ أولاد أحمد.
أسماء المستوطنات، لا جمال فيها ولا محسّنات
مقابل أسمائنا الملطّفة والمنتقاة حروفها من أكاليل الزهور وطيب الزعتر والرمّان، نجد أسماء خشنة بأحرف جارحة وبمعان لا ندركها لكنها لا تبعث على الاطمئنان، لأن مجرد سماعها يخدش الأذن ويدعونا للاستنفار وكأنها صفّارات للإنذار، مثل أرجمان وأفيقيم وإيليعازر وتكواع وآلون شيفوت وبنيامين بكعوت وأليشا ناحال واين هوجلا وعيناف وأفخين عضرطوط وعيتص إفراييم وجفعوت وجفعون حاداشا وقرنية شمرون وكوخاف هشاحر وجفعات زئيف وغاديد ونتسار حازاني الخ… (كلها أسماء حقيقية لمغتصبات صهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة).
أعترف أيضا، ودائما، وبلا هوادة، بأن هذه النظرة التي غذّيتها في هذه الورقة إزاء الأسماء التاريخية للقرى والمناطق الفلسطينية والأسماء الطارئة عليها، هي نظرة منحازة وغير حياديّة بالمرة وتخيّرت فيها ما شئت من الأسماء وفقا لمزاج آنيّ ملتاع، لكنها رؤية فيها شيء من الموضوعية والوجاهة لأن الأسماء لها ماض وتاريخ وهي مثل الصخر تماما يصقلها هبوب الرياح ويُرقّقها جريان المياه على مرّ السنين… فتغدو نِتاجا طبيعيا لجملة من الاعتمالات والانفعالات لا يمكن أن تكون حاضرة لدى “شخص بولوني الجنسية من أم أوكرانية الأصل وأب مجري استقدموه ليصبح مستغلا فلاحيا في كيبوتزات الكيان” على أرض لم يتربّ على نسغ أشجارها وإنشاد طيورها ورمل شواطئها ولا نجوم سمائها وشُهُبها.
لتأكيد ذلك، إليكم ما قاله بول كلاين في مقال له بعنوان “تغيير الأسماء في إسرائيل” الصادر بالمجلة العالمية لدراسة أسماء الأعلام Revue Internationale d’Onomastique في ديسمبر 1951 :
“منذ الأيام الأولى لوجودها، أمرت الحكومة المؤقتة لدولة إسرائيل المواطنين الذين يحملون أسماء أجنبية بالتخلي عنها والاتصال فورا بمصلحة مختصة في وزارة التربية والثقافة من أجل تخيّر اسم أنيق وملائم ويكفي من أجل ذلك توجيه مطلب إلى وزارة الهجرة مقابل رسوم زهيدة تُدفع مرة واحدة بالنسبة إلى كل عائلة…”
وهي حقائق تؤكد أن معركة الأسماء هي معركة موازية رافقت كامل مسار الاحتلال والاستيطان وأن أقدم اسم لديهم لا يتجاوز مداه التاريخي عُمُر كتاب أبو القاسم الشابي “أغاني الحياة” أو ملزومة “الصبر لله والرجوع لربّي” للشاعر عبد الرحمان الكافي لدينا.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.