تابعنا على

جور نار

أساميها… شُو تعْبو أهاليها *

نشيد لأجمل القرى والمدائن في مواجهة التدنيس والتدليس

نشرت

في

أسماء القرى والمدن الفلسطينية المُلحقة عام 1948 بالكيان الغاصب والمُفتكّة عام 1967 والجاري تدنيسها اليوم هي الشاهد الأكبر على فلسطين البدايات، وهي بيوت الأجداد التي يحتفظ أحفادهم بمفاتيحها من وراء الأسلاك وقضبان الزنازين ومداخل المخيّمات. لا أعتقد شخصيا أنه من باب الذاتيّة الموغلة في أنانيّتها أو من قبيل التباهي النرجسي أن تكون القرى هناك حاملة لأسماء  بهيجة وفاتنة قبل أن يغيروا أسماءها إلى أسماء عبرية تبدو قميئة وعدوانية.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

ففي البدء كانت فلسطين، ليّنة في نطقها ومرنة في استدارة حروفها وينفتح اسمها على رائحة “الفل” لينغلق على أديم “الطين” الذي به قُدّت جدران المسجد الأقصى بالقدس وكنيسة المهد في بيت لحم.  أما إسرائيل فتُحيل مباشرة على الأسر والكسر (في أول اسمها الذي صُنع صنعا بعد ميلاد والدي) وتُنطق على وزن ملك الموت عزرائيل وما استفردت بعربي فلسطيني إلا وفعلت الأفاعيل.

أما القرى والمدن الفلسطينية فإليكم بعض الأمثلة التي تؤكّد فكرة أن المهجة التي صنعت أسماءها كانت مغموسة برذاذ البحر في المرافئ القديمة ورحيق الليمون وذهب الزيتون، وكانت مُدبّجة بأهازيج الأعراس وأفراح الناس، وكانت مُعطّرة بالأساطير الكنعانيّة الضّاربة في التّاريخ وحكايـا الصّبايا وبيادر الفلاحين والألبسة المُطرّزة وحِكمة الصيّادين.

فهذه بيسان، إسمها مثل بستان وريحان ولمعان ينعش الناظرين والزائرين. تمرّس أهلها بالصناعات التقليدية اليدوية، خاصة صناعة الغزل والنسيج، وتعبق مروجها  بالنخيل والكروم والثمار والحبوب. وبيسان مدينة قديمة كان يطلق عليها اسم لسان الأرض، وبها عين الفلوس التي تقول عنها الأسطورة إنها من الجنة.

وتلك يافا ببرتقالها وليمونها ومنسوجاتها وأوانيها الفاخرة. قال عنها الشاعر :

إن كان لي في الدنيا رفيقة

فأنا لا أهوى في الدنيا سوى يافا العتيقة

جدرانها السود والقناطر علمتني

كيف الغزل بين عاشقٍ والعشيقة

أما حيفا مدينة التوت والقمح والأرجوان، والواقعة بين الرملة والكرمل، فقد منحها الميناء مدى كونيا لا ينتهي وأكسبها جبل الكرمل إبهارا مشهديا نادرا… هذا الجبل الذي أهدى اسمه للحوليّات وقصائد الشعراء.

والخليل، لقّنت الإنسانية دروسا في النظافة لأنها مدينة صنع الصابون منذ القدم (لما كان الغرب يغرق في فضلاته إلى غاية القرن الثامن عشر) إلى جانب تخصّص متساكنيها بغزل القطن وصناعة الزجاج ودباغة الجلود. وهل ثمة مفردة في العربية تنبض بمعاني الصداقة والودّ والألفة والمحبة والخلّة والمعاشرة كما تنبض بها كلمة الخليل ؟

من ناحيتها تتفرّد القدس بكونها رمز للقداسة والطهورية والجلالة وهي أرض الأنبياء والقدّيسين.

وصاحبات الجلالة جنين وعكا وصفد وطبرية والرملة والناصرة وطولكرم هي أسماء مرجانية صيغت على مهل في بيئة مستقرة يتكئ أصحابها على علاقة وجدانية بالأرض وانغراس عميق في تجاعيد الجبال وتماه مطلق مع خصوصيات الأرض والتلال.

أنظروا أجداد الفلسطينيين كيف كانوا يسمّون قراهم ومداشرهم : كفر برعم وكفر عنان وكويكات والمنشية والمنصورة والأشرفية والبيرة وعرب الصفا وكوكب الهوا وبعلين وبيت دارس …أسماء ناعمة تُغريك أصالتها وتتمنى زيارتها عندما تنقلب الموازين وتنزع عنها أسماءها الفاحشة التي كُتبت حروفها بالدم ودقيق عظام الأطفال المطحونة.

 في قطاعات أخرى من فلسطين، تعترضك قرى ثانية بأسماء أخّاذة وساحرة مثل تل الترمس وحمامة وسمسم وكوكبا والمجدل والمسمية الصغيرة ونجد وياصور وأم الزينات وأم الشوف وبلد الشيخ ودالية الروحاء والريحانية والسنديانة والسوامير والطيرة وعين غزال والمزار والنغنغية… ربما لم تعترضنا هذه الأسماء البتّة من قبل، لكن مجرد نطقها يعطيك الانطباع بأنها مألوفة وتربطنا بها صلة وجدانية خفيّة إلى درجة يخيّل إليك أنه لو كان التواصل الجغرافي مباشرا بين فلسطين وتونس لأنهينا تعداد هذه القائمة بأسماء قرى من هنا من قبيل ريحانة وجبل السرج وزهرة مدين وفرنانة والحبيبية ومحبوبين وعين سلطان ووادي الزبيب وكاف الحمام، إلخ…

وننهي بهذه السلسلة الأخيرة من العناوين المحفورة بعناية في سجلاّت الذاكرة الجماعية والشاهدة على أن الحبر الذي كتبوا به الأسماء الجديدة ليس من النوع السرمدي الذي لا يمّحي لأنه حبر زائف وزائل بمجرد غروب قبّة الهواء التي تحمي صانعيه. لقد صنع الأجداد أسماء نقيّة مثل تل الصافي وزيتا والقبيبة في قضاء الخليل والعباسية وبيار عدس والحرم ورنتيّة وإجليل الشمالية في قضاء يافا، والقسطل ودير ياسين وعين كارم ودير الهوى في قضاء القدس، واللجون والمزار ونورس في قضاء جنين، والمجيدل ومعلول في قضاء الناصرة… أسماء ستعود حتما إلى أوكارها يوما، فــ “بيوتهم قشّ وزجاجهم هشّ …وإن شرّدوا طيرا يمضي له العشُّ” كما قال شاعرنا الأبيّ أولاد أحمد.

أسماء المستوطنات، لا جمال فيها ولا محسّنات

مقابل  أسمائنا الملطّفة والمنتقاة حروفها من أكاليل الزهور وطيب الزعتر والرمّان، نجد أسماء خشنة بأحرف جارحة وبمعان لا ندركها لكنها لا تبعث على الاطمئنان، لأن مجرد سماعها يخدش الأذن ويدعونا للاستنفار وكأنها صفّارات للإنذار، مثل أرجمان وأفيقيم وإيليعازر وتكواع وآلون شيفوت وبنيامين بكعوت وأليشا ناحال واين هوجلا وعيناف وأفخين عضرطوط وعيتص إفراييم وجفعوت وجفعون حاداشا وقرنية شمرون وكوخاف هشاحر وجفعات زئيف وغاديد ونتسار حازاني الخ… (كلها أسماء حقيقية لمغتصبات صهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة).

أعترف أيضا، ودائما، وبلا هوادة، بأن هذه النظرة التي غذّيتها في هذه الورقة إزاء الأسماء التاريخية للقرى والمناطق الفلسطينية والأسماء الطارئة عليها، هي نظرة منحازة وغير حياديّة بالمرة وتخيّرت فيها ما شئت من الأسماء وفقا لمزاج آنيّ ملتاع، لكنها رؤية فيها شيء من الموضوعية والوجاهة لأن الأسماء لها ماض وتاريخ وهي مثل الصخر تماما يصقلها هبوب الرياح ويُرقّقها جريان المياه على مرّ السنين… فتغدو نِتاجا طبيعيا لجملة من الاعتمالات والانفعالات لا يمكن أن تكون حاضرة لدى “شخص بولوني الجنسية من أم أوكرانية الأصل وأب مجري استقدموه ليصبح مستغلا فلاحيا في كيبوتزات الكيان” على أرض لم يتربّ على نسغ أشجارها وإنشاد طيورها ورمل شواطئها ولا  نجوم سمائها وشُهُبها.

لتأكيد ذلك، إليكم ما قاله بول كلاين في مقال له بعنوان “تغيير الأسماء في إسرائيل” الصادر بالمجلة العالمية لدراسة أسماء الأعلام Revue Internationale d’Onomastique في ديسمبر 1951 :

“منذ الأيام الأولى لوجودها، أمرت الحكومة المؤقتة لدولة إسرائيل المواطنين الذين يحملون أسماء أجنبية بالتخلي عنها والاتصال فورا بمصلحة مختصة في وزارة التربية والثقافة من أجل تخيّر اسم أنيق وملائم ويكفي من أجل ذلك توجيه مطلب إلى وزارة الهجرة مقابل رسوم  زهيدة تُدفع مرة واحدة بالنسبة إلى كل عائلة…”

وهي حقائق تؤكد أن معركة الأسماء هي معركة موازية رافقت كامل مسار الاحتلال والاستيطان وأن أقدم اسم لديهم لا يتجاوز مداه التاريخي عُمُر كتاب أبو القاسم الشابي “أغاني الحياة” أو ملزومة “الصبر لله والرجوع لربّي” للشاعر عبد الرحمان الكافي لدينا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مستلهمة من أغنية تؤدّيها فيروز من كلمات جوزيف حرب وألحان فيلمون وهبة:

أسامينا
شو تعبوا أهالينا تلاقوها
وشو افتكروا فينا.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار