تمثل النتائج النهائية للباكالوريا كل سنة منجما حقيقيا من المعطيات حول هِنات نظامنا التربوي ونقاط القوة فيه، ولكن لا أحد يُجري قراءة مُعمّقة في تفاصيلها ولا أحد يُحاول مساءلة هذه النتائج والإشارة إلى مكامن النجاح قصد تعزيزها وتعميمها وترصيدها، وكذلك مواطن القصور حتى نُعالجها ونبني إصلاحاتنا القادمة على مؤدّيات تشخيصها.
<strong>منصف الخميري<strong>
فوزارة التربية تكتفي سنويا حال الإعلان عن نتائج الباكالوريا بتلاوة نسب النجاح حسب الشعب المدرسية وحسب الولايات ومعدلات الأوائل المتميزين، مع التأكيد في كل مرة على أن الاختبارات جرت في ظروف طيبة دون أية إخلالات تُذكر. ولم نسمع يوما أنهم سيعكِفون على تحليل نتائج الباكالوريا واستخلاص الدروس الضرورية منها لضمان نتائج أفضل في لاحق السنوات وإنقاذ شريحة غير الناجحين التي يُعتّمون عليها بمَكر وقلة مسؤولية. فهم يؤكدون على الـ 40 % الذين نجحوا لكنهم لا يقولون للرأي العام أن جزءً كبيرا من الـ 60% المتعثرين لن يعودوا إلى مقاعد الدراسة وستبتلعهم مسالك موازية غثّها أكثر بكثير من سمينها. لا يقولون شيئا عن هذا الأخدود الجارف لأنهم مُتأسّسون في الركود واللاّحركة والتصرف كيفما اتفق في صعوبات اللحظة، دون أية قدرة على الاستشراف والاستباق وإيجاد المعالجات الفذّة التي تنقذ أجيالا وتُربحنا أميالا.
أشعر شخصيا بمرارة كبيرة أمام واقع أن نخوض في كل مرة غُمار سنة دراسية جديدة دون إجراء أي تعديل أو تحوير أو تغيير أو تطوير في ملامح الباكالوريا التونسية : هذه العقبة الكأداء التي تصنع الأمل مثلما تصنع الإحباط وتُشرِع أبواب التفاؤل كما تزرع الخيبة في النفوس والوجع في الرؤوس. ويصبح الوجع مُضاعفا عندما نُدرك أن جموع التلاميذ البالغين هذا المستوى، لدى كل منهم مهارة أو موطن نبوغ أو اقتدار ما يجعله يعبُر الجسر ويرتقي إلى مستوى ما فوق الصفر.
يغمرني اقتناع راسخ بأنه من الممكن جدا – مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الباكالوريا- تجميع خبراء التربية والتعليم العالي وبقية الهياكل ذات العلاقة، ومُطالبتهم بإعداد مقترحات عملية في ظرف زمني لا يتجاوز الشهر وتكون قابلة للتنفيذ في مفتتح السنة الدراسية الموالية، وذلك على ضوء قراءة مستفيضة للنتائج في كل مستوياتها وفي علاقة بالإخلالات الكبرى التالية :
أولا : ترميم المسالك، أم المعارك
قُلناها مِرارا كما قالها عاليا كل المُشتغلين على مرفق التربية في تونس، إنه من الحقائق الساطعة التي تُفرزها الباكالوريا كل عام وصول شريحة واسعة جدا من التلاميذ برصيد ضئيل من المكتسبات الأساسية المتعارضة على طول خط التعليم الثانوي مع المسالك العامة مهما كانت طبيعتها أدبية، خدمية علمية أو تقنية. والذين كان من المفروض أن تُصمّم لفائدتهم – في منتهى المرحلة الإعدادية- مسالك ومعابر أخرى لا تستوجب تكوينا أساسيا صلبا بقدر ما تتطلب رصدا لميولات قابلة للتفعيل في شتى حقول البراعة والصناعة. ومن ناحية أخرى، علينا أن نشرع دون تأخير في قلب هرمية مسالك التعليم الثانوي رأسا على عقب، لتتقلص شعب الاقتصاد والآداب إلى أدنى المستويات الممكنة ويُضاعف حجم الشعب العلمية والتقنية… انسجاما مع الاتجاهات الكبرى في العالم اليوم تعليما وتشغيلا.
ثانيا : الضعف الفادح في اللغات كلها بما في ذلك اللغة العربية
أمرُ مستوى تلاميذنا في اللغات الأجنبية واللغة العربية الأم لم يعد يستدعي استحضار الأرقام والنّسب المائوية، لأنه أصبح من المُسلّم به في الشارع التربوي أن عشرات الآلاف من الناجحين في الباكالوريا لا ترتقي مستوياتهم إلى درجة المعدل البسيط في اللغات. ولا أعتقد شخصيا أن ذلك قدر محتوم، لأن شعوبا أخرى استطاعت التغلب على القصور اللغوي لدى أبنائها فظلّ الكتاب صامدا رغم سطوة الشاشات وسياسة الإفساد التي تمارسها التطبيقات. أُقدّر بأن إيجاد الحلول لهذه المعضلة يمر حتما عبر التحلي بدرجة عالية من الجرأة ! الجرأة في مراجعة السياسة اللغوية المطبقة في مدارسنا ومعاهدنا (برامج وكتبا ومقاربات) والجرأة في الإقرار بأننا نحن معشر الأساتذة (أو عدد كبير منا على الأقل) لا نُجيد تدريس اللغات ونُساهم بالتالي في تعميق أزمة ضعف تلاميذنا في اللغات.
ثالثا : تدنّي القدرات التواصلية العامة والشفوية منها خاصة
في نفس السّياق تقريبا، وبشهادة كبرى الجامعات الوطنية والعالمية التي يلتحق بها من تميّز من الناجحين في باكالوريتنا في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، يشكو أغلب تلاميذنا من ضَعف مستوى القدرة على التعبير كتابيا وشفويا في مستوياته الدّنيا، أي التحرير أو التكلّم بشكل سليم في موضوعات تتصل باليومي في حياتنا وليس بالضّرورة في علاقة بالعُمق الفلسفي الذي نلحظه في كتابات نظرائهم الألمان أو الطليان. وهذا مردّه في رأيي غياب التدريب الشفوي في كل المستويات الدراسية وضعف نسق المطالعة لدى شبابنا التي بدونها لا يمكن لقلمٍ أن ينمو ويتعزّز.
رابعا : من أجل خطة وطنية للارتقاء بالنتائج في جهات ومعاهد بعينها
يُسيئُني دائما أن يتوفّر سنويا أمام وزارة التربية لوحة قيادة تعكس واقعا مأزوما مُفصّلا جهة جهة ومعهدا معهدا، ولا تُبادر رغم ذلك بمحاولة رأب التصدّعات ومعالجة الإخلالات. فأيّة دولة وطنية تقبلُ بأن جهات بأكملها تعجز عن إرسال مشروع طبيب أو مهندس واحد وأن شبكة كاملة من المعاهد تتشوّق إلى ملاحظة حسن جدا في الباكالوريا منذ عشرات السّنين، وأن جهات أخرى في المقابل تُرسل أبناءها وبناتها بالعشرات إلى أرقى المسالك وأكبر الأقطاب الجامعية المُولّدة لفرص العمل والأمل…ويُترك المشهد على حاله.
خامسا : تراجع مردود منظومة المواد الاختيارية
بُعثت المواد الاختيارية تاريخيا من أجل تحقيق هدفين أساسيين على الأقل : تنويع ملمح التكوين بما يتجاوز المكوّنات الأساسية في كل شعبة دراسية، وإتاحة فرص أكبر وأوسع للتوجيه الجامعي بعد الباكالوريا. لكن مع مرور الوقت، تقادمت هذه المنظومة الرّديفة وتآكلت بالشكل الذي نزل بها إلى مجرد مواد يحاول من خلالها مترشح الباكالوريا اقتناص بعض العلامات الإضافية يُحسّن بها معدّله النهائي. ذلك أمر بيّن تُفرزه الباكالوريا سنويا ولكن لا أحد يُبادر بفعل أي شيء يُعيد الاعتبار لمكتسبات منظومتنا التربوية ويُطوّق الانحرافات التي تشهدها.
سادسا : من حق التربية إبداء الرأي في مآلات أبنائها عند وُلوجهم التعليم العالي
بمجرّد الإعلان عن نتائج الباكالوريا، يجتاز التلميذ التونسي “منطقة منزوعة الهوية” لأنه لم يعد تلميذا ولم يصبح طالبا بعدُ ! فلا التربية تُرافقه ولا التعليم العالي يحتضنُهُ. هذا بالإضافة إلى أن التربية لا تُستفتى إطلاقا ولو بشكل صوري في ما يُرصد من مآلات لأبنائها بشكل أحادي، والحال أن هيئات التفقد في التعليم الثانوي هي الأدرى بالطينة المعرفية التي يفدُ بها التلميذ على مدرّجات الجامعة. فأما آن الأوان ليكون للتربية كلمتها في الكيفية التي يتشكّل بها مصير مُخرجاتها؟
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.