وصلت المباراة الحربية التي دارت خلال المرحلة الأولى إلى وضع أسس تمهد إلى ما يمكن تسميته بأم المعارك، بعد أن أبلت الجيوش الإيرانية البلاء الحسن وأثبتت تصميمها على الدفاع المستميت عبر استراتيجية حربية ذكية ومدروسة جيدا.
ويذكر أنه سبق لإيران أن أنذرت الجميع بحجم ردها حتى قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على عدد كبير من مدنها وعاصمتها وحتى مدرسة لبناتها حيث استشهد العشرات تحت نار العدوان و اغتيل عدد من أعضاء حكومتها، في عمليات لا تقل فظاعة عما تعرضت له، على نفس الأيدي الآثمة، دول كالعراق وليبيا ومنذ زمن غير بعيد فينزويلا، وفي كل هذه المناسبات عمدت الولايات المتحدة إلى اغتيال كل من يرفع الرأس ويشق عصا الطاعة، او إلى خطف كل من يحاول اختراق مربع الشر،
وكعادتهم في ضرب رمزيات وانتقاء تواريخ لها دلالتها، اغتال الأمريكان في الايام الأولى من شهر رمضان اية الله خامنئي رمزا دينيا و سياسيا للشعب الإيراني، تماما مثلما اعدموا سابقا صدام حسين يوم عيد المسلمين، فكان الرد الإيراني استراتيجيا بالمفهوم العسكري والأمني والاقتصادي والسياسي حيث نجح في في كيل ضربات موجعة جدا للكيان تميزت عن سابقاتها في حرب الـ12 يوما بمتغيرات جديدة عصرية فتاكة لا توقفها الصواريخ أو الطائرات او “قباب أيوب”، كما هاجمت جل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة بالخليج والعراق والأردن بالإضافة إلى القطع البحرية وحاملات الطائرات للإشعار بقدراتها الهائلة في دك حصون أكبر دولة في العالم
أم المعارك قيد التحضير
لقد استشعر الامريكان إمكانية الدخول في حرب استنزاف قد تؤدي إلى مخلفات و اضرار وخسائر بشرية قد تفوق ما عايشته بافغانستان، خاصة إلى تقليص حضورها بالخليج العربي و البحر الأحمر ومضيق هرمز وطريق الحرير كما ينعت تاريخيا. بالإضافة إلى مصادر الغاز والبترول الاستراتيجية. بينما كانوا يأملون في تسديد ضربات لإيران سريعة محدودة الزمن فانطلق في تعديل ساعاته دعم غربي مثل فرنسا و إنجلترا و وإيطاليا وجميعها أبدت استعدادها للانضمام إلى الكيان والولايات المتحدة لتدمير إيران عبر تفوق عسكري واضح ضد بلد تحمل الحصار عشرات السنين والاعتداء على ترابه بتعلة مشابهة لتعلة ضرب جاره العراق في السابق.
وحسب نظرنا وطبقا لبعض المعطيات والتحاليل واستشراف الأحداث بمنطلقات عقلانية، ستعيش المنطقة أحد السيناريوهين التاليين:
تزداد الضغوط الداخلية على الرئيس ترامب من ناحية والتدخلات العالمية المتعددة للوصول إلى وقف القتال و الجلوس إلى مفاوضات جدية حول مسألة تخصيب اليورانيوم بإيران، لكن بمنطلقات جديدة بحضور الأمم المتحدة.. وقد تستمر هذه المفاوضات أشهرا يتم فيها استبعاد شبح الحرب ورفع الحصار الاقتصادي عن إيران وضمان فتح المسالك البحرية العالمية. وقد ينطلق هذا السيناريو إثر ضربات متعددة و موجعة لإيران و الكيان معا.
أما السيناريو الثاني فهو تعنت ترامب وتصميمه على تدمير إيران ورفعها العلم الأبيض أو الوصول إلى فرض سلطة جديدة على المقاس (نجل شاه إيران مثلا) لضمان السيطرة الاستراتيجية على الخليج وقطع الطريق أمام الصين وروسيا وإفقادهما حليفا مهمّا ومزوّد طاقة ونفوذ… لكن السؤال: ماذا عن موقف هاتين القوتين من الأحداث؟ لا أظن أنهما ستتحركان، فتوقيت مواجهتهما أمريكا والغرب لم يحن بعد.
منذ حوالي شهر أو أكثر تتابعت الحرب النفسية على جل القنوات الحافلة بالخداع الأمريكي والصهيوني عبر اجتماعات لمناقشة اتفاقيات وقف تخصيب النووى الإيراني. وقد شهدت هذه الاجتماعات عناوين استعمارية ذات شروط مجحفة أو تعجيزية وتبين أنها كانت تهدف فقط لربح وقت كفيل بإعداد حرب مدمرة ضد إيران.
الإيرانيون لعبوا بدورهم لعبة خداع خصومهم واستغلوا الوقت لاقتناء مزيد من الأسلحة المتطورة واستكمال التنسيق ووسائل الاستخبارات الكافية مع الصين وروسيا، ولم تفتهم قرارات الولايات المتحدة والكيان المتعلقة بضربهم وحاولوا جاهدين الاستعداد لذلك. ورغم تلويحهم بالرد القوي فإنهم عجزوا عن استباق ضربات الكيان والامريكان لعدد من المدن والمنصات الصاروخية ومراكز السلطة بالعاصمة. ولعل سر نجاح هذه الضربات قد تمثل في استثمار الأمريكان والإسرائيليين لمتابعات ومعلومات عن تحركات قيادة إيران اعتمادا على التكنولوجيا وعلى جواسيس مطلعين جدّا مما سهّل ضرب عدد من الأهداف بدقة وخاصة اغتيال أهم القيادات الإيرانية ومنها المرشد الأعلى آية الله خامنئي رغم الاحتياطات الأمنية التي من المعتاد اتخاذها.
ومع ذلك ردت إيران خلال اليومين الماضيين خاصة وبسرعة فائقة على هجوم الكيان والولايات المتحدة وايضا بنجاعة وفاعلية تنفيذا لمعطياتها الاستخبراتية حول القواعد العسكرية بدول الخليج والأردن والعراق مع تركيز هائل على عدد من المدن بفلسطين المحتلة منها تل أبيب والقدس، مستعملة صواريخ لا تقف أمامها قبة حديدية أو صواريخ مضادة.
لقد أثبت الإيرانيون زيادة على ذلك قدرتهم على خوض حرب استراتيجية تم التحضير لها بدقة وتعتمد على ضرب القواعد الأمريكية في جل الأماكن بالخليج (قطر_، الامارات، البحرين، السعودية) بالإضافة إلى الأردن والعراق. حيث تم تسجيل نجاحات واضحة رغم كل الاحتياطات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية لإخلاء تلك القواعد من العسكريين. ويهدف الإيرانيون استراتيجيا وسياسيا إلى توسيع الحرب بشكل كاف لإشعار البلدان المحتضنة للقواعد بأنها تدفع ثمن ذلك من أمنها واقتصادها، كما قد تقطع الطريق عن تزويد الجيش الأمريكي بإمدادات السلاح.
نادرة…على هامش حرب الخليج الثالثة:
لعل مما يدعو إلى الاستغراب وحتى الضحك، ما وقع بالكويت من انطلاق طائرات أف35 من قاعدة أمريكية لضرب إيران فإذا بالصواريخ القديمة التي جهزت بها أمريكا الكويت يتم استعمالها خطأ فتقوم بإسقاط اربع طائرات أمريكية بالأراضي الكويتية. فجن جنون الأمريكان قبل أن يتم تحديد مصدر الضربة الخاطئة.
حيلة إيرانية:
رغم ان إيران دفعت و قد تدفع مزيدا من الثمن مع استمرار الحرب لكنها لعبت بالمخابرات العسكرية ورادارات الطائرات حين أحضرت آلاف اللُعب البلاستيكية على شكل عربات عسكرية موزعة في بعض الأماكن الاستراتيجية ومملوءة بالمواد المشتعلة ضربها الصهاينة والأمريكان على أنها أرتال عسكرية تم حرقها، وكان هدف الإيرانيين استنزاف ذخائر الطائرات المعادية وتضليلها عن قصف المناطق العسكرية الحقيقية.
لم تكن إثيوبيا خلال تاريخها معادية بشكل لافت للمنطقة العربية خاصة مع بدء العهد الإسلامي، ولكن في القرن الماضي وحكم (الامبراطور) “هيلا سيلاسي” تغيرت المعطيات جراء تمرد القبائل داخليا ومعركة استقلال إريتريا عن أديس أبابا.
لقد بدأت علاقات إثيوبيامع الكيان الصهيوني منذ حكم “هيلاسي لاسي” الذي لقي مساعدات عسكرية ولوجستية للسيطرة على الانتفاضات الداخلية أو في حربه على أريتريا. لكن الصورة انقلبت في ما بعد لتستولي طغمة فاسدة على حكم أريتريا وتحوّلها بدورها من الحاضنة التحررية العربية إلى أحضان الكيان الإسرائيلي الغاصب. هذا التعاون بين الكيان وأريتريا تدعم خلال العشر سنوات الأخيرة بامتداد التأثير الصهيوني إلى أكثر بلدان شرقي إفريقيا وربط علاقات اقتصادية وعسكرية معها.
ولعل أهم خطة عدوانية توفق الكيان في إقناع سلطة إثيوبيا بها لضرب السودان و مصر تتجسم في إنجاز سد “النهضة” قرب الحدود مع السودان، رغم أن النيل الأزرق الذي بُني عليه يجتاز كامل إثيوبيا على مسافة 800 كيلومترا، ومع هذه النوايا غير السليمة من الجانب الإثيوبي، فقد اتسم الرد المصري بالهدوء ومحاولة التفاوض فيما انشغل السودان بسلسلة من الحروب الأهلية الطاحنة أفقدته جزأه الجنوبي وما تزال مستمرة إلى اليوم. في هذه الظروف واصل النظام الإثيوبي بناء سد ضخم يمثل خطرا على بلديْ المصب (السودان ومصر) من حيث تقليص مياه النيل إلى حدود منذرة وخاصة بالنسبة إلى مصر التي تعتمد عليه بصفة شبه كلية في توفير مياه الشرب لسكانها والري لزراعتها.
لقد بدأت الخطة الصهيونية الجديدة مع بناء سد “النهضة” و هاهي ذا تحاول استكمالها عبر خطوتين خطيرتين على مستقبل المنطقة الإفريقية والعربية، منها تأجيج أطماع إثيوبيا في جارها الصومالي المنهك بحروب داخلية مستمرة وانفصال ما يسمى بـ”أرض الصومال” عنه، مما جعل منه فريسة مناسبة للكيان حتى يركز قواعد وموطىء قدم اقتصادي وعسكري بافريقيا وممرات البحر الاستراتيجية. كما يبدو أن تلويح إثيوبيا بفتح منفذ على البحر يرتبط بهذا التعاون بين الكيان ونظام أديس أبابا الذي نجح اخيرا في كبح انتفاضات جياعه في الارياف.
إن الخطر المحدق في منطقة حساسة بين إفريقيا و آسيا يدعو إلى الإسراع برسم استراتيجية عربية لمواجهتها قبل سقوط الصومال وإعادة غزو اريتريا وتوسع الكيان طبقا لخططه المدعومة أمريكيا، كما ان المنهج الدبلوماسي الذي تتوخاه القاهرة يعد متعقلا بدرجة كبيرة لأن الكيان يحلم بإغراق مصر في نزاع مسلح مدمّر ولانهائي مع إثيوبيا، رغم أن هذه الأخيرة لا تكف عن الاستفزاز والاستقواء بالكيان ومن وراءه.
منذ سنوات، شهدت آفة المخدرات لدى الشباب خاصة من تلاميذ وطلبة وشرائح أخرى توسعا بكامل البلاد. وإذا كانت هذه الآفة قد وجدت بتونس منذ ما قبل الاستقلال عبر زراعة وترويج ما حمل تسمية “التكروري” و”النفة البيضاء”، فإن الاستهلاك كان مقتصرا على الكهول ولم يكن المصدر سوى غراستها بالبساتين والحقول.
وخلال 1957 وصلت لبورقيبة معطيات حول انتشار استهلاك التكروري بالبلاد فقام بسرعة بإصدار قوانين لزجر المستهلك والمنتج والمروّج على حد سواء. ولم تكتف السلطة بذلك بل بعثت فرق مراقبة تضمّ من أمنيين صحبة وأعوانا من وزارة المالية. وكانت المهمة الأساسية هي القضاء على زراعات التكروري في مهدها. وشمل التفتيش “المناطق السوداء” من الجنوب إلى الوطن القبلي إلى الشمال. ولئن كانت عمليات الزراعة قد تقلصت كثيرا فإنه لم يتم القضاء عليها، وقد لجأ المنتجون إلى زراعة مادة التكروري في الآبار و الجبال وعلى سطوح المنازل اجتنابا للمراقبة والزجر العقابي سجنا وخطايا مالية.
واليوم وخاصة إثر انتفاضة 2011 وما تبعها من فترات فتح كلى للحدود وتغول المهربين وتركيز عدد مهول من الاكشاك منها ماهو فوضوي و منها ما كان بعلم وتهاون مشبوه من سلطة الترويكا. فازدهرت ظاهرة المخدرات بنسق كبير جدا شملت حتى الأطفال بالمدارس الابتدائية ومثلت ماساة قائمة لآلاف الأسر كما فتحت الباب لانتشار الجريمة. رغم أنه لايفوتنا التذكير بأن الآفة انتشرت أيضا خلال فترة حكم بن على وشهدت البلاد بروزا للجريمة المنظمة في هذا المجال (عصابة المافيا ومنصف بن علي) وما لحقها من فقاقيع متلاحقة لحدود هذا اليوم.
لكن هل من حل جذري لهذا الخطر الذي ينخر شبابنا ويهدد مجتمعنا في كل العهود؟ أعتقد أن ذلك يتطلب جهدا وطنيا ومؤسساتيا طويل النفس ولكن بإمكانه الرسوّ ببلادنا إلى شاطئ التخلّص شبه التام من هذا الوباء ولو على مراحل. ومن الإجراءات الكفيلة بتقليص إنتاج وترويج واستهلاك المخدرات إلى أكبر حد ممكن او القضاء على اخطرها، فإن الطريقة الناجعة المقترحة هي التالية:
1) مراجعة التشريعات باتجاه مزيد العقوبات السجنية.
2) ادراج فصول لمصادرة أملاك كل من ثبت تهريبه للمخدرات او توزيعها.
3) مصادرة أملاك الأصول و الفروع الا ما ثبت من إرث
4) توجيه أموال الخطايا و المصادرة لصالح المستشفيات المختصة في إنقاذ ضحايا الإدمان
5) دون نسيان أن عقوبة الإعدام (خاصة للمنتجين والمروّجين) وارد بقوانين عديد الدول.
هذا مع كل التنويه والشكر لفرق الأمن الوطنية التي تقوم بكل جهودها وتسجل نجاحات كبيرة في مكافحة الجريمة ومنها الأخطر كتهريب وتوزيع المخدرات، ولن تكون هذه الجهود كافية في ظل التشريعات الحالية ودون ضرب المروجين والمهربين في مقتل. والمقتل الصحيح هو حسابات أرباحهم ومردود جرائمهم.